الملحق الثقافي

الاتحاد

في مدح القـوة وقدح الضعف

القوة وسيلة وهدف

القوة وسيلة وهدف

الضعيف مستغل دوماً. ولا أحد يرحم الضعيف، فهو، بخلاصة، فرصة سانحة لممارسة القوة. وممارسة القوة تعزّر الثقة بالنفس، وتدفع المجتمعات كما الأفراد إلى التماسك، وتعطي للذوات الجماعية كما الفردية معنى.
ولدينا نحن العرب سجل حافل في تقديس القوة. وعلى عكس مجتمعات كالبلدان الاسكندنافية (السويد وما جاورها) فإن شرائعنا الدينية أو شبه المدنية تحمي القوي ضد الضعيف. فالضعيف في مأثور شائع هو المغفل الذي لا يحميه القانون، وكلما ازداد القوي قوة ازداد ضغطاً على الضعيف، وكلما ازداد الضعيف ضعفاً فإنه يتحول إلى ذخيرة حيّة للجريمة.



لكن الجريمة وتلك الذخيرة مطلوبة عندنا بإلحاح، إذا ما تفعل قوى الأمن عندنا لو احترم الضعيف، وقلَّت معدلات الجريمة، ونظر البشر إلى تجاوزات بعضهم بعضاً على أنها من الأمراض النفسية؟، لو تحقق ذلك فماذا سيكون دور أبطال “الجنييا” المحليين وقتها؟
ماذا سيكون دورهم؟ لا شيء.
واللافت للانتباه دوماً أنَّ من يستقوون على البشر كانوا في الأساس ضعفاء جداً ومسحوقين، فما يُسمَّى بالديكتاتورية والاستبداد لم يحدثها فقط الملوك وقديمو النعمة وذوو الأصول النبيلة ( = كما يُفضَّل البعض تقديس الأشجار المجازية للعائلات)، وإنما كثير من الفظاعات والجرائم أحدثها أشخاص ولدوا في قش الضعف، وحين كبروا انفجروا في العالم وعلى البشر، تماماً كانفجار بركان الدّمل، أو كالقيح الذي يسيل ماحيا المساحات والمزارع والهواء الطلق، وهو يركض كما تركض نيران البراكين.
بين الضعف والقوة شعرة معاوية. ولن أتحدث هنا عن معاوية الضعيف وقد أدخل إلى الإسلام إيوان كسرى ومعه الحُجّاب، وإنما عن ذلك الخط الدقيق الفاصل بين أن تكون قوياً على نفسك، وفي نفسك، وبنفسك، أو أنَّ تنطلق حيوانات قوتك كي تسحق حيوات الآخرين، باسم الأخلاق والفضيلة والنبل والطهارة... أو أي من معجم أقنعة التسلط هذه. وحينها يكون الآخر ( = من لا يتفق معي، أو لا اتفق معه) عنق جاهزة للجز والقطع والشنق والمحو. عنق مدلوقة على الطرقات وبانتظار القوى كما الخراف في انتظار سكين العيد. ولطالما عبدت الجموع قاتليها، وانهمكت في حياكة قبعاتهم، ووقفت كالفئران مصغية ومصفقة لخطابات، أو مواءات القطط.
أكثر من ذلك لطالما كانت الجماهير مأزق البشرية، إذ كلما حاول فرد منها إيقاظها وإنقاذها مزّقته والتهمته، كما يلتهم الرّمل جثث الغيوم، أو كمالا تكف جهنم عن استقبالها الحافل والحار للكفرة والفجرة والأحرار.
الأقوياء هم السادة. هم كل شيء، هم حراس تقاليد القطعان وحراس معابد الضعفاء، ولا يوجد قوي لم يكن ضعيفا وصعد (ذلك الصعود المخاتل)، على أكتاف الضعف، أو اكتشف الفرق حين رأى نفسه أو ظهرت له قوية في مقابل الضعف البيَّن.
أجل، فالقوة والضعف بينان كالحرام والحلال. بل إن ما عند القوة هو الحلال، وما يريد الضعف أن يفعله هو الحرام. حرام على الضعف أن يكون قويا (... ولكنه كثيرا ما كان)، وحلال على القوة ان تكون قوية (... رغم انه كثيراً ما اهتزت العروش وتهاوت واختفت).
أو فلنعكس ما سبق، فحرام على القوة أن تكون ضعيفة أيضاً إذ نقول: “... ارحموا عزيز قوم ذل”. الضعف ذل لا ينبغي أن ينزل إلى مستواه الأقوياء، والقوة شرفات لا ينبغي ان يصعد السلالم إليها أي ضعيف.
للضعيف أسماء لا تعد، وتزيد على أسماء الخيل في معاجم اللغة العربية، ولكن للقوي اسماً واحداً هو القوة ومداميكها واشتقاقاتها، القوي حاكم، والضعيف محكوم ورعية وتبعية ومواطن، ويحمل جوازاً أو لا يحمل، أو يكون ذا دخل محدود، أو عاطلاً، أو مشرداً، أو مهاجراً أو غريباً أو مقيماً أو زائراً، أو عابراً، أو وحيداً... الخ.
