الاتحاد

الملحق الثقافي

عادل إمام يرث «الزهايمر» من أبنائه

سعيد صالح وعادل امام في فيلم «زهايمر»

سعيد صالح وعادل امام في فيلم «زهايمر»

توج عادل إمام مسيرته الفنية بعمل يستحق اسم الزعيم. وفجر الضحكات والدموع في أحدث أفلامه السينمائية “زهايمر” بادائه العبقري السلس ومن خلال قصة تنبض بالصدق.
فيلم “زهايمر” قصة وسيناريو نادر صلاح الدين وإخراج عمرو عرفة وبطولة عادل امام ونيللي كريم وفتحي عبدالوهاب واحمد رزق وايمان السيد واحمد راتب ولطفي لبيب ورانيا يوسف وضياء الميرغني وسعيد صالح.
ويتناول الفيلم قصة رجل أعمال ثري هو الملياردير “محمود شعيب” الذي يعاني مرض “الزهايمر”، ونتابع منذ البداية أعراض المرض الذي يصيب كبار السن ويسبب لهم فقدان للذاكرة القريبة بينما تظل ذاكرتهم بالنسبة للسنوات البعيدة واضحة وجيدة.

في مشهد البداية نرى الفيلا الفاخرة والاثاث الانيق والممرضة الشابة “منى” (نيللي كريم) تقتحم حجرة نوم “محمود بك” (عادل امام) وهو مازال في فراشه ويستيقظ الرجل مذعورا لرؤيتها ويفاجأ بدخول الخادمة “إجلال” (ايمان السيد) تضع له طعام الافطار ويتساءل عن هؤلاء الغرباء الذين لا يعرفهم. وتبلغه الممرضة “منى” أنها ترعاه منذ عامين وكذلك الشغالة “اجلال” والجنايني “عيد” (محمد الصاوي) وتنصحه بتناول الدواء الذي امتنع عنه منذ ثلاثة أيام حتى لا تتدهور حالته. ويصيبه الذهول عندما يرى تاريخ الصحف فقد كان يتصور أن اليوم هو الاثنين لكنه يجد النتيجة على الحائط تشير إلى الخميس وكذلك الجريدة ولا يعرف ماذا فعل في الأيام الثلاثة التي سقطت من ذاكرته ويتوجه إلى “حامد” (ضياء الميرغني) حارس الفيلا ويجلس معه في حجرته وهو الشخص الوحيد الذي يتذكره، ولكن “حامد” يؤكد له انه مصاب فعلا بالزهايمر منذ عامين ويخضع لعلاج ويبدأ الاستسلام.
ويسرع بالبحث عن رقم ابنه “سامح” (فتحي عبدالوهاب) ويبلغه بما حدث ويحضر “سامح” وشقيقه “كريم” (احمد رزق) وزوجته “نجلاء” (رانيا يوسف) ليؤكدوا له حقيقة مرضه. ويجلس إلى جوار ممرضته “منى” يستعيد معها بعض من ذاكرته المفقودة من خلال الصور القديمة التي تجمعه بأصدقاء له معظمهم رحلوا عن الحياة ويجد صورة لصديق قديم لا يعرف أحد هل مازال على قيد الحياة أم لا، فيقرر البحث عنه ويعثر عليه في إحدى دور رعاية المسنين وهو الفنان المتألق سعيد صالح الذي يجلس في حالة متدهورة في حديقة الدار لا يزوره أحد كما تقول الطبيبة المشرفة على الدار (إسعاد يونس)، حتى ابنائه لم يزوروه منذ اكثر من عام.
وفي حوار إنساني ثري ومؤثر نكتشف ان هذا الرجل كان محاميا شهيرا وان ابناءه تركوه يعاني الوحدة والمرض الذي افقده السيطرة على نفسه مما يجعله يتبول لا إراديا ويغادر “محمود شعيب” الدار وعيونه مليئة بالدموع على صديق العمر وجحود الأبناء ويعود للمنزل ويتلقى العلاج باستسلام حتى لا تتدهور حالته مثل صديقه ويتفجر الماء في الحمام الخاص بحجرة نومه ويتم استدعاء السباك لإصلاحه. ومن خلال كلمات بسيطة وعفوية يكتشف “محمود بك” الحقيقة. فالسباك يبلغه انها المرة الأولى التي يرى فيها كل هؤلاء الخدم حوله فلم تكن له ممرضة من قبل ولا خادمة ولا حتى الجنايني. رغم انه يتردد على الفيلا مرة أو مرتين كل شهر لإجراء الصيانة، وتحاول الممرضة “منى” السيطرة على الموقف ولكن “محمود بك” يشعر بأن هناك مؤامرة ما ويقبض عليها ويهددها فتعترف له بالحقيقة فهو ضحية مؤامرة خطط لها أبناه “سامح” و”كريم” بسبب ورطة مالية بعد أن رفض مساعدتهما فقررا أن يستعينا بالطبيب الذي قدم لهما مجموعة عقاقير تسبب أعراضا مشابهة لمرض “الزهايمر”، واقاما دعوى قضائية للحجر عليه وان الكل قبل المشاركة في هذه المؤامرة لانهم فقراء ويحتاجون الى المال.
