الاتحاد

الملحق الثقافي

المشهد الثقافي العُماني.. فوضى لكن منظمة

مشهد من المسرحية العمانية “سعد الله ونوس”

مشهد من المسرحية العمانية “سعد الله ونوس”

يتأثث المشهد الثقافي في سلطنة عمان من مجموعة من البنى المشكلة له، وكل بنية من تلك البنى هي نسيج مختلف يشكل بنية مستقلة لبنية أخرى، بمعنى أن المشهد الثقافي في سلطنة عمان هو منظومة متداخلة تعمل على فك رموز الذهن العماني، واهتمامات المبدعين في سلطنة عمان، وتطور التجربة الإبداعية لديهم، وما طرأ عليها من تجديد.
والتجديد الأدبي، بحسب الباحث شكري عزيز في كتابه أنماط الرواية العربية الجديدة”، هو بحث دائب عن أدوات تمكن الأديب، وتزيد من قدراته على التعبير عن علاقة الإنسان بواقعه المتغير المستجد. وبهذا المعنى فإن التجديد في الأدب هو حيازة جمالية للعالم أو بحث عن عالم أفضل.

ابتسام بنت عبدالله بن مبارك الحجرية *

يتكون المشهد الثقافي، في تقديري الخاص، من ثلاثة أقانيم كبرى هي: الشعر والسرد والتجارب الفردية، أما الشعر فيشتمل على القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر. وأما السرد فيتضمن القصة القصيرة والرواية والرواية الجديدة. وأما المبادرات الفردية فينطوي تحت إهابها الترجمة والمسرح والسيرة الذاتية والحركة النقدية والنشر الإلكتروني وبناء المدونات.

الشعر
الشعر هو الكتابة عن الواحد حيث يعبر الشاعر عن ذاتيته بلغته الذاتية وتغريده المنفرد، كما يقول خضير ضياء في القلعة الثانية، وهي دراسة نقدية في القصة العمانية القصيرة، وقد نبغ العديد من العمانيين في نظم الشعر منذ القدم وامتد ذلك إلى عصرنا الحالي لتتلون التجربة الشعرية في سلطنة عمان بثلاثة أقسام من القصائد تطورت حسب الترتيب: القصيدة التقليدية العمودية، وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر. اما القصيدة العمودية فاحتفظت بالشكل لكنها اختلفت في المعنى والرؤيا، حيث اصبحت أكثر تعبيراً عن الكائن وألمه وذاتيته. وفي هذا النوع من القصائد احتفظت القصيدة بوحدة الموضوع، وتقيدت بقافية معينة تسير عليها بقية القصيدة، وغالباً ما تصنف هذه القصيدة على أنها منبريَّة خطابية.
وقد مثل هذا الاتجاه: الشيخ عبدالله الخليلي على الرغم من أنه كتب قصيدة النثر في ديوانه على ركاب الجمهور، ذياب بن صخر العامري، سعيد الصقلاوي، حسن المطروشي، هلال العامري، وسعيدة بنت خاطر. وأغلب هؤلاء الشعراء كتبوا قصيدة التفعيلة لاحقا وكانوا يراوحون في كتاباتهم بين العمودي والتفعيلة.
وتخضع قصيدة التفعيلة في الواقع لقيود الشعر ويسير الشعراء في نظم أبياتها على بحور الشعر، ولكن ليس حسب الطريقة المألوفة، وفي هذا النوع من القصائد أصبح الشاعر أكثر انكفاء على ذاته وتغنيا بآلامه بلغة تطفح بالتصوف والرومانسية، وهذه القصيدة أكثر حضوراً، ومن ابرز كتابها: شعراء القصيدة العمودية الذين ذكرتهم سابقاً، والشاعر صالح العامري، وإسحاق الخنجري في مجموعته الشعرية “وحده قلقي” وغيرهم ممن نظموا فيما بعد في قصيدة النثر. أما قصيدة النثر فهي قصيدة لا تكون رهن أي قيد على الإطلاق ولا تخضع لأي التزام من ناحية الوزن والقافية من ناحية حضورها على بياض الصفحة، فهي تمارس حريةً كاملة في تشكيل حضورها بفنية خاصة. وتكثر في القصيدة رؤى التشكيل اللغوي، والتشكيل البصري ويكون الاشتغال عليها فائق الفنية والرمز، وكل شاعر يسقط رؤيته حسبما شاء أو شاءت حالة الشعر لديه (= معين شلولة ونصر شعث، التجديد في القصيدة العربية “قصيدة النثر”: حوار وأمثلة، ملتقى الإبداع الأدبي، جمعية الثقافة والفكر الحر، مركز ثقافة الطفل الفلسطيني).
وتذهب سوزان برنار إلى أنَّ قصيدة النثر هي: “قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور... خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية”. ولتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثر فنية، أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الإيجاز والتوهج والمجانية كما رسمها أنسي الحاج. ومن الشعراء الذين توهج المشهد الشعري بوجودهم وكانت لهم تجارب ناضجة في قصيدة النثر العمانية: سيف الرحبي، سماء عيسى، زاهر الغافري، صالح العامري وهذا الأخير نظم في جميع حالات الشعر، عبدالله الريامي، محمد الحارثي، وعبدالله حمد سعيد.

