الاتحاد

الاقتصادي

خيارات صعبة أمام قمة أبوظبي للتوفيق بين المصالح الوطنية والإقليمية

إعداد - أيمن جمعة:
تعقد قمة مجلس التعاون الخليجى المقبلة فى مرحلة مهمة تمر بها المنطقة لمواجهة التحديات المحيطة بها فى المرحلة الراهنة الامر الذي يستلزم بلورة رؤية موحدة وفاعلة لتعزيز العمل الخليجى المشترك فى السنوات القادمة، ويتزامن انعقاد القمة الخليجية التى تبدأ أعمالها غدا مع الذكرى الخامسة والعشرين لإنشاء المجلس وانطلاق قمته الاولى عام 1981 من أبوظبى أيضا فهى قمة تكريس الانجازات التى تحققت وقمة تعزيز مسيرة 25 عاما من التعاون والتنسيق المشترك·
ويأتى انعقاد القمة الخليجية وسط ظروف عربية وإقليمية دقيقة تتطلب دعم الجهود وحشد الطاقات فى جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية·
ويتوقع المراقبون أن يحظى الجانب الاقتصادى باهتمام القادة الخليجيين خلال قمة أبوظبى خاصة وأنه كان قد تم التوقيع على الاتفاقية الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجى فى شهر نوفمبر 1981 والتى أرست قواعد العلاقات الاقتصادية بين الدول الاعضاء فى مارس 1983 وحل محلها اتفاقية اقتصادية جديدة فى ديسمبر 2001 لتكون أكثر قدرة على التفاعل مع العمل الخليجى المشترك ويأمل المراقبون أن يتمكن القادة الخليجيون خلال قمتهم المقبلة من إقرار قانون التنظيم الصناعى الموحد لدول المجلس من أجل تشجيع وتنمية المشاريع الصناعية الخليجية·
ويمنح هذا القانون ضمن مواده الاعفاء كليا أو جزئيا من الرسوم الجمركية على واردات المشروع وذلك وفقا لضوابط إعفاء مدخلات الصناعة المتفق عليها فى إطار مجلس التعاون والاعفاء كليا أو جزئيا من جميع الضرائب بما فيها ضريبة الدخل، وذلك وفقا لانظمة كل دولة وإعفاء صادرات المشروع الصناعى من ضرائب ورسوم التصدير على أن تمنح الاولوية فى الحصول على المزايا والاعفاءات التى تنتج سلعا للتصدير أو للاستهلاك المحلى لتحل محل السلع الاجنبية أو تنافسها، كما يمنح القانون الجديد الاعفاءات للصناعات التى تقوم على استقلال وتطوير الموارد الطبيعية المتوافرة فى دول المجلس·
ويرى المراقبون أن هذا النظام الجديد سيساهم فى التقارب الصناعى الخليجى فضلا عن إيجاد منافسة تكاملية بين المصانع القائمة والتى ستنشأ فى المدن الصناعية بدول مجلس التعاون، وهناك أيضا خطوات قام بها المجلس فى مجال التنمية المستدامة لتحقيق التكامل الاقتصادى بين الدول الاعضاء وفق خطوات متدرجة بدءا بإقامة منطقة التجارة الحرة ثم الاتحاد الجمركى تمهيدا لاستكمال متطلبات السوق الخليجية المشتركة فى عام 2007 والاتحاد النقدى عام 2010 والتكامل الانمائى بين دول المجلس عن طريق تبنى عدد من السياسات والاستراتيجيات فى المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية والبيئية من أهمها استراتيجية التنمية الشاملة خلال الفترة من 2000 إلى ·2005
وفى مجال الربط الكهربائى الخليجى، تم الشهر الماضى التوقيع على 14 عقدا لتنفيذ المرحلة الاولى لمشروع الشبكات الكهربائية الخليجية بين البحرين والسعودية وقطر بقيمة إجمالية بلغت مليارا و96 مليون دولار، ويعد المشروع ثمرة من ثمرات التعاون الخليجى فضلا عن تحقيق المساندة الاستراتيجية فى حالات الانقطاع الشامل للكهرباء أو حالات الطوارئ فى إحدى دول المجلس، ويهدف المشروع إلى خفض احتياطى قدرات التوليد إلى نصف إجمالى الاحتياطى المطلوب والاستغناء عن بناء محطات توليد فائقة القدرة بما يوفر 3ر5 مليار دولار حتى عام ·2028
