الاتحاد

عربي ودولي

لأول مرة·· المصريون عاقبوا النظام بالتصويت لخصومه


القاهرة - محمد عزالعرب:
تتجه مصر نحو التغيير وتتبلور بها قوى ناهضة تؤمن بالنضال السلمي لمنازعة النظام السياسي الحالي، وما حدث منذ اواخر العام الماضي وطوال العام الجاري رفع سقف التوقعات لدى الجماهير، ولم يعد ممكنا العودة الى الخلف وهناك بوادر لتشكل وعي بجدوى المشاركة والنضال الديمقراطي وهو ما بدا جليا في التصويت ضد الحزب الوطني في الانتخابات البرلمانية الاخيرة·
وفي ندوة 'آفاق الإصلاح السياسي في مصر' التي نظمها مركز ابن رشد للتنمية بالقاهرة قال د· أحمد ثابت -مدير المركز- انه رغم ما تشهده مصر منذ عامين من نشاط سياسي ملموس فإنها لا تزال تفتقر لحدوث تغيير سياسي فعلي، فما يزال هناك وقت طويل حتى تنتقل من دولة شبه شمولية ونظام سلطوي تمارس في اطارهما بعض الأنشطة الديمقراطية من غير تغير ذي شأن في خارطة توزيع القوى ومراكز صناعة القرار الى دولة ديمقراطية تشهد تغييرا فعليا في توزيع القوى عبر الانتخابات التعددية التنافسية·
وأوضح ان أهم المعوقات التي تحول دون حدوث انتقال حقيقي للديمقراطية عجز أحزاب المعارضة المصرية عن كسب التأييد الشعبي وجعل الجماهير تتبنى الاصلاح السياسي كأداة لإحداث التغيير الديمقراطي ومقاومة فساد النظام الحاكم والخروج من الازمة الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة، على غرار ما حدث في بلدان أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وجنوب شرق اسيا وكثير من الدول الافريقية، وهو ما أفسح المجال أمام النظام الحالي لادخال اصلاحات شكلية وصورية مع تمتعه بقدر عال من الاستقرار والاستمرار في السلطة والتحرر من ضغوط غائبة من قبل احزاب المعارضة والحركات السياسية الجديدة·
وقال إن الانتخابات الرئاسية وانتخابات برلمان 2005 لا تؤثر سوى على تعديل طفيف لنظام حاكم خصائصه الرئيسية وجود سلطة تنفيذية قوية ومتغولة على مختلف اطياف الحياة السياسية وحصر المنافسة في ادنى مستوياتها عبر ادوات واجراءات إدارية وتشريعية وامنية، مضيفا ان الدولة المصرية فقدت تماسكها كمؤسسة قمعية وادارية على النحو الذي اشتهرت به تاريخيا بل تحولت الى مجموعات مصالح تتحلق حول نخبة القوة التي تتمركز بدورها حول الحاكم الفرد·
اغتراب
وأشار الى سياسة شراء الولاء المنتشرة في النظام السياسي المصري اي فتح ابواب التربح وتكوين ثروات خاصة امام مجموعات معينة حليفة للنظام من اجل ضمان ولائها وتشكيل قاعدة اجتماعية مساندة للنظام بعد أن اقدم على اضعاف الطبقة الوسطى التي اعتمدت عليها ثورة يوليو ونظام الحكم الناصري وحلت محلها مجموعات رجال الاعمال والمقاولين والمستوردين وأصحاب التوكيلات للشركات الأجنبية·
وأكد ان النظام الحاكم اسهم في اغتراب الطبقة الوسطى واضعافها وتهميشها ودفعها الى البحث عن خلاص فردي لا حلول جماعية سواء بالهجرة للعمل بالدول العربية والاجنبية أو القيام بأعمال غير مشروعة مثل التربح من الوظيفة العامة أو الاتجار في المخدرات والسلاح او ممارسة العنف والارهاب وتبني التفكير المتطرف، والانسحاب من العمل العام والمشاركة السياسية، موضحا ان قوى المعارضة المختلفة لم تتمكن من اجتذاب شرائح مهمة من هذه الطبقة بل اخفقت في الوصول لها والتواصل معها سواء في الحركة الطلابية أو الاتحادات العمالية أو النقابات المهنية وهو ما يبرهن على ضعف المجتمع المدني·
