الاتحاد

عربي ودولي

بالونات نجاد ضد إسرائيل·· وسعي موسكو لتجنيب طهران العقوبات الدولية


موسكو - رستم أحمد:
أحرج الرئيس الإيراني موسكو مرة أخرى في غضون أقل من شهر بتصريحاته النارية ضد إسرائيل ، وفيما دافعت روسيا عن حق الدولة العبرية في الوجود بعد تصريحات أحمد نجاد الداعية الى إزالتها من الخارطة ، عادت فاعتبرت أقوال الرئيس الايراني ( غير مناسبة ) فيما يتعلق بأرقام ضحايا الهولكوست ، وترافق ذلك مع حملة الشجب العالمية التي يبدو وكأن 'ملالي طهران' يسعون كل مرة لإجبار دول العالم على تأكيد الولاء والحب للدولة اليهودية ·
لكن موقف موسكو ، يبدو أكثر حرجا بعد كل نوبة تصريحات معادية لاسرائيل ، يطلقها نجاد لان الانظار تتجه الى روسيا بصفتها منفذة المشروع النووي الايراني ، الذي تهدد به طهران قبل ان يصبح واقعا لاعتبارات داخلية ، وعلى خلفية انطباع رائج بأن ملالي ايران يخوضون مفاوضات غير معلنة مع واشنطن التي تواجه صعوبات حقيقة في العراق ، وتبدو مستعدة لعقد صفقة مع ايران للحد من تدخلها في الشأن العراقي ، مقابل إيجاد حل دبلوماسي للملف النووي الايراني ، الحل الذي استبعده الاميركيون بالمطلق مع بغداد ·
غطاء أميركي
و يرى المراقبون أن الولايات المتحدة الأمريكية والترويكا الأوروبية - فرنسا وألمانيا وبريطانيا - قررت إعطاء فرصة لروسيا لكي تقنع إيران بالتخلي عن الاستعانة بالتكنولوجيا التي من الممكن ان يكون لها استخدام في صنع السلاح النووي·
واللافت ان هذا القرار صدر عقب اللقاء بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جورج بوش في مدينة بوسان الكورية الجنوبية التي احتضنت قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ· وأبدى الرئيس الأمريكي آنذاك تأييده لفكرة إنشاء مؤسسة روسية إيرانية مشتركة لإنتاج الوقود النووي· وخلاصة هذه الفكرة ان تتم العملية الأكثر حساسية - تخصيب اليورانيوم - في الأراضي الروسية (حتى لا يتم تركيز اليورانيوم الإيراني إلى درجة من الممكن ان يستخدم اليورانيوم معها لأغراض عسكرية مستقبلية)·
وإذا وافقت إيران على ذلك فلن تتمكن من تخصيب اليورانيوم إلى الدرجة المطلوبة للرؤوس النووية المدمرة· أما إذا رفضت إيران هذا الاقتراح فقد تغير موسكو وغيرها من الأعضاء الرئيسيين في مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذين يقفون ضد فرض عقوبات على إيران الآن، موقفها·
و يعزو المراقبون أسباب تراجع واشنطن عن الحل العسكري إلى أن دعاة السياسة المتشددة في واشنطن أدركوا ان الحصول من مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الموافقة على إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي أمر ليس سهلا ، في حين يعترف المسؤولون الأمريكيون بأن عدم توفر التأييد الدولي الواسع لقرار قوي جديد بشأن إيران ، سيعتبر فشلا للدبلوماسية الأمريكية·
تخصيب اليورانيوم
وكانت ايران استأنفت تخصيب اليورانيوم على خلفية الانطباع بأن واشنطن تستبعد احتمال استخدام القوة ضد طهران لعدة أسباب · منها: إن الرأي العام الأمريكي ينظر نظرة سلبية إلى أي عمل عسكري تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية بعد مايحصل في العراق · ثانيا: إن إدارة بوش أصبحت في وضع صعب جدا حتى أن أي خطوة سياسية حادة يمكن ان تتسبب في انهيار إدارته بعد ان هبطت شعبية بوش، ولن يوافق بوش في وضع كهذا على شن حملة عسكرية أخرى استنادا فقط إلى ما جمعته الاستخبارات من معلومات لاسيما وان تحليل نوعية معلومات الاستخبارات الأمريكية هو أساس ما يجريه الكونغرس من تحريات وتحقيقات في أسباب بدء الحرب في العراق ·
ويعتقد بعض الخبراء أنه يمكن ان تقدم الولايات المتحدة الأمريكية تنازلات مهمة لروسيا لكي تقف الأخيرة معها في مسألة برنامج إيران النووي، وقد تقدم على إعادة ترتيب الأولويات في الساحة السوفييتية سابقا من أجل ذلك· ويتخيل المحللون عدة سيناريوهات منها ؛ ان تضع الوكالة الدولية للطاقة الذرية آلية فعالة لمراقبة الأنشطة المتعلقة بصناعة الطاقة النووية لتعرف إلى أين يصل الخام وكيف يتم تخصيبه· ومن الممكن ان يناط بروسيا دور هام هنا·
السيناريو الثاني ، ان يتم تأجيل البت في المسألة الإيرانية من منطلق انه إذا انفلت الوضع في إيران فإن هذا سيخلق مشكلة لروسيا وليس لأمريكا· و ان برنامج إيران النووي يمكن ان يمثل تهديدا على الأمن القومي الروسي ·