ويجمع المراقبون على أن قرارات القمة القادمة ستعكس إصرار وتصميم قادة دول مجلس التعاون الخليجى على ترسيخ وتكريس التعاون والتنسيق والتشاور المتواصل بين الدول الاعضاء وصولا الى تحقيق آمال وطموحات شعوبها·
ومن أبرز ما حققه مجلس التعاون الخليجي خلال الاعوام الماضية، ارساء الاسس الصلبة لاقامة سوق خليجية مشتركة بحلول عام ،2007 على ان تبلغ مسيرة التكامل الاقتصادي ذروتها بإنشاء اتحاد نقدي يتضمن عملة مشتركة وسياسة نقدية موحدة في موعد أقصاه عام ·2010 ويتوقع الخبراء ان تؤدي هذه الخطوات الى تمهيد الساحة أمام الدول الخليجية لمواجهة تحديات العولمة·
وتبدو ان الصورة اكتملت تقريبا للسوق الخليجية المشتركة، والاعناق تشرئب الان نحو الاتحاد النقدي وما يتطلبه من خطوات حاسمة بما في ذلك اصدار عملة نقدية موحدة وتأسيس بنك مركزي مشترك ووضع سياسات عامة لدول المنطقة· بيد ان دفع هذين الهدفين قدما نحو مرحلة التنفيذ يستلزم اتخاذ خيارات سياسية أكثر صعوبة·
ويرى بعض الخبراء ان كل الانجازات الرائعة التي تحققت في المرحلة السابقة هي 'الجزء الأسهل' من التكامل وذلك نظرا لطبيعة الاقتصادات الخليجية المتشابهة وانفتاحها التقليدي· ويستدلون في ذلك بحقيقة ان كل عملات دول المنطقة هي فعليا مربوطة بالدولار الأميركي، وان السلع والخدمات ورأس المال والعمالة الوطنية كانت حرة أيضا خاصة بالنظر إلى التشابه في اللغة والثقافة·
وهناك اجماع على ان المرحلة المقبلة هي الحاسمة في مسيرة التكامل والاندماج، وانها تفرز تحديات ضخمة لانها قد 'تتصادم' مع بعض الاختلافات في المصالح الاقتصادية، وهو سيطرح بدوره خيارات سياسة صعبة على الدول خلال سعيها للتوفيق بين مصالحها الوطنية والإقليمية·
قطعت دول المجلس شوطاً طويلاً في سلسلة إنجازات تستهدف تنمية الفرد والمجتمع، يأتي في مقدمة تلك الانجازات توحيد السياسات الاقتصادية، فالمتابع لحركة النمو الاقتصادي سيلاحظ التغيرات الكثيرة التي طرأت على السياسات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث حرص مجلس التعاون منذ انطلاقه على تبني سياسات عامة تشكل الاطار المقبول لتوجهات الدول الاعضاء كمرحلة أولى، على أن تصبح هذه السياسات العامة هي المنطلق مستقبلا للسياسات الوطنية· وفي هذا الاطار تم اقرار عدد من الوثائق من بينها، أهداف وسياسات خطط التنمية، والسياسة الزراعية المشتركة المعدلة، والاستراتيجية الموحدة للتنمية الصناعية، وإستراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول مجلس التعاون 2000 - ،2025 واتفاقية التعاون بين الدول الاعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية والجماعة الاقتصادية الأوروبية، فضلا على التنسيق المستمر والتعاون البناء لتنسيق سياسات دول المجلس وشركاتها البترولية الوطنية في مجال تسويق المنتجات البترولية المختلفة في الأسواق الاستهلاكية العالمية، واتخاذ كافة السبل لتجنب التنافس الضار لتحقيق أكبر عائد وضمان استقرار هذه الأسواق وفتح أسواق جديدة·
ومن بين الانجازات الاقتصادية التي تحققت فعليا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية ربط البني الأساسية بين الدول الأعضاء، حيث تركز الجهد في هذا المجال على دراسة وسائل تطوير البنى الأساسية لتحقيق تشابك المصالح بين دول المجلس، ولتحقيق هذه الغاية حدثت تطورات كبيرة على عدة مجالات مثل الطريق البري المباشر وشبكة الاتصالات بالدول الأعضاء وشبكات الضغط الكهربائي العالي واستخدام المحطة السعودية للاستشعار عن بعد كمحطة لتزويد دول المجلس بالبيانات والصور للأقمار الاصطناعية وربط مراكز الحاسب الآلي في الدول الأعضاء·