القصة القصيرة
تعتبر القصة القصيرة نظاما لغويا يعكس من خلفه نظام ثقافة الأمة التي أبدعتها، وحضارتها (رولان بارت، مدخل الى التحليل البنيوي للقصص، ترجمة منذر عياشي ص 7-8 ).
والقصة القصيرة بشكل خاص تقوم على إحساس بالمفارقة، وشعور بالنقص يولّد حاجة للبحث عن الكمال. فبطل القصة مثل بطل الرواية شخصية إشكالية تبحث عن موضوع أضاعته بأدوات تزيده ضياعا أو هو يبحث عن موضوع لم يلتقِ به أبدا. (ضياء خضير، القلعة الثانية، ص 23 -24).
والقصة هي الصوت الأكثر علواً في سلطنة عمان، وتعد القصة القصيرة الخطوة الأولى للرواية العمانية؛ لأن أغلب كتاب القصة من العمانيين كتبوا الرواية في مرحلة تالية، وقد كانت القصص العمانية القصيرة تستلهم مواضيعها من الحكايات الخرافية المحكية (أي الحدث العجائبي والسحر) مثل: “المطر قبيل الشتاء” لسالم آل توية، و”هذيان الدمى” لخالد العزري، و”يوم نفضت خزينة الغبار عن منامتها” لمحمد اليحيائي، و”المرأة الواقفة تجلس” لزوينة آل توية. وربما كانت تلك الفترة هي فترة التأثر بروايات ماركيز في الواقعية السحرية. (آمنة الربيع، البنية السردية للقصة القصيرة في سلطنة عمان، ص 88-103).
ويستخدم القاص العماني أساليب متعددة في السرد أهمها الإمساك بالتداخل السردي والحكاية داخل الحكاية، وتداخلات الزمن فيها لتصبح منفتحة على فضاءات متعددة لا يعود الزمن ركنا رابعا بل هو كل الأركان المحيطة بالمكان مثل: “ربما لأنه رجل مهزوم” لسليمان المعمري.
وقد برزت التحولات في القصة العمانية في اللغة التي تحولت إلى اللغة الشعرية، لكنها مع ذلك لم تكن تلك اللغة الكونية ولم تعالج الثيمات الكونية بمعنى أن النصوص هي بيئية بحتة، ولم يتم ربطها بالأساطير والأفكار التي قد تحولها من تلك البيئة.
وفي المشهد القصصي في عمان ما زلنا نبحث عن الوعي، إذ الثيمات المعروضة في تلك النصوص هي ثيمات مكرورة ولا تشكل قلقا وجوديا حقيقيا لدى الكائن، مثل: الشخصية المهزومة، والذاتية، وهو غالبا ما يعكس سطحية معالجة الواقع وليس الغوص في أعماق التجربة.
ويحفل المشهد العماني بالعديد من المجموعات القصصية مثل: “دمدمات: قبور الوحشة وذاكرة الفراغ” لفاطمة الشيدي، “قوس قزح” لمحمد عيد العريمي، “حد الشوف” لسالم آل توية، وغيرهم.