وقال ان الوضع في مصر يتسم بالركود السياسي وسطوة المال والبلطجة رغم بعض الحراك الذي شهدته البلاد في الاونة الاخيرة بحيث اصبحت السلطة في مصر تعتمد على الشرعية الاجرائية واصبحت الدولة هشة من حيث المضمون الثقافي وعاجزة عن تسوية الازمات المجتمعية المستفحلة وابرزها الخلافات التي تثور بين المسلمين والاقباط·
ودلل د· ثابت على ضعف الدولة وافتقادها للشرعية بعدم رغبة النظام الحاكم في التدخل السياسي وليس الأمني لتسوية الازمات بين عنصري الأمة بل ان النظام أوكل هذه المهمة الى المؤسسة الدينية على الجانبين، وهذه المؤسسة لانها رسمية فهي لا تفضل تسوية جذرية مجتمعية للازمة وتكتفي بحل مؤقت ظرفي يغلب عليه الطابع الدعائي والاعلامي، ثم ان هذه المؤسسة لا يتسع افقها الذي ينحصر في القضايا الدينية الى قضايا السياسة والثقافة والتعايش المجتمعي·
ويرى ثابت ان جماعة الاخوان فشلت في تطوير شعاراتها وبرامجها منذ حسن البنا وحتى الان، وقادة الاخوان الحاليون فضلوا ألا يتعبوا انفسهم من اجل اتخاذ مواقف محددة تقترب من معاناة غالبية الناس من الفقر والبطالة والاستبداد السياسي وحكم الطوارئ والفساد، موضحا ان الاخوان المسلمين يبدو انهم لم يسمعوا عن افكار مثل المواطنة والمساواة امام القانون والوطن للجميع، ويتحدثون للقوى الاخرى بلسان معين ثم يوجهون شبابهم، وكوادرهم بلسان اخر· وتساءل: ماذا يعني شعار الاسلام هو الحل، وهل الآخرون غير مسلمين، فالانتخابات عمل مدني سياسي وليست مسابقة دينية لحفظ القرآن الكريم للفوز برحلة عمرة أو حج!
وقال د· عمرو هاشم ربيع - الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية- ان الاحزاب السياسية بصحفها ومقارها لا تصلح لان تكون قاطرة الاصلاح في مصر، ومؤسسات المجتمع المدني لا تستطيع تعويض دور الاحزاب المفقود وأجهزة الدولة تحتاج لمزيد من القمع والتسلطية للحفاظ على بقائها بما جعل الطريق مفروشا بالورود لجماعة الاخوان المسلمين لحصاد اكبر عدد من المقاعد في الانتخابات الاخيرة بسبب انجذاب المجتمع للشعارات الدينية ونفور المواطن من الحزب الوطني وسيادة حالة الخواء الفكري·
قتل النخب
وقال د· عمار علي حسن -الصحفي بوكالة أبناء الشرق الأوسط- لم تشهد مصر حالة من السيولة في قيام حركات اجتماعية مثلما ظهر في عامي 2004 و2005 ، وكلها رفعت شعار 'التغيير' بحيث ألقت حجرا في مياه السياسة المصرية الراكدة ونفخت في أوصال نظام سياسي تصلبت شرايينه وأعادت المصريين الى ممارسة فن الاحتجاج المنظم بعد ان كادوا ينسونه في زحام الحياة حيث السباق الرهيب وراء ما يملأ البطن والخوف من بطش سلطة تحتمي بمئات الألوف من عساكر الامن المركزي وبجهاز بيروقراطي ضخم وقانون طوارئ تتيح نصوصه الفضفاضة ملاحقة كل من لا يروق للسلطان مسلكه·
وأوضح ان مصر شهدت قتلا منظما للسياسة، فالنخب تم تضييعها، والاحزاب والنقابات والجمعيات تم تغييبها قسرا، والمثقفون أدخلوا الحظيرة جريا وراء متع زائلة أو تعبا من رحلة عناء طويلة ضد سلطة مغلفة باستبداد ناعم، أو طمعا في مناصب ومواقع بيروقراطية، ورجال الاحزاب تحول أغلبهم الى مرتزقة أو مشروعات صغيرة لمستبدين، وشاب المؤسسات الضعيفة التي يعتلونها فقر وعوز مادي ومعنوي وفقدت قيمتها في تحريك الاحداث وتم تقزيم دورها لتصير مجرد منبر ورقي، ومكان لاصدار صحيفة يومية أو اسبوعية، توزيعها محدود لكن الشيء الاكيد ان الحزب الذي يصدرها على قيد الحياة وارتضى المعارضون بدور 'الديكور' حيث يحاول النظام السياسي ان يوهم العالم بأن لديه تعددية سياسية وانه يسير قُدما على درب الديمقراطية·