أما فيما يتعلق بالمشاريع المشتركة، فقد حرصت دول المجلس على إنشاء ودعم المشروعات المشتركة فيما بينها في مجالات الزراعة والخدمات برؤوس أموال عامة او خاصة او مختلطة لتحقيق التكامل الاقتصادي والتشابك الإنتاجي والتنمية المشتركة على أسس اقتصادية سليمة· كما أكدت الاتفاقية قيام الدول الأعضاء بتشجيع القطاع الخاص فيها على إقامة المشاريع المشتركة بما يؤدي إلى ربط المصالح الاقتصادية للمواطنين في مختلف المجالات· وفي هذا الإطار أقيمت عدد من المشاريع المشتركة في مجالات الصناعة و التأمين، وخدمات الطيران والثروة الحيوانية والزراعية·
وكذلك الحال بالنسبة للمؤسسات المشتركة، حيث تم تأسيس العديد من الاجهزة من أبرزها مؤسسة الخليج للاستثمار، ومقرها الكويت، برأسمال قدره 2,1 مليار دولار، وهيئة التقييس لدول مجلس التعاون ومقرها الرياض، والمكتب الفني للاتصالات ومقره البحرين، ومركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون ومقره البحرين، واللجنة الاقليمية لنظم الطاقة الكهربائية وتم تسجيلها بدولة قطر، وهيئة الربط الكهربائي ومقرها الدمام بالسعودية·
كما حرصت الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي التأكيد على الموقف الجماعي والتمثيل الموحد في كافة المفاوضات والمحافل الدولية، حيث تحرص دول المجلس على تقديم موقف جماعي في التعامل الاقتصادي الدولي وهي ترسم سياستها وعلاقاتها الاقتصادية بصفة جماعية تجاه الدول والتجمعات الاقليمية الاخرى والمنظمات· وتحقيقاً لهذا الهدف المنصوص عليه في الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لعام 1981 والاتفاقية الاقتصادية لعام 2002 ، دخلت دول المجلس في مفاوضات مع شركائها التجاريين الرئيسيين دولاً ومجموعات ·
وقد تم تطبيق هذا المبدأ في عديد من الامثلة ومنها التمثيل الموحد من قبل الأمانة في بعض الاجتماعات واللقاءات، والتزام الدول الأعضاء بمراعاة ما ورد في الاتفاقية الاقتصادية الموحدة وما يترتب عليها بما يتفق مع المصالح المشتركة للدول الأعضاء عند ابرام اتفاقيات ثنائية مع أطراف من خارج دول المجلس، والقاء خطاب موحد لدول المجلس أمام الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصولا الى التنسيق الدائم بين مندوبي دول المجلس في المنظمات والمؤسسات العربية والدولية·
كما ظهر بوضوح خلال السنوات القليلة الماضية حرص الدول الأعضاء في المجلس على تقريب وتوحيد الاجراءات والأنظمة فيما بينها، وفي هذا المجال فقد تم التوصل إلى قائمة طويلة من الأنظمة الإلزامية والاسترشادية في كافة المجالات مثل الزراعة والمياه والموانئ والنفط والوكالات والعلامات التجارية وبراءات الاختراع وتشجيع الاستثمار الأجنبي ومزاولة مهنة المحاسبة والتأمين والاتصالات وتشجيع إقامة المشاريع المشتركة· لكن الملاحظ أن معظم هذه الأنظمة ذات طابع استرشادي بسبب الظروف الموضوعية للأجهزة التنفيذية بالدول الأعضاء ورغبة الدول في استكمال الأطر المناسبة لضمان نجاح تطبيق تلك الأنظمة·
ولعبت حكومات الدول الأعضاء دوراً كبيراً لتحقيق وتعميق المواطنة وتحقيق المساواة بين مواطني دول المجلس، وتضمن النجاح في هذا المجال عدة خطوات اهمها السماح لمواطني الدول الأعضاء بممارسة تجارة التجزئة، وتجارة الجملة، وتملك الأسهم والعقار، وممارسة المهن، والأنشطة الاقتصادية كالزراعة والصناعة والمقاولات والثروة الحيوانية وإقامة الفنادق والمطاعم ومراكز التدريب، والحصول على قروض من بنوك وصناديق التنمية الصناعية من أي دولة بالمجلس من دون الاهتمام بجنسية المقترض·