الرواية
الرواية الحديثة تعبير عن وعي فني متطور، وتجسيد فعلي لمفاهيم أدبية ونقدية جديدة تتصل بوظيفة الرواية، وماهيتها وصلتها بالواقع وعلاقتها بالمتلقي، فهي بنية أدبية متميزة تتخلق نتيجة للتفاعلات الذاتية (طبيعة العناصر الروائية وتفاعلاتها) والتفاعلات الموضوعية: علاقتها بالواقع والتراث المحلي والعالمي وعلاقتها بجمهور القراء (شكري عزيز الماضي، أنماط الرواية العربية، ص 10).
وتعتمد الرواية في تصميمها الهندسي على البداية وذروة النهاية، والترابط بين الأحداث والتفاعل بين الحدث والشخصية الذي يؤدي إلى نمو الأحداث وفق مبدأ العلِّية والسببية، كما يؤدي إلى تطور الشخصية وتناميها، وكل هذا يؤدي إلى التوازن في العلاقة بين الحدث والشخصية، والشخصية والزمان والمكان، وهو ما يصف البناء بالتماسك والترابط والتدرج الفني، وتأتي تقنيات الرواية الحديثة تلبية لرؤيتها ووظيفتها، وتؤدي الأساليب السردية دورا رئيسيا في توازن البنية الروائية برمتها. وتختفي هنا ظاهرة التدخلات المباشرة والتعليقات المفسرة والحشو الذي لا مسوغ له، ويختفي الكاتب لتقديم المادة الروائية بموضوعية فنية لتحقيق التأثير والإقناع الفني.
وكثيرا ما يستخدم ضمير المتكلم بدلا من ضمير الغائب، أو نلحظ تعددا في الرواة، وتنوعا في الضمائر. وتتمحور الأساليب والتقنيات حول بطل فرد (وهو ما قد يدل على قيم فنية بعينها) أو حول بطولة جماعية (وهو ما قد يدل على قيم فنية أخرى). وبسبب اهتمامها بالجوهري والباطن فإن لغتها لغة إيجابية تصويرية بعيدة تماما عن التقرير والمباشرة.
الرواية الجديدة: رواية “اللارواية” (Anti-Novel)، وهي تعبير فني عن حدة الأزمات المصيرية التي تواجه الإنسان، فالذات المبدعة تحس غموضا يعتري حركة الواقع ومجراها، كما تشعر بأن الذات الإنسانية مهددة بالذوبان أو التلاشي. وفي ظل تفتت القيم واهتزاز الثوابت وتمزق المبادئ والمقولات وتشتت الذات الجماعية وحيرة الذات الفردية وغموض الزمن الراهن والآتي وتشظي المنطق المألوف والمعتاد، وفي ظل هذا كله تصبح جماليات الرواية الحديثة وأدواتها غير ناجعة في تفسير الواقع وتحليله وفهمه، وعاجزة عن التعبير عنه. وتسعى الرواية الجديدة إلى تأسيس ذائقة جديدة أو وعي جمالي جديد.
تتمتع الرواية الجديدة بالانحرافات السردية المتعمدة، فهناك انتقال من حدث إلى حدث، ومن مكان إلى آخر، ومن شخصية إلى ثانية. وهذه الانحرافات المتعمدة تكسر التسلسل الزمني، بل تُفقد الزمن أهم خصائصه (أي التسلسل). وتتداخل الأزمنة، وأحيانا تختفي، وكذا المكان. وحتى موضوع الرواية لا يتصف بالوحدة أو التناغم أو التحديد. والشخصيات مجرد أطياف أو أسماء، أو هي مجرد حروف لا معنى لها (س. ص) أو رموز أو ضمائر أو أصوات. ولغة الرواية ليست واحدة، فهناك مستويات متعددة، وأحيانا نلحظ تمردا على اللغة المألوفة وتراكيبها وقواعدها، وهذا يعني أنها رواية لها شكل جديد وليس قالبا يلقى على التجربة فيحتويها، فهي شيء ينمو من خلال التجربة ويخضع لمتطلباتها، فهو شكل تجريبي يخلقه كل من المؤلف والقارئ (المصدر السابق ص 15-16).
إن مهمة الرواية لا تكمن في التشويق وجذب القارئ وجعله منغمسا في عالم الفن، بل تهدف إلى دفع القارئ إلى التأمل وإثارة الأسئلة. وقد مرت التجربة الروائية العمانية بعدة مراحل:
? الرواية الكلاسيكية؛ هي الرواية التي تلتزم بقواعد الرواية وخطية عناصر الرواية مثل رواية: “الشراع الكبير” و”ملائكة الجبل الأخضر” لعبدالله الطائي، وروايات “رجال من جبال الحجر، رجل وامرأة، المعلم عبد الرزاق، رمال وجليد” لسعود المظفر فهذه التزمت بالخط الكلاسيكي للرواية.
