صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

عندما تصنع الأزمات النجاح المدوي

فريديريك ديلوكا مالك سلسة مطاعم «صب واي» (أرشيفية)

فريديريك ديلوكا مالك سلسة مطاعم «صب واي» (أرشيفية)

إعداد: محمد شمس الدين

قد تكون البداية بسيطة، حتماً لا تنزعج ولا تتخوف البتة، فهكذا يولد العظماء، وهكذا تسطر الشركات بل حتى الأفكار المتواضعة، قصص النجاح لتتحول لأيقونات ونماذج مضيئة يحتذي خطاها الكثير من الراغبين في النجاح.
إنها باختصار قصص نجاح الشركات العملاقة التي كانت يوماً فكرة، ثم تحولت لتحد ومغامرة، هي مراحل من النجاح والتميز، وأيضاً الفشل المرير والسقوط المتكرر، لكنها كلها خلطة تضمن بناء صرح عالمي قد يطلق عليه في نهاية المطاف مصطلحات براقة كـ«أفضل شركة في العالم» أو «شركة عابرة للقارات»، أو ربما المدهش في عالم الأعمال الاستثمارات المترامي الأطراف، إن تفوق قيمة أصولها الاستثمارية، ميزانيات دول وحكومات مجتمعة.
لا شك أن السجل حافل والقائمة تطول ما دامت التحديات قائمة فالصانع الرئيس لنجاح شركات الأعمال هو كلمة التحديات والمخاطر.
نتحدث اليوم عن قصة نجاح شركة لامست بنجاحها آفاق الشهرة المدوية، بل لامست أيضاً وهو الأهم تغير مفاهيم النجاح في قطاع الاستثمار في الغذاء، بعد أن باتت كل شوارع مدن العالم الشهيرة تحمل علامة سلسلة مطاعمه الشهيرة وهي مطاعم «صب واي» للشطائر.

بداية متواضعة
لعله لم يدر بخلد الفتى فريديريك ديلوكا، والذي ولد العام 1948 لأبوين إيطاليين هاجرا من إيطاليا إلى نيويورك، أن أبواب الثروة ستطرق بابه، وأن الرزق سيأتي مع شروعه في تأسيس محل متواضع استدان تكاليف تأسيسه من صديق العائلة، حيث قدرت مجلة فوربس الأميركية لمشاهير الأثرياء ثروته العام 2012 بمبلغ 2.2 مليار دولار كيف كانت البداية؟
كانت الرغبة في الالتحاق بصفوف الجامعة مع موهبة نحو العمل التجاري منذ الصغر الدافع في توجه ديلوكا في افتتاح مطعم للشطائر، فقد كان الفتى يجمع الزجاجات الفارغة في شوارع مدينته ليبيعها لاحقاً وعمره لم يتجاوز العشر أعوام كل زجاجة بثمن بخس هو سنتين فقط، إذا كانت تلك البداية، فالموهبة في ممارسة العمل التجاري والتعلق به قد تبدو النواة الحقيقة لنجاح الإنسان في عالم المال.
كان ديلوكا يعيش في فقر مدقع فيما كانت رغبته في دراسة الطب دافعا إضافياً وعملياً لكي يعمل أعمالا إضافية.
نصيحة صديق
قد يأتي النجاح حين نتحدث مع أصدقاء أو آخرين فتبادل الأفكار والاستماع لنصائح المقربين، هو أمر جيد لتأسيس ونجاح الأعمال، في العام 1965، كانت البداية الحقيقة مع زيارة أحد أصدقاء العائلة لديلوكا، حيث لامس رغبة ذلك الفتى في العمل التجاري، ورغبته في توفير مصاريف دراسته للالتحاق بكلية الطب، فكانت نصيحته له بأن يتجه لتأسيس مطعم على أن يحلق بخياله ليكون هناك لاحقاً، سلسلة من المطاعم، لأن العائد في قطاع المطاعم هو جيد ونسبة المخاطرة قليلة، فكان الدعم من ذلك الصديق في تحريره شيك بقيمة ألف دولار في إطار تأسيس مشروع مشترك هنا نتعلم الدرس الأول في قصص نجاح الشركات هو اختيار القطاع الأكثر جذباً للعملاء أو القطاع الذي يعد الطلب عليه طلباً مستمراً وبالطبع ليس هناك أفضل من الغذاء.
حسنا كانت تلك البداية ثم ماذا بعد؟
مع توافر الموهبة والفطرة والميل نحو التجارة والعمل الحر، بادر ديلوكيا لاستغلال تلك الفرصة حيث شرع في البحث عن محل يصلح مطعم في ولاية كونيتكيت ليدفع مبلغ الإيجار، ويجهز ذلك المطعم بماكينات مستعملة، لرخص ثمنها، كما تغاضي ديلويكا عن تسديد رسوم التوثيق لنشاطه الجديد، فالبداية تتطلب بعض الصبر والمغامرة وإرجاء دفع التكاليف مؤقتاً.

