الملحق الثقافي

الاتحاد

حورية الخمليشي: قصيدة النثر رهينة

الدكتورة المغربية حورية الخمليشي كاتبة وباحثة متعددة الآفاق والمواضيع... تضع قلمها في خدمة الشعراء والأدباء، ترشد وتوجه حيناً، وتلفت بمنتهى الذوق عند اقتضاء الأمر... تزودت بالكثير من المعارف، وجمعت معلومات لا تحصر. لم تحتفظ بها لنفسها ولم تدّخرها بعيداً عن أهل العلم والمعرفة. بل كتبتها ونشرتها وقدّمتها لكل طالب وباحث ومهتم... همّها نشر المعرفة وهدفها تعميم المفيد... من مؤلفاتها، الخطاب الشعري العاشق والإبداع...، ترجمة النص العربي القديم وتأويله، الشعر المنثور والتحديث الشعري، إصدار الدار العربية للعلوم ناشرون – بيروت. وفي اثناء زيارتها لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب 54 التقينا بها وأجرينا معها هذا الحديث.

لماذا الاهتمام بموضوع الشعر المنثور في العالم العربي؟
? موضوع الشعر المنثور في العالم العربي لم يحظ بما يستحقه من اهتمام الأدباء والباحثين في النقد المعاصر. لهذا وجدت صعوبة في الإحاطة بالجانب التوثيقي لأن الآراء حول هذا الشعر كانت موزعة في مجلات أدبية معاصرة لمرحلة ظهور الشعر المنثور كمجلة أبوللو ومجلة الرسالة ومجلة الأديب وغيرها من المجلات المواكبة لحركة التحديث الشعري.
وهذه أول دراسة في العالم العربي تهتم بالشعر المنثور كتاريخ ومصطلح وتجربة.

? ما هو مفهوم الشعر المنثور في العالم العربي؟
? الشعر المنثور جنس شعري، وليد حركة التحديث الشعري في العالم العربي والتي أعلن عنها أمين الريحاني ومَن تلاه من الشعراء كأحمد زكي أبو شادي وجبران خليل جبران وأبو القاسم الشابي وغيرهم من الشعراء. وهو شعر يعتمد على موسيقى الإيقاع التي تنبثق من تدفق الشاعرية والتعبير. لا يتقيَّد بوزن ولا بقافية لكنه يعتمد على جمالية الصورة، ورونق اللفظ.
لا يحيلنا على الشعر ولا على النثر لكنه يجمع بين مُكوِّنيْن إبداعيين “الشعر والنثر” وهذا ما دفع بنا إلى النظر في المسلّمات الأجناسية.

خرق الحدود الأجناسية
? هل الشعر المنثور خرق للحدود الأجناسية؟
? نعم، الحركة الرومانسية في العالم عرفت إلغاء الحدود بين الشعر والنثر. وأفرزت تصنيفات وتسميات متعددة للقصيدة تحيل في معظمها على الشعر المنثور وهذا دليل على هدم الحدود بين الأجناس الأدبية.
حينما نتحدث عن تجربة الأجناس الشعرية فهذا يعني في الساحة النقدية أن الشعر العربي الحديث أو المعاصر أصبح منفتحاً على تجارب شعرية جديدة من بينها الشعر المنثور وقصيدة النثر. وفيها تطرح حدود النثر وحدود الشعر والعودة إلى الماضي لاستكشاف الكتابات النثرية، إلا أن كل هذه الاتجاهات ينقصها عدم الوعي النظري لأنها تصورات غير محددة كما نجد في التجربة الشعرية الأوروبية معوضة بها مصطلح الشعر الحر في حين أن قصيدة النثر لا علاقة لها بالشعر الحر كما شاع عند نازك الملائكة وغيرها من رواد الشعر الحر.

? كيف بدأت حركة الشعر المنثور ؟
بدأت حركة الشعر المنثور في المهجر. فقد كان للجمعيات الأدبية دور كبير في تحديث الشعر العربي، ووصلت أصداؤها إلى كل من سوريا ولبنان ومصر والمغرب.
ولعبت حركة أبوللو على وجه الخصوص دوراً مهماً في تحديث الشعر العربي تنظيراً وممارسة ومهّدت لنشوء مفهوم جديد للشعر ولبِنْيَة القصيدة. فكانت قصيدة “الحياة والموت” أول قصيدة من الشعر المنثور نشرها الريحاني في مجلة الهلال عام 1905.
وللريحاني أيضاً شعر منثور في الاجتماع والحِكَم والفلسفة وتبعه خليل مطران عام 1906، وتلته بعد ذلك محاولات الشعراء الشبان ولكن بتسميات وتصنيفات متعددة تُحيل على الشعر المنثور.