? التمرد على القوالب الكلاسيكية؛ بدأ تيار الوعي في سلطنة عمان برواية” ديازيبام” لحسين العبري تم نشرها عام 2000 وهي أقرب للنص السردي الطويل منه للرواية، فقد كانت الرواية تطبيقا صارخا لتيار الوعي. تحكي الرواية قصة رجل يحاول تبرير فكرته حول الوجود والواقع: “إن الواقع سخيف وسطحي ويصيبه بالغثيان، والواقع الحقيقي هو ذلك الذي يعيشه حين يقفل عليه باب غرفته، ويعيشه أكثر حين يغلق عليه باب نفسه، وهو واقع مهما امتد مؤقت، وحقيقته وهم”.
ويقول في مكان آخر: “كانت الحجرة إضافة إلى مسرح الموت الذي تمنحه تتفتح على شيئين: عنكبوت مسن يمد خيوط الموت ليقضي على تواتر الزمن، وبقايا صورة لولد في العاشرة من عمره لا يبدو أنه واع لما وراءه ولا لما يستقبله، أما و فقد كان يتفتح علوة غائرة ملآى باللاشيء.
لم تعتمد الرواية أسلوب الحوار بل اعتمدت في كليتها على المونولوج، وتحليل المواقف وتبريرها وكأن الرواية حوت كائنين هما: الرجل المنغلق على ذاته والعنكبوت الذي حرك الحدث وأثار ذهن الرجل، إلى جانب سكون الزمن وانغلاقه في الرواية. وينكشف سر ذلك التتبع الذهني والذي يناقش مسائل وجودية حادة مبينا عبث الحياة والوجود واللاجدوى في هذا الوجود، حين يخرج الرجل من قوقعته الداخلية المونولوجية إلى العالم الخارجي ليتضح أنه أحد نزلاء مستشفى الأمراض النفسية وتسكن حركته بجرعة ديازيبام.
وقد صدرت مجموعة من الأعمال الأدبية مثل “غبار” لبشرى خلفان، وهي نص سردي طويل لكنه يحمل بذور البنيوية، وهي من النصوص التي تحمل أبعادا مكانية مفتوحة ومتعددة وقد كتبت بأسلوب رومانسي، أما “منامات” جوخة الحارثي فهي قطعة فسيفساء أخرى تؤثث المشهد الثقافي في سلطنة عمان وهي عبارة عن خواطر فتاة وتساؤلاتها حول مجتمعها وحول الحب. راوحت جوخة بين الحوار “الديالوج” وبين المونولوج لتدلل على قدرة هذه الفتاة على التكيف مع الأشياء المحيطة بها بالرغم من الأفكار التي كانت تعتمل في داخلها، و”درب المسحورة: أوراق هاربة من سيرة فتاة عمانية” لمحمود الرحبي، وهي الرواية الأكثر جرأة ضمن الروايات التي نشرت مؤخرا فالرحبي استلهم التراث العماني ونسج من خرافة عمانية عالما وفضاء معرفيا متألقا يقرأ من خلاله وجودا جديدا، وهي من الروايات التي حملت أبعادا فنية عميقة وناضجة. وهناك روايات “تبكي الأرض ويضحك زحل” لعبد العزيز الفارسي، و”فيزياء” و”الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحي، و”خريطة الحالم” لمحمود الرحبي، و”الخشت: وللعبة أدوار أخرى” لمحمد سيف الرحبي، و”الأشياء ليست في أماكنها” لهدى الجهوري، و”سيدات القمر” لجوخة الحارثي، و”الأحمر والأصفر” لحسين العبري... وغيرها كثير. وبالنسبة للرواية العمانية قد لا تصف الواقع، ولا تحاكيه، ولا تنقله، لكنها لا تتعالى عليه فهي لا تصور عوالم نادرة أو شاذة أو ذاتية أو خاصة. وعود إلى مفاهيم الوعي وتأثيرها في غرس مفاهيم جديدة كالكتابة التي تقدم معرفة إلى جانب المتعة والشراكة بين المبدع والمتلقي أصبحت النصوص العمانية نصوصا مفتوحة تستخدم تقنيات سردية جديدة تتسم بالشعرية.
ما عادت الرواية العمانية مقولبة كما هي في الماضي مقولبة بعناصر الرواية: الحدث، والحبكة وغيرها من العناصر الروائية، بل خرجت عن إطارها وأصبحت أكثر بنيوية وتركيزا. ومع ذلك لم تصل القصة القصيرة والرواية في عمان إلى مرحلة إنتاج المعرفة.

