صحيفة الاتحاد

دنيا

ليلى بنت أبي حثمة.. صاحبة الهجرتين

القاهرة (الاتحاد)

ليلى بنت أبي حثمة بن حذيفة القرشية، صحابية تميزت بعقل راجح ورأي جيد وحكمة نادرة، فصيحة متكلمة، عرفت حقيقة الإسلام وما فيه من نجاة وسعادة، فأسلمت وضحت من أجله كي ترتفع رايته، وكانت من أول المهاجرات الهجرتين، الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة، واثقة بالله، لم تفقد إيمانها به في أحلك اللحظات، زوجها عامر بن ربيعة العنزي.
كانت من أول النساء ركوباً للهودج مهاجرة، قال عبدالله بن عامر بن ربيعة: ما قدمت ظعينة المدينة أول من ليلى بنت أبي حثمة. فاضلة مجاهدة، استجابت مع زوجها لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وانضمت إلى ركب المؤمنين، وعانت وتحملت وصبرت على أذى أهل الشرك، محتسبة في سبيل الفوز بالآخرة، وكلما اشتد بها العناء ازداد إيمانها وأيقنت بأن نصر الله ورحمته قريب، فأحسنت الوقوف مع زوجها تؤازره وتشاركه جهاد النفس ضد الفتن، ولم تجزع من تعذيب قريش وذهبت مع جمع من الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله أنزل قومنا بنا أشد العذاب، فقال: «من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب له الجنة، وكان رفيق نبيه، تفرقوا في الأرض فإن الله تعالى سيجمعكم»، فقالوا: إلى أين نذهب؟ قال: «اخرجوا إلى جهة الحبشة، فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق»، فتخلت عن أعراض حياتها الزائلة من مال وبلد في سبيل الله، وفضلت ما عند الله، ومضت مع زوجها مهاجرة إلى الحبشة فراراً بدينها.
وكانت رضي الله عنها فصيحة اللسان، ذات شخصية قوية، ولها مواقف دالة على شجاعتها، فلما تهيأت للخروج إلى الحبشة، تجلت فصاحتها عندما قابلها عمر بن الخطاب قبل أن يُسلم وكان ذا حدة وشدة، وكانت تطمع في إسلامه، فسألها إلى أين، فقالت: لنخرجن في أرض الله، قهرتمونا وآذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله، حيث لا نُؤذى في عبادة الله، فليجعل الله لنا مخرجاً، فقال عمر: صحبكم الله، فلما انصرف، فرأت في كلامه حزناً، فأخبرت زوجها ما رأت من رقة ورأفة من عمر، فقال لها: أترجين أن يسلم؟ قالت: نعم، قال: لا يسلم حتى يُسلم حِمَارُ الخطاب! لكن الله أعز الإسلام وأسلم عمر، فغمرت السعادة قلبها.
وهي نموذج للأم الصالحة، فقد ربت أبناءها على حب الله ورسوله، وزرعت فيهم الفضائل الطيبة والشمائل والأخلاق الإسلامية، ودأبت على حضهم على تعلم القرآن الكريم والتمسك بما جاء فيه، وقد أكرمها الله وحظيت بشرف رؤية النبي صلى الله عليه وسلم والتحدث إليه والتعلم منه، فعندما سمعها تنادي على ابنها قائلة: هاكَ، تعالَ أعطيك، فسألها صلى الله عليه وسلم عما أرادت أن تعطيه، فقالت: أعطيه تمراً، فقال لها: «أما إنك لو لم تعطه شيئا كُتبت عليك كذبة».