ويشير الخبراء أيضاً الى مساواة مواطني دول المجلس في المعاملات الضريبية ومعاملتهم معاملة المواطن عند ممارستهم الأنشطة الاقتصادية، وإلغاء الرسوم الجمركية على منتجات دول المجلس الوطنية الزراعية والحيوانية والصناعية ومنتجات الثروات الطبيعية شريطة اصطحابها لشهادة منشأ من الجهة الحكومية المختصة بالدولة المصدرة والسماح باستيراد وتصدير المنتجات الوطنية من والى دول المجلس من دون الحاجة الى وكيل محلي او اتخاذ أي إجراءات سوى شهادة المنشأ وبعض الإجراءات البسيطة الأخرى·
دعوة للاستفادة من تجارب الاتحادات النقدية الدولية
هل تحتاج العملة الخليجية الموحدة إلى عملية قيصرية
تلقي تجربة الاتحادات النقدية في مناطق أخرى من العالم الضوء على التحديات التي من الممكن ان تواجه دول مجلس التعاون وهي تتطلع لاقامة الاتحاد النقدي الخليجي، وهناك حاليا خمسة اتحادات نقدية في العالم منها ثلاثة في افريقيا وواحد في منطقة الكاريبي وواحد في أوروبا (منطقة اليورو)، وتم في كل هذه الاتحادات طرح عملة مشتركة باستثناء منطقة الاتحاد النقدي لجنوب أفريقيا حيث تلعب عملة أفريقيا الجنوبية، الراند، دور العملة الموحدة· وفي حين طبقت منطقة اليورو سوقها المشتركة قبل إنشاء الوحدة النقدية، فقد نفذت الاتحادات النقدية الأخرى تسلسلاً عكسياً حيث تعمل على تنفيذ التكامل الاقتصادي الشامل بعد انقضاء عدة عقود على دخول اتحاداتها النقدية حيز التنفيذ، ومع استمرار مباحثات ومفاوضات طرح العملة الخليجية الموحدة والتي قطعت أشواطا كبيرة حتى الآن ولم تظهر بعد إلى الوجود، نجد أن المنطقة تحتاج إلى مثل تلك العملة فعليا، لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية متعددة ومتشعبة، وهو ما يؤكد عليه الخبراء المطلعون بالشؤون الاقتصادية الخليجية، إلى حد طالب فيه البعض بالتعجيل بطرح تلك العملة أو ظهورها إلى الوجود أما بـ 'ولادة طبيعية' أو عبر 'جراحة قيصيرية'·· ويستخلص الخبراء عدة دروس مهمة من تجارب الاتحادات النقدية في العالم يتعين الالتزام بها لضمان نجاح تجربة التكامل الخليجية، وهي:
1- ضرورة توفر الاجماع السياسي للتوصل إلى الاتفاق الاقتصادي في عدة قضايا تشمل الإطار المؤسسي والتوجيهات الإرشادية لبنك مركزي مشترك ومستقل، وتقاسم العوائد من حق صك العملة المشتركة، والإطار المؤسسي والسياسي لترسيخ الاستقرار الاقتصادي الكلي في كل من الدول الأعضاء، بما في ذلك اعتماد آلية مؤسسية لإجراء التحويلات المالية لتخفيف أثر الصدمات غير المتماثلة على البلدان الأعضاء في الاتحاد النقدي·
2- تشكيل سلطة نقدية موحدة تعلو السلطات الوطنية وتكون مسؤوليتها بوضوح هي صياغة وإدارة السياسة النقدية·
3- ضرورة حفاظ كل الدول على أوضاع مالية قابلة للاستمرار، مع أهمية الأخذ في الاعتبار أن العملة الخليجية الموحدة قد تصبح وضعا غير قابل للاستمرار، وخاصة في حالة إحدى الدول الأعضاء الكبرى، يمكن أن يعرض الاتحاد لمزيج غير مرغوب من السياسات، وهو ما قد يؤدي لتقويض أهداف السياسات الاقتصادية الكلية الأخرى مثل استقرار الأسعار وأن يؤثر سلبا على سمعة الاتحاد برمته وجدارته الائتمانية· ولايجاد وضع مالي قوي فانه سيتعين على دول مجلس التعاون النظر في وضع سياسة ماليتها العامة في إطار متوسط الأمد· وحسنا فعلت القيادات الخليجية عندما استغلت الطفرة السعرية في النفط لتكوين فوائض مالية تستطيع ان تواجه بها اية ازمات ناجمة عن تراجع الاسعار·