الترجمة
تعتبر حركة الترجمة حركة فردية وليست عملا مؤسسيا، بدأت حركة الترجمة مع المترجم العماني: محمد أمين عبدالله، شيخ المترجمين العمانيين كما وصفه أحد النقاد، وقد ترجم: كتابي بيرترام توماس (البلاد السعيدة، 1981)، و(مخاطر الاستكشاف في الجزيرة العربية،1981)، أما الآن فقد تمت ترجمة مجموعة من النصوص الإنجليزية من مترجمين عمانيين مثل: مزرعة الحيوان لجورج أورويل ترجمة: محمد عيد العريمي، وبارتلبي النساخ لهيرمان ميلفل ترجمة: زوينة آل توية، والجهود الفردية لمجموعة الترجمة برئاسة الدكتور عبدالله الحراصي من جامعة السلطان قابوس وإصدار ملحق (beacon)/المنارة.

المسرح
يعتبر المسرح العماني مسرحا تجريبيا والمسرح التجريبي تقوم فكرة التجريب في المسرح على تجاوز ما هو مطروح من الأشكال المختلفة للمسرحية من حيث الشكل أو الرؤية؛ لكي تقدم لنا فكرة متقدمة عما هو موجود بالفعل، وكلمة تجريب مرتبطة بالتحديث وهذا الربط يفصل بين الأصيل والجديد، والتجريب يخاطب مختلف التيارات الفكرية والسياسية والعقائدية. ويمتاز المسرح التجريبي بتجاوزه لكل ما هو معلب ومألوف وسائد ومتوارث والإتيان بالجديد واختراق الثوابت عبر ثيمات تتمثل في تحميل العمل التجريبي إمكانية تجاوز الخطوط الحمراء البنيوية والشكلية. ومن أبرز المسرحيين في سلطنة عمان: عبد الكريم جواد، آمنة ربيع، عبد الله خميس، صالح الفهدي.

السيرة الذاتية
السيرة الذاتية هي سرد قصصي يجمع بين الأدب والتأريخ، وفي السيرة الذاتية في السلطنة لم تبرز الكثير من السير الذاتية إلا بعض اليوميات التي بدأت حاليا بالظهور لكن بالرغم من الندرة في السيرة الذاتية إلا أنها تميزت بكونها أكثر رؤيوية، ولم تعد مجرد سرد تاريخي مثل “مذكرات أميرة عربية”، بل أصبحت عملا نقديا يسرد فيه صاحب السيرة سيرة محملة بنقد لأعماله ومواقفه فهي قراءة ذاتية للذات والعالم المحيط ومن السير الذاتية: بين الصحراء والماء، ومذاق الصبر لمحمد عيد العريمي، والوخز لحسين العبري.