? لماذا تأخر ظهور الشعر المنثور في العالم العربي؟
? تأخر ظهور الشعر المنثور في المغرب العربي عن الشرق لأن الحركة الرومانسية في المغرب لم تظهر إلا بعد الحرب العالمية الثانية.
فقد أصدر “محمد بلعباس القباج” سنة 1929 أول ديوان للشعر المغربي في العصر الحديث. ولعبت مجلة “المعتمِد” التي كانت تصدر في شمال المغرب في كل من العرائش وتطوان دوراً ريادياً في تحديث الشعر العربي والانفتاح على الشعر الأوروبي.

مشكلة المصطلح
? لماذا تعددت مصطلحات وتسميات الشعر المنثور؟ هل هو خلط مصطلحي أم خلط مفاهيمي؟
? مشكلة المصطلح أهم مشكلة واجهتها في هذا العمل حتى خشيت أن تنهج هذه الدراسة منهج الدراسة الأدبية المقارنَة، وقد ذكرت ذلك في مقدمة الكتاب. فلم يعرف أي جنس من الشعر ما عرفه الشعر المنثور من إشكالية المصطلح، لأن مصطلح الشعر المنثور في أدبنا العربي له خلفياته الدلالية والإيديولوجية، لذلك ينبغي أن يكون شبه إجماع بين الشعراء والباحثين العرب لقبول مصطلح أو رفض آخر أو إحلال مصطلح محل آخر. فالشعر المنثور عند الجرجاني كان يعني شيئاً آخر وكذلك في الكتابات الصوفية.
كما أن عدم اتفاق الشعراء والنقاد على توحيد المصطلح أدى إلى عمومية مدلوله. وقد ذكرتُ ما يقرب من ثلاثين مصطلحاً تُحيل في مجملها على الشعر المنثور.

? يقال بأن قصيدة النثر ظهرت هي أيضاً بمصطلحات وتسميات عديدة كالشعر المنثور.
? نعم، ظهرت قصيدة النثر في العالم العربي بعد الشعر المنثور، وظهر الشعر المنثور تاريخياً بعد قصيدة النثر في الغرب. لكن الشعر المنثور مهّد لولادة قصيدة النثر التي ظهرت بتسميات عديدة منذ بداية القرن العشرين، وكانت معروفة في كثير من الكتابات بالشعر المنثور. وعرفت هي أيضاً التباساً في المصطلح بين أجناس شعرية أخرى كالشعر الحر والشعر المرسَل والنثر الشعري. وقصيدة النثر دليل واضح على أن النثر قد يسمو إلى مرتبة الشعر. وتبقى الموسيقى هي الحد الفاصل بين الشعر والنثر.
إلا أن قصيدة النثر ظلت لزمن رهينة قصيدة النثر الفرنسية عند سوزان برنار، كما ظلت رهينة الجدل بين النقاد حول تسميتها. وخالدة سعيد في تقديمها لمجموعة محمد الماغوط “حزن في ضوء القمر” سنة 1959 صنّفته بأنه شعر منثور أو نثر شعري أو نثر فني. وبما أن النقد حسب الشاعرة يجب أن يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، فقد اعتبرت هذا الفن الشعري شعراً. لكن قصيدة النثر بعد هذه المرحلة وصلت إلى مستوى عالي من التعبير.

? هل المشكلة هي مشكلة الترجمة بالدرجة الأولى؟
? نعرف أن الترجمة سمة الحداثة، لكن عدم تحرّي الدقة في الترجمة قد يؤدي إلى نوع من الغموض والاضطراب، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بترجمة المصطلح الشعري الذي هو نقل للمعرفة وليس نقلا للمصطلح في حد ذاته. فمشكلة الترجمة هي مشكلة السياق الثقافي. فمن الصعوبة تجريد هذه المصطلحات من سياقها الأصلي وتوظيفها في سياق جديد تحكمه ثقافة جديدة مختلفة.

? لماذا العودة إلى الشعر المنثور في عصرنا؟
? الكثير من الكتابات المعاصرة هي من الشعر المنثور. نجد هذا مثلاً في نماذج من شعر محمود درويش ومحمد بنيس وحسن نجمي بالإضافة إلى عدد كبير من الشعراء. الشعر العربي يعيش دائماً تجربة الأجناس برؤية سَوِية منفتحة على الشعر العالمي، فنشأت ثقافة شعرية متفاعلة قربت الشعر من النثر. والشعر العربي الحديث والمعاصر شعر متأثر بالثقافة العربية وبالثقافة العالمية. وشعريته من رونق هذا التمازج والتفاعل.

اقرأ أيضا