4- توفير البيانات الدقيقة عن الاوضاع الاقتصادية بما يسمح بتقييم مدى التقدم في الالتزام لمعايير التقارب وأهداف السياسات
5- تبني ميثاق مشترك للسلوك المالي يتكون من معايير للتقارب المالي الضريبي وإطار مشترك لممارسات المحاسبة العامة وإجراءات مناسبة لادارة ميزانية الحكومة·
6- توفير سلطات رقابة فاعلة على سياسات المالية العامة التي تتبعها الدول الاعضاء للتأكد من تجانسها مع الأهداف النقدية العامة للمنطقة ككل وتجنب حدوث ازمات في القطاع المالي وهو ما يكون واردا اذا طبق أي بلد عضو سياسات مالية غير قابلة للاستمرار·
7- اعتماد جزاءات واضحة على اية مخالفات في سياسات المالية العامة بهدف تشجيع الانضباط المالي·
8- تصميم القواعد المالية لاتحاد دول مجلس التعاون النقدي في صيغة تضم السمات الاقتصادية الرئيسة لدول مجلس التعاون· ويتعين بشكل خاص ان تأخذ تلك القواعد بالحسبان درجات اختلاف الثروات النفطية بين الدول وحجم البلد ووضع مالية الحكومة في الأصل، وصافي وضعه المالي الأصلي، وكذلك السمات المالية المشتركة·
ويشير الخبراء الى انه قد برزت خلال السنوات القليلة الماضية تفاوتات بين دول مجلس التعاون تزامنت مع مضي الاقتصادات في عملية التنويع وتزايد ضغوط البطالة· وبرزت أهم هذه الاختلافات في صورة متوسط دخل الفرد من الناتج المحلي، والاحتياطيات النفطية، ونمو القطاعات غير النفطية· ومن شأن هذه الأمور أن تطرح خيارات سياسة صعبة خلال التطلع نحو المزيد من التكامل· فقد تراوح متوسط الدخل في عام 2003 بين أقل من عشرة الاف دولار (عمان والسعودية) إلى أكثر من 27 الف دولار في قطر· أما النمو الحقيقي غير النفطي فقد كان منخفضا في الكويت وعمان والسعودية خلال السنوات الأخيرة، بينما نمت دول المجلس الأخرى بوتيرة أسرع نسبيا وهو ما يعكس اختلاف جهود التنويع· كما أن معدلات التضخم، وبالرغم من تدنيها فانها كانت متفاوتة مما جعل أسعار الصرف الحقيقة الفعلية متفاوتة بعض الشيء·
9 - لابد من الوضع في الاعتبار تغير أنماط التجارة على المدى المتوسط والبعيد خاصة مع تزايد أهمية اسيا على حساب التجارة مع اميركا· وبتلقص حصة التعاملات الاميركية مع المنطقة سيكون من الافضل تغيير استراتيجية ربط العملة بالدولار والنظر الى خيارات أخرى بما في ذلك ربطها العملات الخليجية بسلة من العملات بدلا من الدولار·
10- مع التطور السريع في اسواق الاوراق المالية والاسهم تكون الحاجة ملحة لاتخاذ إجراءات لرعاية وتطوير هذه الأسواق بما في ذلك تنسيق الضرائب الراسمالية ومعالجة مناطق الضعف في البورصات·
11- لتحقيق المزيد من اندماج الأنظمة المصرفية في منطقة دول مجلس التعاون، لابد ان تشجع السلطات قيام المزيد من الاندماجات المصرفية عبر الحدود التي يرجح لها أن تحدث في الاتحاد النقدي· وتعتمد الزيادة في العمليات المصرفية عبر الحدود على الأرجح على مدى تحرير الأنظمة المصرفية القائمة في المنطقة وتناسق الأطر الرقابية المشرفة عليها·
عوامل رئيسية لنجاح مشروع الاتحاد النقدي