الحركة النقدية
لا توجد حركة نقدية واضحة ومنهجية، لكن المشهد العماني النقدي تحرك بوجود العديد من الدراسات الأكاديمية التي قدمت كأطروحات ساعد إلى إخراجها مشروع “البرنامج الوطني لدعم الكتاب”، الذي يشرف عليه النّادي الثّقافي والبعض بمبادرات شخصية للنشر.
وقد تزين المشهد العماني النقدي بكتاب “الراحل على غير هدى - شعر وفلسفة عرب ما قبل الإسلام لسلام الكندي” وهو دراسة معمقة لشعر ما قبل الإسلام انتهجت نهجا بنيويا، واللافت في هذه الدراسة القيّمة كما ذكر جهاد الترك في صحيفة المستقبل، أن صاحبها، وقد كتبها بالفرنسية، لا يسعى فقط إلى الإفادة التلقائية ممن سبقوه في مجال القراءات النقدية التي تتوخى أفكاراً ومفاهيم غربية، والأغلب أنه يظهر إلماماً عميقاً بها وبمثيلاتها الغربية التي راحت تكتشف، منذ بدايات القرن العشرين، مضامين مغايرة للمألوف السائد حول الشعر العربي القديم. واللافت في هذا البحث الشائق والمعقّد في آن، أن كاتبه يستدرج بشفافية وثقة بالنفس، بعضاً من الفلسفة الشعرية للشاعر الفرنسي الكبير ستيفان مالارميه، خصوصاً في ما يتعلق بنظرية “الزمن الشعري” الذي يكاد يتلاشى تماماً أمام “المكان الشعري” في المعلقات التي وصلت إلينا سالمة إلى حد كبير من حقبة ما قبل الإسلام.
كذلك دراسة إسحاق الخنجري في دراسته “الصحراء في الشعر العماني الحديث - دراسة سيميائية”، و”الصورة الشعرية في شعر سيف الرحبي.. حفر في مخيلة الذئب” لحميد الحجري وهي دراسة أسلوبية، وبعض هذه الدراسات استلهمت النظريات العلمية من العلوم التطبيقية لتعد من خلالها قراءة جديدة ومغايرة للثقافة والشعر العربي، وفي الآونة الأخيرة صدر كتاب في عمان بعنوان “نقد النقد في عمان” تحرير الدكتور هلال الحجري. وبالرغم من هذا التنوع في المناهج النقدية التي قدمتها الدراسات المذكورة إلا أن النقد لم يصبح تيارا في السلطنة.

النشر الإلكتروني والمدونات
كثرت في الآونة الأخيرة فكرة تصميم المدونات وفلسفة النشر الإلكتروني، وقد تنوعت تلك المدونات في مجالات مختلفة، وأصبحت هذه المدونات متنفسا للمبدع للتعبير عن آرائه بحرية وطلاقة في صدامه مع السلطة ونقده للمجتمع فأصبحت المدونات تعبيرا عن كل تلك القضايا التي لا تنشر في الصحف، كذلك أصبحت المدونات بمثابة الأرشيف الذي يحتفظ فيه المبدع بأعماله وجمعها ضمن مكان ومخزن واحد. وقد اتسمت تلك المدونات بالديناميكية بين المبدع وبين المتلقي لأنها حوارية حية تعرض فيها الأفكار والفلسفات وإن بدت صيغة التعبير عن الرأي في الأعمال المعروضة أقرب للارتجال والانطباع. ومن المدونات المعروفة في السلطنة: مدونة الربع الخالي هلال الحجري، هرطقات حسين العبري، يوميات إنسان عماني جدا لمعاوية الرواحي، مدونة عبدالله الحراصي، حرية بثمن الخبز لعائشة السيفي، مهذونة ناصر العميري، سرنمات وليد النبهاني، مراحين سالم آل توية.
أخيراً، قد يبدو المشهد العماني غارقا في الفوضى لكن وبالرغم من تلك الفوضى إلا أنها خلقت نظاما معرفيا وتنوعا وفي الرؤى وفي التفكير وفي الاتجاهات الأدبية والمعرفية.

* من أوراق “ملتقى الإمارات للإبداع الخليجي” الذي انعقد في ديسمبر الفائت

اقرأ أيضا