وأضاف ان مصر شهدت قتلا منظما لجيل بأكمله، فهناك 'نخبة من المومياوات' تصر على ان تبقى في مواقعها الى الابد، موضحا: ان جيل الوسط حاول ممارسة السياسة من خلال تأسيس احزاب أو الترشح في الانتخابات أو الانخراط في صفوف تنظيمات سياسية، وفي الادب عبر تشكيل جمعيات ومطبوعات وفي الاقتصاد بانشاء مشروعات صغيرة أملا في أن تكبر مع الزمن، لكن عائد الجهد الذي بذله افراد هذا الجيل كان ضئيلا ومخجلا قياسا الى بلد يموج بالبشر مثل مصر·
وأكد ان ضآلة العائد لا يمكن ان نعزوها الى كسل أو تقاعس ابناء هذا الجيل، لكن السبب الرئيسي هو انسداد شرايين المجتمع وانغلاق باب النخبة على جيل تقادم في معاندة لسنة الحياة، مشيرا الى ان هذا الوضع أدى الى توقف الحراك في السياسة مع تغافل حقوق الاغلبية من الجماهير·
وقال ان الجامعات لم تنج من حالة التمويت السياسي التي عاشتها مصر طيلة ربع القرن الاخير، بل كانت في قلب المؤسسات المستهدفة لعملية رمت الى اخراج قوى اجتماعية مدنية من حيز الفاعلية الى هامش عريض من الصمت والفراغ، لتزداد وطأة الركود السياسي، من السلبية وغياب المشاركة والاستسلام للامر الواقع، مشيرا الى تقدم 'الأمني' على 'العلمي' في عمل الجامعات المصرية واعلاء الولاء للنظام على مبدأ الاستحقاق والجدارة وهو ما أدى الى تدهور مستوى التعليم الجامعي·
وقال شريف الهلالي -باحث سياسي- هناك هيمنة للسلطات التنفيذية على السلطة التشريعية بما تعني سيطرة كاسحة للحزب الحاكم، والصحافة المستقلة يتسع هامش حريتها بمرور الوقت لكن مع وجود تشريعات تقيد حركتها، ومازالت تفرض عقوبة الحبس على جرائم النشر رغم الوعد الرئاسي بالغائها، ومقابلها تأتي عشرات الصحف التي تدافع عن الحكومة بالحق وبالباطل، ورغم وجود مؤسسات مثل الجهاز المركزي للمحاسبات والرقابة الادارية تراقب اداء الجهاز الاداري لكن مبادئ اللامحاسبية تتفشى والمساءلة تغيب·
ويقول د· علي الصاوي -استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة- كلما تعززت الانتخابات في حياتنا زادت قوة المؤسسة التشريعية، مشيرا الى حدوث جنوح الى التعيين لصالح الانتخاب في عدد من المؤسسات العامة، مثلما حدث مع عمداء الكليات والعمد في القرى وشيخ الأزهر ومجلس امناء اتحاد الاذاعة والتليفزيون والمجلس القومي للمرأة والمجلس القومي لحقوق الانسان ورؤساء الجامعات والمحافظين ورؤساء جميع الوحدات المحلية الادنى في المراكز والمدن والاحياء والقرى، والمجالس القومية المتخصصة والاتحاد العام للجمعيات الاهلية وهو ما يشير الى تآكل قيمة الانتخابات في الواقع السياسي فيصبح الطابع النيابي للمؤسسة التشريعية معزولا في بيئة مليئة بالتعيين·
وأوضح ان الدستور الحالي يعتبر عقبة امام اي اصلاحات جوهرية في النظام الانتخابي بسبب الـ 50 في المئة عمال وفلاحين مطالبا بتشكيل لجنة وطنية لدراسة تعديل الدستور، تقدم مقترحاتها الى البرلمان الجديد، وتدرس بالاخص مقترحات بشأن خضوع الوزارة لمحاسبة البرلمان وحسم مسألة الدور التشريعي لمجلس الشورى وتمكين المجالس المحلية من محاسبة المحافظين·