فالقوة اجتماع والضعف وحشة وتمزق ومعاناة وفقر وجوع وهامشية وغياب وعثرات ولعنة وتوحد وعوز وحاجة ودونية واغتراب واستلاب وعذاب وخوف وقلق وانهيار وتحطم ومرض وانحباس ونكران وقهر وضمور ووساوس وسحق وانقياد وحبس وحرقان وكوابيس وخضوع وانتظار وصبر وتخل وتعفف وتوسل وتسول وركوع وسجود ونفاق ونزول وتخف وإفلاس وارتكاس وتحلل وانشطار وتمزق وضياع وحرمان وجَزر وتلاشٍ وعتمة وخلاء ومحل وعيب وفحش وظلال وتوجد وديون وإيمان. فالإله قوي وعلى عبدته الاعتراف بذلك، أو عليهم أن يعترفوا بضعفهم، ومواصلة ذلك الاعتراف إلى أبد الآبدين، فالأديان شهادات مجروحة تجاه القوة. والجنة للأقوياء، على الأقل الأقوياء بإيمانهم، أما الويل والخذلان والثبور وطوابق جهنم وصنوف العذاب فللضعفاء قطعاً.
القوي يتعذب، وأنا كضعيف تعذّبت لكن الفارق بين العذابين أنني كضعيف أريد أن أكون قوياً حتى بالقوي، حتى بي، بالقوي الذي فيَّ، لكن القوي يتعذب حتى لا يكون مثلي، لا يكون ضعيفا كما أنا، لا يصل إلى هذه الدرجة من الانحدار والانحطاط، لا ينزل من رفعته إلى مستواي. جزمته عالية وأنا حاف، وقبعته ذهبية وأنا حاسر. وفي جيبه المسدس وأنا كالذي لم يجد مكانا يختبىء فيه من جريمة ضعفه إلا جسده. إلا العظام التي ما زالت تحدد ذلك الجسد.
وأنا أعشق القوي، ولكن القوي يحتقر الضعف الذي أنا عليه كما يحتقر الرجل القوي المرأة (هل الحب نوع من الضعف؟). هي أمه ولكنه يحتقرها من الداخل، وهي أخته التي يعود إليها، إلى مخيالها، كلما تشتت ولكنه يحتقرها من الداخل، وهي حبَّه الذي تعلق به كما تتعلق المصابيح بالسقوف، ولكن لطالما احتقرت السقوف المصابيح.
تعلّق الضعفاء بالأقوياء يبدو في كثير من الأحيان كتعلّق الأطفال بأمهاتهم، ولكنَّ الضعفاء لطالما عاثوا فساداً بتاريخ الكون، وغمَّسوا رؤوس أكبر وأعظم الملوك شأناً في أقذر الأوحال. انَّ الضعفاء حين يجتمعون ويعلنون عصيانهم فإنهم كالبراكين وقد لاحقت الوديان، وكالأعاصير وقد ضربت بكل قواها نوافذ القاطنين.
النوافذُ تُغلق بشدة عن العواصف كما يحمي الأقوياء أنفسهم وقصورهم والسلطات التي يستفردون بها، وحقول المصالح من رياح الضعفاء الشديدة والمريضة. فهل يخافُ القوي حقاً كما يخاف الضعيف؟... ولكن أبداً لا يقول القوي بأنه لا يخاف. لا يبدو إطلاقا خائفاً. وكأن عدم إيمانه بالخوف، أو ما يسمونها الشجاعة، هي سر قوته. ويظل قوياً مؤمناً ومتمسكاً بعدم الاعتراف بخوفه، تخوفاته، الداخلية أو الخارجية، حتى يسقط فجأة. فمن عظمة الأقوياء كما يردد فطاحلة المديح بأنهم يسقطون فجأة، كالنبي سليمان الذي لم يكن يدرك بانَّ النمل يأكل العصا التي يقيم عليها عرش جسده، أو كذلك الزعيم الذي بعد ان استطاع معارضوه الاستيلاء على حكم مملكته ودخلوا حتى قصره، كان يسأل مرافقه:
يا ترى من الذي يُحدث كل هذه الجلبة في المطبخ؟..
لا يخاف القوي إذن رغم معرفته العميقة، كما يحلل المحللون، وتقديره العظيم لأهمية الخوف. فهو يدركه “فطريا” (ما معنى هذه الكلمة؟. إلى الآن أنا لا اعرف ما معنى هذه الكلمة؟)، وموهوب في تشخيصه، واستخدامه.
القوي لا يخاف، ولكن على الضعيف ان يظل خائفا على الدوام ومسجوناً في خوفه، كي يبقي القوي قويا، على الدوام. ومتى ما هرب الضعيف من سجنه ذاك، من سجن الخوف، فعلى القوي أن يقلق. القوي لا يقلق ولكن عليه أن يقلق وقتئذ.
فضعيف واحد يهربُ من سجن الخوف، يشجع بقية الخائفين أو الضعفاء على الهروب من ذلك السجن. ولو هربت كل هذه القطعان، كل هذه الحشود، كل هذه الجماهير، كل هذه الشعوب من ذلك السجن فان العصاة والخارجين عن القانون والوضيعين، واللصوص والحَوَش والأفاقين (وهي من التسميات المعممَّة والرائجة للضعفاء) سيملؤون الخير بالشرور (والقوي كاهن الفضيلة) وسيفسدون النظام (والقوي حارس النظام) وسيجرون علينا غضب السماء (فالقوي هو وحده من يُرضي آلهة الطبيعة).
تباً لأولئك الضعفاء. فالقوة لن تهدأ حتى يكون جميعهم مراقبين ومتأكد من أنهم لا يزالوا يدفلون خلف قضبان الخوف، هناك على أسّرة جوعهم الوثيرة، وحيث قلقهم يمشي في الظلام كالحشرات المضيئة، وأحلامهم تتدفق كقطعان الأسماك التي قررت الانتحار على اقرب الشطان.
تبا للضعفاء، وليكلل الخلود مجدك أيها القوي، وتحرسك البركة، وتملأ نقوش ثوب سلطانك دموع المحبة.

a.thani@live.com

اقرأ أيضا