العمل الذاتي
كل بداية تكون صعبة، وبالأخص من جانب الاقتصاد في التكاليف حيث بادر الشريك بالعمل ديلوكيا وهو شحيح الموارد المالية لتأسيس مطعمه من خلال إنجازه كل شيء بنفسه، كتصميم شكل المطعم الخارجي والتجهيز لكافة التفاصيل الداخلية، وأماكن الطاولات، وتقسيم مساحات البيع وإعداد الشطائر والخزينة، كانت التجهيزات بالطبع لقلة المال قليلة جداً وغير مشجعة، ولكن هل يتغلب الطموح على تلك العوائق؟ بالنظر لكون البداية غير مشجعة، فإنه يجب أن نضع نصب أعيننا أن القاعدة الذهبية، تؤكد أن مقدرة الراغب في العمل التجاري على الاستمرار في ظروف مالية صعبة وبساطة وتواضع في التجهيزات، هي أفضل السبل الضامنة للنجاح لماذا؟ لأنه من الطبيعي أن تكون بداية كل مشروع قليلة التكلفة.
على الجانب الآخر فإننا نرى بعض المشاريع التي يتم توجيه لها موارد مالية كبيرة، إذ أن النموذج الأول يتعلم مدير أو القائم على المشروع مواجهة التحديات والتعامل مع ظروف بالغة التعقيد بعكس من يجد بحبوحة في الموارد المالية، عند تأسيس مشروعه، حيث يجد كل شيء سهل في البداية، وقد تأتي لاحقاً بعد إنشاء مشروعه أوقات عصيبة وهنا تكمن المشكلة.

التوسع بعد دروس مؤلمة
حسناً، لقد مضى العام الأول مع تأسيس فريديريك ديلوكا، لذلك المطعم، بمشاركة صديق العائلة، ولكن كانت الخطة كما اتفق ديلوكا مع الشريك أن يكون هناك سلسة من المطاعم تصل ل32 مطعماً، هو رقم كبير في ذلك الوقت قياساً بشح الموارد والبدايات الصعبة ولكنه الأمل الذي يجب التحلي به، ليتم المبادرة لافتتاح مطعم ثان كما كان متوقعاً، كانت معدلات بيع الشطائر المحشوة بالخضراوات غير مشجعة ليحكم على تلك المغامرة وافتتاح المطعم الثاني بمزيد من الخسائر.

الحنكة الإدارية
تتمثل الحنكة الإدارية بعيداً عن حسابات المغامرة في تلك الحالة، في المسارعة للملمة الأوراق المبعثرة والاكتفاء بالمطعم الأول، ولكن كان اللقاء مع صديق العائلة الشريك ليقررا سوياً أن افضل حل لمواجهة تلك الخسائر، هو افتتاح مطعم ثالث نعم هي المغامرة، أو ربما الانتحار في تلك البدايات الصعبة، ولكننا نستطيع أن نصفها بالمغامرة المدروسة، لماذا لأن مخرجات ذلك الحوار المتواضع والمراجعة، أثبتت أن موقع المطعمين الأوليين لم يكن مشجعاً لجذب الزبائن، لذا كان الحديث عن افتتاح مطعم ثالث في موقع جذاب يعج بحركة الأقدام مع التكاليف والإدارة الحكيمة للمطاعم الثلاث خير سند لهما. إذ بدأت فواتير المبيعات تنعكس لصالح ارتفاع أرقام الأرباح الصافية، مما جعل هناك فوائض من الأرباح وبالطبع جعل هدف تأسيس 32 مطعما كسلسة مطاعم خيارا أو هدفاً قابلاً للتحقق. إنها فقط البدايات.

للنجاح أسرار
لكل عمل أسرار للنجاح، ولعل أهم الأسرار هو كسب ثقة العميل من خلال تجويد ذلك العمل، وتقديمه بما يرضي توقعات العملاء، ويلبي احتياجاتهم لذا كان نهج ديلويكا، الذي لم يحد عنه هو أهمية أن يكون الخبز بشكل يومي في مطاعمه، التي باتت تشهد توسع فيما كان مصراً على استخدام الخضراوات الطازجة فضلاً على تصميمه بنفسه لماكينات صناعة الخب، للوصول لمرحلة الجودة التي ينشدها وحرصاً منه على حصاد المزيد من ثقة العميل كان يقوم بعرض مكونات الشطائر أمام العملاء، فضلاً على عرضه بكل شفافية لطريقة الإعداد، لكي يكون مطمئناً كما لم ينسَ تقليل السعرات الحرارية، لكي تعطي سلسة مطاعم«صب واي» رسائل إيجابية بانها تعد الطعام الصحي، بأن النجاح لا يتوقف، فقد بلغ عدد المطاعم التي افتتحها ديلويكا، العام 1978 نحو 100 مطعم لتمضي 10 أعوام لاحقة لتصل تلك المطاعم إلى ألف مطعم يحمل تلك العلامة المشهورة.

الأسعار الاقتصادية
يعد عامل السعر أهم عامل في جذب العملاء بعد الثقة في الإنتاج أو المعروض لذا كانت البساطة في تقرير أسعار شطائر صب واي» دافعاً لضمان مزيد من إقبال العملاء حتى في أوقات الأزمات.
النجاحات تتخطى الأزمات
لا يمكن التكهن بأن الاستثمار في الغذاء هو الاستثمار الأمن فحينما تحدث الأزمات فإنها تطال كل شيء حينما يعمد الناس للتخوف من الإنفاق بل ترشيد مصاريفهم الموجهة لكافة مناحي الحياة بما فيها شراء الوجبات من المطاعم الخارجية، هل هذا ينطبع على وضعية سلسلة مطاعم «صب واي» حينما داهمت بضراوة الجميع الأزمة العالمية في 2008، المفاجأة أن ذلك العام كان أفضل عام في تاريخ تلك المطاعم إذ تخطى عدد المطاعم لعلامة «صب واي» في ذلك العام 30 ألف مطعم، ولتصل عدد الفروع في 107 دول إلى أكثر من 42 ألف فرع. وقائمة من يرغبون في الحصول على حق افتتاح مطاعم جديدة حول العالم، تحمل اسم «صب واي» لا يتوقف لأن النجاح لا يتوقف.