ينظر المراقبون بتفاؤل لجهود اقامة 'الاتحاد النقدي الخليجي' المرتقب رغم ما يتطلبه الامر من تكثيف للجهود بهدف التوصل الى إجماع بشأن المسائل الاقتصادية الحرجة وإلى تطوير المؤسسات ذات العلاقة، ويؤكد المسؤولون والخبراء على حد سواء ان المؤشرات العامة تظهر ان دول مجلس التعاون في وضع يؤهلها للنجاح في طموحها لتشكيل اتحاد نقدي كامل، خاصة بعدما خطت الخطوات الاولى الرئيسية وفي مقدمتها تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف الاسمية وأسعار الفائدة الاسمية وإزالة العوائق أمام حرية حركة السلع والخدمات ورأس المال والعمالة الوطنية· كما أصبحت التعرفة الجمركية الموحدة حيال العالم الخارجي بواقع 5 % نافذة المفعول منذ عام ·2003 وعملات دول مجلس التعاون مثبتة رسميا بالدولار الأميركي، وقد اتجهت أسعار الفائدة الاسمية نحو التقارب بحيث أصبحت جميعها متشابهة عبر المنطقة· ويشير المراقبون الى ان معدل التضخم استقر في الدول الست اعضاء الاتحاد عند مستويات تتراوح بين واحد و3 % خلال السنوات الأخيرة · وتتمتع كل دول مجلس التعاون بأنظمة مالية سليمة بينما يجري العمل تدريجياً على تنسيق النظم الاحترازية والرقابة على القطاع المصرفي·
وانطلقت فكرة استخدام عملة موحدة لدول المجلس مع قيام مجلس التعاون ذاته· فقد نصت المادة الثانية والعشرون من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الأولى عام 1981 على أن 'تقوم الدول الأعضاء بتنسيق سياساتها المالية والنقدية والمصرفية وزيادة التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية بما في ذلك العمل على توحيد العملة لتكون مكملة للتكامل الاقتصادي المنشود فيما بينها'، وتم خلال قمة مجلس التعاون في عام 2000 الاتفاق على تثبيت أسعار عملات المنطقة بالدولار· وأمرت القمة بوضع جدول زمني لإنشاء اتحاد نقدي وإطلاق العملة الخليجية الموحدة·
وفي ديسمبر عام 2001 وافق قادة مجلس التعاون على الجدول التالي لانشاء اتحاد نقدي، ونص على ان تقوم الدول مجلس التعاون في موعد أقصاه نهاية عام 2002 بربط عملاتها بالدولار الأمريكي، لكن العملة الخليجية الموحدة لن تكون بالضرورة مربوطا بالدولار، وتقوم دول المجلس بحلول عام 2005 بالتوصل إلى والاتفاق حول معايير التقارب اللازمة لنجاح الاتحاد النقدي، وان يتم في موعد أقصاه يناير 2010 إطلاق العملة الموحدة·
وتشكلت في عام 2002 لجنة فنية عالية المستوى لإعداد وتنفيذ الجدول· وتعقد اللجنة اجتماعات سنوية منتظمة لبحث ودراسة معايير التقارب وقضايا السياسات المؤسسية المتصلة بالاتحاد النقدي وتناسق الإحصائيات· وبالفعل تم في عام 1983 إنشاء لجنة محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية بدول المجلس· واجرت اللجنة مناقشات مستفيضة حول مشروع العملة الموحدة وتركزت محادثاتها بشكل اساسي على المعايير النقدية (أسعار الفائدة، نسبة التضخم، السلطة النقدية والاحتياطيات الأجنبية)، والمعايير المالية (معدلات العجز والمديونية)، واقتراح بدائل للسلطة النقدية التي ستكون معنية بإدارة السياسة النقدية وإصدار العملة الموحدة، وخطوات تنسيق الإحصاءات وإصدار بيانات مالية واقتصادية آلية تتسم بالشفافية والقدرة على المقارنة، بما في ذلك توصيات لإنشاء مكتب إحصائي مركزي لدول المجلس·
ومن المجالات الرئيسية التي تتطلب اهتماما خاصا من صانعي السياسات، وضع القواعد والمؤسسات اللازمة لدعم الاتحاد النقدي بما في ذلك الإطار المحاسبي المالي المشترك، وتقوية إجراءات إعداد الموازنات الحكومية، وتشكيل المؤسسات الرئيسية وفي مقدمتها البنك المركزي المشترك· كما ستتطلب عملية التقارب والرقابة المطلوبة مستقبلا، الارتقاء بجودة البيانات الإحصائية وتوسع المجالات التي تغطيها واعتماد معايير إحصائية مشتركة·
وينبغي أن تسرع سلطات دول مجلس التعاون الخليجي في عملية بناء الإجماع حول معايير التقارب المطلوب لإنشاء الاتحاد النقدي بحلول عام 2010 ، ولا سيما فيما يتعلق بسياسة المالية العامة وقاعدة البيانات الإحصائية والممارسات التنظيمية في القطاع المالي وإقامة بنك مركزي للاتحاد النقدي·