وأشار احمد بهاء الدين شعبان -عضو مؤسس لحركة كفاية- الى جمود العمل السياسي العام في مصر وحصره في اطار تعددية حزبية شكلية ومقيدة، محدودة وانتقائية ومحاصرة ومغلقة، منحت خلالها المباركة الرسمية لنيف وعشرين حزبا، اغلبها مجهول الهوية ومعدوم الاهلية، لمجرد استيفائها المتطلبات البيروقراطية الاساسية، واهمها حيازة قبول أجهزة الأمن واستعدادها للعب دورها الديكوري المطلوب وأدى هذا الوضع الى تحول هذه الاحزاب الرسمية الى احزاب جرائد ومقار وعجزها البين عن التواصل مع الجماهير·
وأكد ان حركة 'كفاية' استطاعت كسر حاجز الخوف من السلطة وهز ثقافة القمع والترهيب وتحطيم هالة القداسة التي تحيط برأس النظام، مشيرا الى أن الحركة تطرح 'طريقا ثالثا' على المجتمع المصري، يرفض الانحياز الى نظام التسلط والاستبداد، اما بدعوى مواجهة الخطر الخارجي أو مواجهة خطر جماعة الاخوان المسلمين وتتحفظ على التوجهات المثيرة للقلق لدى الجماعة وشعاراتها المرفوعة وما تحمله من تهديدات مبطنة ومعلنة تمس استقرار المجتمع وتهدد مبدأ المواطنة·
مكافحة الفساد
وقال د· أحمد الصاوي - الأمين العام لمؤسسة قضايا المرأة المصرية- ان مكافحة الفساد هو البوابة الاولى للاصلاح السياسي موضحا ان ظاهرة الفساد تستمد خطورتها في مصر من ان جرائم الفساد تفتقر غالبا الى وجود المجني عليه كشخص طبيعي مثلما يوجد في الجرائم الاخرى مثل القتل أو السرقة ذلك ان جرائم الفساد تقع في الغالب على شخص اعتباري مما يضعف الحافز الفردي على الملاحقة لغياب الاذى الشخصي المباشر الناشئ عن الجريمة، اما العامل الثاني فهو ان معظم جرائم الفساد هي مما يطلق عليه 'جرائم الكتمان' حيث يصعب الكشف عن الجريمة بقدر ما تزداد فرص التستر على ارتكابها فترة طويلة لا سيما مع كون الجاني موظفا عاما يستفيد من مجموعة سلطات فعلية وامتيازات قانونية تمثل في نهاية المطاف غطاء ارتكاب جريمته·
وأوضح ان ابرز مخاطر الفساد على الصعيد السياسي تتجلى في نطاق الانتخابات البرلمانية حيث يتسع مجال شراء الاصوات للوصول الى مقاعد البرلمان والدخول تحت مظلة الحصانة البرلمانية، مشيرا الى ان الانتخابات البرلمانية الاخيرة اثبتت فشل الحكومة في تطبيق القانون المتعلق بتكلفة الحملات الانتخابية وشفافية تمويلها·
وطالب ضياء رشوان -الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية - باعادة بناء الحزب الوطني على اسس ديمقراطية جديدة تجعله قادرا على الحركة والتأثير في الشارع بدون الدعم الدائم من الاجهزة الامنية والادارية، بالاضافة الى وجود منافسين حقيقيين للحزب الحاكم من اجيال جديدة وستصبح مسألة قبول شرعية حركة 'الكرامة' وحزب 'الوسط' بداية هذا الطريق مع رفع كل القيود الموضوعة على حزب 'الغد' لتكتمل ثلاثية جيلية جديدة تضم تيارا اسلاميا مستنيرا، وآخر ليبراليا وثالثا يساريا ناصريا ليتم تجديد الحياة الحزبية بصورة تدريجية كبداية لدمج اكبر حركات المعارضة متمثلة في جماعة الاخوان المسلمين ويبقى من المهم ان تمتلك الحكومة رؤية سياسية لادارة العلاقة مع الاخوان وباقي القوى والاحزاب السياسية وليس فقط رؤية امنية تستهدف حصارهم ومطاردتهم·

اقرأ أيضا