الاتحاد

ثقافة

رحلة البحث عن عروس (2)

بعد التل، مررنا بمجرىً منخفض حفرتهُ السيول القادمة من الجنوب اسمه ''وادي العروس''، وسأل أخي من جديد، فأخبره الوالد أن ''كردية أم رجب'' الصطوف هي المرأة التي كان عرسها هنا أيام الحصاد·
كان ذلك في أواخر أيام ''سفربرلك'' أو الحرب العالمية الأولى، والناس جياع وأحوالهم لا تساعد على إقامة الأعراس· وفي أول أيّام الحصاد، استبشر الأهالي خيراً بزواج حامد الصطوف على كردية، وأقاموا لهم حفلة الفرح في هذا المكان· ويقولون إنها كانت تحمل جرَّة الماء للعريس، فتعثرت بحجارة الوادي وكسرت الجرَّة· لكن المسكينة ماتت، إثر ذلك، بسنوات، يوم انهارت عليها المغارة وهي تحفر فيها لتأخذ الحوارة لكي ترش البيت بالحوار·
''تلَّة العورة'' كانت المكان الوحيد المخيف الذي قطعناه في رحلتنا تلك· التلَّة كبيرة ومشكوكة بالصخور والشجيرات الفطرية القصيرة، وفيها آثار قبور قديمة ومغاور مهجورة تأوي إليها الوحوش ليلاً، وخاصة الضبع·
ثم امتد بنا الدرب سهلاً متعرجاً حتى دخلنا القرية الواقعة على طرفي واد، فاتجهنا صاعدين غرباً نحو بيت خالتي· وكان العزاء، بعد مشقَّة الرحلة والخوف من حكايات الوحوش، أن الاستقبال كان طيباً وحميماً، ولم يسمحوا لأخي أن يرجع بالحصان قبل الغداء الذي كان البيض المقلي بالزُّبد الطازج أهم ألوانه·
تبدأ السهرة في القرى، عادة، بعد صلاة العشاء· وليل القرى المتكئة على كتف البادية تشكو من برد مبكِّر· وكم كنت مسروراً حين أشعلت خالتي النار في الموقد، تحت المدخنة· وفي الريف السوري، تبنى المدْخنة عادة في إحدى زوايا البيت· تحلَّقنا حول النار المتوهِّجة، لكني فوجئتُ بزوج خالتي وهو يحمل ''تنكة'' كبيرة، أُزيل غطاؤها من الجانبين، ثم وضعها فوق النار ليحصر الدخان، ويبعده عن عيوننا·
كانت هذه وسيلة جديدة، أدهشتني واستأثرتْ طويلاً بإعجابي، وكم كنت أحدث أصحابي بها؛ إنها لا تقل روعة عن اكتشاف المصباح الكهربائي الذي يتوهج بالنور من لمسة مفتاح مثبت في الحائط··· وهذه تجربة مدهشة أخرى خبرتها عند أول زيارة لمدينة حمص بصحبة أخي، يوم قاد العربة المحمَّلة بالقمح والشعير لتسليمه إلى إدارة الميرة، أيام الانتداب الفرنسي·
في البداية أخذت بالمنظر، على غرابته، وتصوَّرتُ أن جدران التنكة ستحجز الحرارة عنا· لكن المفاجأة لم تقتصر على منظر الصفيح المحيط بأقراص الجلة المتقدة، إنما تجاوزتها إلى الإحساس بالحرارة المشعة من جدرانها؛ وسوف تعلمني المدرسة بعد سنوات أن المعدن ناقل للحرارة والكهرباء·
كان الوالد قد علَّل الزيارة غير المتوقعة بأنه يبحث عن فرس أو مهرة مناسبة للنقل والحراثة، وقد ذكر اسم عائلة سمع أن لديها ما جاء من أجله، وهو يريد من عديله ''أبوعيسى'' أن يرشده إليها ليرى بغيته بنفسه·
رحب أبو إبراهيم وأسرته بالزيارة، وأعدوا عشاء دسماً من البرغل واليخنة (مرق) الحافلة بالدجاج وشرائح البصل المقلي بالزُّبد· واحتفالاً بالضيف العزيز ومكانته الغالية عندهم -كما كرروا ذلك مراراً- دعوا للسهرة عدداً من الجيران حتى احتشد البيت بالرجال، ودارت الألسن بالحكايات والطرائف والأشعار·
لا أتذكر من تلك السهرة إلا حكايات مخيفة عن الوحوش واللصوص وقطاع الطرق، وخاصة أن الشتاء على الأبواب· وتخلل ذلك أحاديث متناثرة عن الحرب وحماسة الحاضرين للألمان والدعاء لهم بالنصر· ومع أنها كانت أطول سهرة أشهدها، لكن النعاس أثقل أجفاني فأخذتني خالتي إلى الفراش الصوفي لأنعم بنوم دافئ عميق·
في ضحوة اليوم التالي، وبعد تناول الإفطار، قام الرجال بجولة في القرية، وحينها شاهد والدي الفرس ومهرتها الرشيقة المتقافزة حول أمها، ولا أدري ما دار بينهم من أحاديث، إنما أذكر جيداً أن قصة العروس انتهت في تلك الرحلة، ولم تعد مدار الحديث بين الوالدين·
علي كنعان

اقرأ أيضا

«بذور الشر».. تلقى قبولاً نقدياً وجماهيرياً