بدأت بالاتفاقية الموحدة عام 1981 وتنتهي في 2010
أربع مراحل للتكامل الاقتصادي الخليجي
التعاون في المجال الاقتصادي من الاهداف الرئيسية لمجلس التعاون، وبشكل عام فان الهدف العريض هو الانتقال بدول المجلس من التعاون والتنسيق إلى مراحل متقدمة من الترابط والتكامل والاندماج الاقتصادي، ولتنفيذ ذلك وضعت دول المجلس إطارا ومنهاجا شاملا للعمل الاقتصادي المشترك يتمثل في الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي أقرتها القمة الثانية لمجلس التعاون في عام 1981 ثم الاتفاقية الاقتصادية بين دول المجلس في عام ·2002 وتم تنفيذ المرحلة الاولى من عملية التكامل الاقتصادي في عام 1983 باقامة منطقة للتجارة الحرة أصبحت بموجبها المنتجات ذات المنشأ الوطني معفاة من الرسوم الجمركية، وانطلقت المرحلة الثانية في الأول من يناير عام ،2003 عندما حققت دول مجلس التعاون إنجازا مهما في إطار العمل الخليجي المشترك بتطبيقها الاتحاد الجمركي، وحددت التعريفه الجمركية الموحدة بواقع 5 % على جميع السلع الأجنبية المستوردة من خارج الاتحاد الجمركي· كما تم تطبيق جميع الإجراءات على السلع الأجنبية في نقطة الدخول الأولى في أي من دول المجلس، حيث يقوم المنفذ الأول الذي دخلت عن طريقه البضاعة بإجراءات التفتيش على البضائع الواردة إليه والتأكد من مطابقتها للمستندات المطلوبة وخلوها من الممنوعات واستيفاء الرسوم الجمركية المستحقة عليها، وبعد ذلك تتحرك البضائع بحرية داخل دول المجلس·
ووصف الخبراء قيام هذا الاتحاد الجمركي بانه انجاز تاريخي لدول المجلس ونقلة نوعية في العمل الاقتصادي المشترك، وقد أدى الى إزالة كثير من معوقات التبادل التجاري بين دول المجلس، وبدأت آثاره الايجابية في الظهور على حركة التبادل التجاري وعلى مصالح مواطني دول المجلس·
كما قطعت دول المجلس شوطا كبيرا في تنفيذ المرحلة الثالثة، وهي إقامة السوق الخليجية المشتركة في عام ،2007 وهي خطوة تستهدف بالإضافة إلى حرية إنتقال السلع، إزالة القيود على إنتقال عوامل الإنتاج، لاسيما الأفراد ورؤوس الأموال· وتمثل قرارات تحقيق 'المواطنة الاقتصادية الخليجية' لبنات أساسية على طريق إقامة السوق المشتركة ، وجانبا مهما من الإنجازات في إطار الأهداف التي حددتها الإتفاقية الإقتصادية التي أكدت على معاملة مواطني دول المجلس في أي دولة من هذه الدول نفس معاملة مواطنيها، في كافة المجالات الاقتصادية، بما في ذلك التنقل والإقامة، والعمل في القطاعات الحكومية الاهلية، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، وممارسة المهن والحرف ومزاولة الانشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية، وتملك العقار، وتنقل رؤوس الأموال، والمعاملة الضريبية، وتداول وشراء الاسهم وتأسيس الشركات، والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية·
وبهدف الإعداد للمرحلة الرابعة من عملية التكامل الاقتصادي، تضمنت الاتفاقية الاقتصادية لعام 2002 مادة خاصة بتحقيق 'الاتحاد النقدي والاقتصادي' بين دول المجلس بما في ذلك توحيد العملة كهدف للعمل الخليجي المشترك، وقد حددت دول مجلس التعاون عام 2010 موعدا لقيام الاتحاد النقدي الخليجي وإصدار العملة الموحدة·
السكك الحديدية والمظلة التأمينية والشبكة الموحدة·· نماذج جيدة للمشروعات المشتركة