ولايستبعد الخبراء سيناريو ان تبدأ إيران بتطوير برامجها النووية متجاهلة مطالبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو مجلس الأمن الدولي بالمراقبة· وفي هذه الحالة ستفرض عقوبات على طهران· ويفترض المحللون ان لدى روسيا معلومات تفيد بأن إيران بصدد صنع السلاح النووي في غضون خمس الى عشر سنوات ·
ولاتسقط الدبلوماسية الروسية من الحساب مسألة نقل الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي ، وان الجدل يدور حول تعليقها وسوف يعود مجلس أمناء الوكالة ليناقشها في فبراير، ولكن بريطانيا تحتفظ بحقها في الدعوة إلى اجتماع طارئ لمجلس الوكالة إذا قامت إيران بخطوات تستوجب ذلك· · وتشير كل الدلائل إلى ان روسيا هي التي طرحت مبادرة تخصيب اليورانيوم الإيراني في الأراضي الروسية، أي أن روسيا طرحت حلا من الممكن ان يرضي إيران وروسيا ذاتها والولايات المتحدة الأمريكية· وأعلن مصدر في الوكالة الروسية للطاقة الذرية ان روسيا لن تواجه الصعوبة في إنشاء ما يلزم لتخصيب اليورانيوم الإيراني في الأراضي الروسية ·
خصخصة الطاقة النووية
وأفادت صحيفة 'نيويورك تايمز' ان مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي ووزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس ناقشا اقتراحا مفاده ان يسمح لإيران بتحويل اليورانيوم، ولكن في أراضي البلد الآخر· وبالتالي فإن طهران ستخرج من المأزق ( مرفوعة الرأس) على حد قول الأمريكيين· ذلك ان إيران ستحتفظ بحقها كطرف من أطراف معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في تخصيب اليورانيوم موافقة على مزاولة هذا النشاط في منشأة تقع في روسيا، مثلا· وعلى روسيا وغيرها من البلدان التي ستشارك في البرنامج ان تضمن ألا يستخدم الإيرانيون اليورانيوم المخصب المخصص لمحطات الكهرباء للأغراض العسكرية· وينبغي ترحيل الوقود النووي المستهلك من إيران·
ويضم مجمع تخصيب اليورانيوم في روسيا أربع منشآت في مدن انغارسك وتومسك (سيفيرسك) وكراسنويارسك ، (جيليزنوغورسك) وفيرخني نيفينسك· وقال مصدر في الوكالة الروسية للطاقة الذرية إن هذه المنشآت تستطيع سد حاجة محطات الكهرباء الروسية للوقود النووي وتصدير كميات كبيرة من منتجاتها إلى الخارج·
ونقلت 'نيويورك تايمز' عن الكسندر روميانتسيف مدير الوكالة الروسية للطاقة الذرية السابق أن روسيا تجد لها مصلحة في إنشاء مؤسسة دولية لتخصيب اليورانيوم·
ويمثل تعيين سيرغي كيريينكو الذي كان مندوبا لرئيس الدولة في منطقة حوض نهر الفولغا ، مديرا جديدا للوكالة الروسية للطاقة الذرية خلفا لـروميانتسوف ، من وجهة نظر بعض المراقبين ، خطوة باتجاه ( خصخصة ) قطاع الطاقة النووية في روسيا ·
ولم يسبق لسيرغي كيريينكو (43 سنة) ان عمل في هذا القطاع وهو خريج أحد معاهد الهندسة ،و درس تخصص بناء السفن، وعمل مديرا لأحد البنوك وكان مديرا لإحدى الشركات النفطية· تولى المسؤولية في وزارة الوقود والطاقة، ثم أصبح رئيسا لحكومة روسيا الاتحادية· وتولى سيرغي كيريينكو مسؤوليته كرئيس للحكومة في صيف 1998 عندما اجتاحت روسيا أزمة مالية أعفي على أثرها من منصبه· ثم أصبح ينوب عن الرئيس الروسي في إحدى الدوائر الفيدرالية السبع التي قسمت روسيا إليها (دائرة حوض نهر الفولغا)· وفي موازاة ذلك عينه فلاديمير بوتين في منصب رئيس اللجنة المكلفة بنزع السلاح الكيماوي·
واعتبر أحد المسؤولين عن صناعة الطاقة النووية ان القرار بتعيين سيرغي كيريينكو مديرا لوكالة الطاقة الذرية يؤذن بالبدء في تحويل مؤسسات كثيرة في القطاع إلى شركات مساهمة تمهيدا لخصخصتها، فيما ستبقى محطات توليد الكهرباء باستخدام الطاقة الذرية ومنشآت تخصيب اليورانيوم في القطاع العام·
وفي حال موافقة ايران على مقترح تخصيب اليورانيوم لمفاعلاتها النووية في الاراضي الروسية فإن خصخصة قطاع الطاقة النووية الذي يعد له الكرملين ، توفر الغطاء المالي والقانوني لتنفيذ المقترح الذي تسعى من خلاله موسكو ، وبمباركة واشنطن ، لتجنيب ايران العقوبات الدولية · بيد أن تصريحات نجاد بشأن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ، قد تلقي بظلال ثقيلة على مشاريع موسكو و مقترحاتها ، ومن الصعب تخيل ان موسكو ستستخدم الفيتو ضد فرض مزيد من العقوبات على إيران إذا أحيلت المسألة النووية الإيرانية إلى مجلس الأمن الدولي، كما تعتقد غالبية المراقبين · وفي تصور هؤلاء فإن تصريحات للاستهلاك الداخلي ولجمع ( الاوراق ) في المفاوضات مع واشنطن التي تجد نفسها مضطرة بسبب المأزق العراقي لمداراة ايران ، ولو لحين الى ان تجد مخرجا من المستنقع العراقي ·

اقرأ أيضا

العراق يصد هجوماً لـ"داعش" قرب حقول نفطية بالموصل