ويضع “محمود شعيب” خطة اخرى بالاتفاق مع كل هؤلاء المتآمرين ويمنحهم مبالغ مضاعفة. ويتصنع أمام ابنائه انه مريض بالزهايمر ويبالغ في الأعراض مما يسبب ربكة للأبناء المتآمرين وكذلك زوجة الابن وتنفجر المواقف الضاحكة فنجد “محمود بك” تارة يضرب ابنه “كريم” لانه عثر على شهادته في اولى ثانوي ووجده راسبا في عدة مواد ويصفع “سامح” لانه اكتشف انه يدخن رغم انه في الاعدادية ويصر مرة أخرى على إجراء تدريبات على الملاكمة يشارك فيها “سامح” و”كريم” وزوجته وتنتهي باصابتهم جميعا. ويختفي “محمود بك” قبل موعد نظر دعوى الحجر ويظهر بعد أسبوعين ويكتشف الابناء أن والدهما سحب كل أمواله من البنوك أثناء فترة اختفائه، ويوهم “محمود بك” ابناءه بأنه سافر خلال تلك الفترة الى بيروت لمقابلة صديق قديم ويسافر الابناء مع والدهم الى بيروت في محاولة لاستعادة أموال أبيهم وتكون تلك الرحلة بمثابة اختبار أخير خطط له “محمود شعيب” ليتأكد الى أي مدى وصل تهافت ابنائه على المادة، وهناك يعترف لهم صديق والدهم بأنه بالفعل جاء لزيارته في تلك الفترة التي اختفى فيها من مصر وقدم له المال مقابل صفقة تجارية يضاعف بها ثروته حيث طلب شراء كوكايين وبدلا من المال يقدم لهم الصديق حقيبة بها المخدرات. ويتابع “محمود شعيب” ردود فعل أبنائه وترددهم في البداية ويتمنى لو يرفضون تلك الصفقة لكنهم في النهاية يقبلون ويعود الأب والأبناء إلى مصر وفي المطار يتم القبض على “كريم” و”سامح” و”نجلاء” بتهمة تهريب مخدرات ويتم احتجازهم لمدة 15 يوما في السجن وبعد تحليل المواد المضبوطة يتضح انها مجرد دقيق ابيض، ويخرج الابناء من السجن ويواجههم والدهم بأنه يشعر بالاسى لسوء خلقهم فقد أفنى عمره في تربيتهم بعد رحيل والدتهم وبعد تخرجهم منح كل منهما مبلغا كبيرا من المال ليبدأ به حياته ورغم ذلك لم يشفع له ذلك وتآمروا عليه وينتهي الفيلم بعبارته المؤلمة “اتمنى لو كنت مصابا حقا بالزهايمر حتى انسى ما فعلتم معي” ويطلب إرسال حفيدته “ملك” اليه لتعيش معه في المزرعة الريفية فهو يخشى عليها من تربية والديها.
يقتحم السيناريو القضية مباشرة ويضعنا السيناريست نادر صلاح الدين في قلب الأحداث منذ المشهد الاول ويحسب له في اول تعاون فني يجمعه مع عادل امام انه قدم معالجة متوازنة ومنطقية ولم ينجرف لاختلاق مشاهد كوميدية فجاء الضحك مغزولا بتلقائية. اما الصورة التي رسمها الفنان محسن احمد مدير التصوير فقد كانت بالغة التعبير والحساسية من خلال توظيف الاضاءة واختيار زوايا التصوير وأصفت موسيقى عمر خيرت الناعمة دورا مهما للصورة السينمائية لتمنحها تأثيرا ينفذ إلى الوجدان ونجح المونتير معتز الكاتب في تحقيق الإيقاع المتوازن الذي يمنح المتابع للأحداث فرصة للتأمل واستيعاب الأفكار من دون أن يصيبه لحظة ملل. ويحسب للمخرج عمرو عرفة في ثاني لقاء له مع عادل امام انه نجح في قيادة فريق من الممثلين من مختلف الأعمار ظهر كل منهم في افضل حالاته.
قدم عادل امام واحدا من اجمل ادواره واصعبها ومنح بادائه الشريط السينمائي وهجا جعل المتابع يترقب ظهوره في كل مشهد كذلك الجميلة نيللي كريم قدمت شخصية الممرضة ببساطة وتلقائية ورغم التشابه بين شخصية “كريم” التي قدمها احمد رزق مع شخصية “سعد” التي جسدها في مسلسل “العار” فإن رزق اكد بأدائه السلس انه فنان له حضور مميز وحاول فتحي عبدالوهاب أن يضيف إلى رصيده تجربة كوميدية جديدة لولا ان السيناريو لم يمنحه المساحة ونجحت رانيا يوسف في دور الزوجة المسيطرة على زوجها والتي لا يهمها سوى المال بلا أي حسابات اخلاقية أو مبادئ وجاء ظهور سعيد صالح كضيف شرف من خلال مشهد واحد بمثابة بطولة كاملة فهو مشهد لا يمكن ان ينسى وسيظل احد المشاهد الخالدة في ذاكرة السينما.

اقرأ أيضا