حرصت دول مجلس التعاون منذ إنشاء المجلس على تحقيق المشاريع الكبيرة التي تخدم مواطني ودول مجلس التعاون على حد سواء، ومن أبرز المشاريع المهمة التي سعى قادة دول المجلس على تحقيقها، من بينها مشروع إنشاء سكك حديدية تربط دول مجلس التعاون، وذلك تاكيدا على حرص اصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس على اهمية ربط دول المجلس بمختلف وسائل المواصلات التي تخدم تنقل المواطنين وتعزيز تواصلهم الاجتماعي وزيادة حركة النقل التجاري وانسيابه بين دول المجلس·
وفي هذا الاطار قرر المجلس الأعلى في دورته الرابعة والعشرين التي عقدت بدولة الكويت يومي 21و22 ديسمبر ،2003 تكليف لجنة وزراء النقل والمواصلات بإعداد دراسة الجدوى الاقتصادية لمشروع إنشاء شبكة سكك حديدية تربط بين دول المجلس مع تفويض المجلس الوزاري باعتماد تكلفة الدراسة وإضافتها إلى ميزانية الأمانة العامة·
وتم عرض المشروع على الاجتماع الثامن للجنة وكلاء وزارات النقل والمواصلات الذي عقد بدولة الكويت يوم 16 يونيو ·2004 وفي الدورة الخامسة والعشرين للمجلس الاعلى والتي عقدت في المنامة يومي 20 و21 ديسمبر ،2004 أمر المجلس الاعلى باستكمال الدراسة بشأن الجدوى الاقتصادية لمشروع شبكة السكك الحديدية·
ومن بين النماج الناجحة أيضا، مد الحماية التأمينية لمواطني دول المجلس العاملين في غير دولهم، حيث حرصت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومنذ بدء مسيرتها على العمل الجاد والمخلص في توفير كل ما من شأنه تطوير العمل والارتقاء به بما يتواكب مع التطورات العالمية وتخدم المواطن الخليجي وتساعده على مواجهة مناحي الحياة وتطورها· وجاء قرار المجلس الأعلى في دورته الخامسة والعشرين في البحرين والخاص بمد الحماية التأمينية لمواطني دول مجلس التعاون العاملين في غير دولهم في أي دولة عضو في مجلس التعاون ليؤكد حرص أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون بالارتقاء بالمواطن الخليجي من خلال توفير السبل الكفيلة التي توفر له العيش الرغد والحياة الكريمة· ومن المقرر البدء في تنفيذ القرار بشكل الزامي من اول يناير ·2006
أضف إلى ذلك نجاح حكومات دول المجلس في تمرير مشروع شبكة الكهرباء الموحدة، فقد عقد أصحاب المعالي وزراء الكهرباء والماء بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية اجتماعهم الثامن عشر للجنة التعاون الكهربائي في سبتمبر 2005 في مقر الأمانة العامة بمدينة الرياض· واتخذت دول المجلس العديد من الخطوات العملية المهمة والتي تسهم بدورها في تعزيز وتدعيم العمل المشترك في مجال الكهرباء، من أبرزها مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، والذي سينفذ على مرحلتين تضم المرحلة الأولى السعودية، والبحرين، وقطر، وسيتم التشغيل الفعلي لهذه المرحلة خلال عام ·2008 تعقبها المرحلة الثانية والتي تضم الإمارات، وسلطنة عمان· ومن المنتظر ان يحقق مشروع الربط الكثير من المكاسب الاقتصادية كما سيؤدي الى خفض الأعباء المالية في قطاع توليد الكهرباء بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية·
وكذلك الحال بالنسبة لهيئة التقييس لدول مجلس التعاون، التي تسعى الى مد جسور التواصل والتعاون مع المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية بما يحقق أهداف إنشاء الهيئة وبما يسهم في تسخير أنشطة التقييس في خدمة التبادل التجاري ودعم الصناعات العربية بما يدعم منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي بدأ العمل بها فعليا بين سبع عشرة دولة عربية اعتبارا من مطلع عام ·2005

اقرأ أيضا

انخفاض مخزونات النفط الأميركية مع زيادة مصافي التكرير الإنتاج