الاتحاد

تقارير

الليبراليون... وشيطنة «حفلة الشاي»!

بعيد المحاولة الفاشلة لتفجير سيارة مفخخة في ساحة "تايمز سكوير" بنيويورك العام الماضي تكهن عمدة المدينة "مايكل بلومبرج" بأن الهجوم نفذه "شخص يحمل أجندة سياسية معارضة لقانون الرعاية الصحية"، وعلى صفحات مجلة "ذي نيشين" كتب المعلق "روبرت درايفوس" أن "أحد أعضاء حفلة الشاي المتعصبين، معادٍ للحكومة" هو من يقف على الأرجح وراء محاولة التفجير.
كما انضم إلى جوقة المنتقدين لتيار حفلة الشاي العشرات من المعلقين اليساريين الذين حمَّلوا مسؤولية التفجير لليمين الأميركي إلى أن تبين لاحقاً أن مرتكب الجرم ليس من مناصري حفلة الشاي كما توقع البعض، بل هو من المتطرفين الإسلاميين وقد تدرب على يد حركة "طالبان".
وها نحن نرى الجوقة نفسها تشحذ أسلحتها في وجه تيار حفلة الشاي منذ نهاية الأسبوع الماضي بعد حادثة إطلاق النار الأليمة التي استهدفت النائبة الديمقراطية عن إحدى مقاطعات ولاية أريزونا، جابرييل جيفوردز، و19 آخرين، فما أن مرت بالكاد ساعات على حادث إطلاق النار، وإعلان النبأ، حتى أصدر المعلق "بول كروجمان" صك الاتهام في مقالة على صفحات "نيويورك تايمز" قال فيها إنه: "لا تتوافر بعد أدلة تثبت التوجه السياسي للجريمة لكن الأرجح أنها ذات أبعاد سياسية.
فالمستهدفة هي نائبة ديمقراطية من ولاية كان يفترض أن تكون طعماً سهلا للجمهوريين خلال الانتخابات الأخيرة لولا فشلهم بسبب ترشيح أحد ناشطي حفلة الشاي"، ويبدو من كلام "كروجمان" أن سياسيي تيار حفلة الشاي مستعدون لقتل خصومهم فقط لأنهم لم يستطيعوا هزيمتهم في الانتخابات! وأكثر من ذلك أن المعلقين وأصحاب المدونات اليسارية ألقوا باللوم على الشخصية المحببة لدى حفلة الشاي "سارة بالين" لأنها "استهدفت" في رأيهم "جيفوردز" وسعت إلى دحرها في انتخابات الكونجرس الأخيرة!
وفي هذا السياق أيضاً نشرت صحيفة "نيويورك ديلي نيوز" عموداً بعنوان "أيدي سارة بالين ملطخة بدماء جابرييل جيفوردز"، وبعد ساعة من إطلاق الرصاص على الضحية بعث "ماركوس مولتساس" وهو صاحب موقع إخباري معروف برسالة عبر "التويتر" قال فيها إن "سارة بالين أنجزت المهمة" في إحالة واضحة إلى مسؤوليتها على الحادث المروع، وقد نسي التذكير بأن موقعه اليساري سبق أن تهجم على "جيفوردز" نفسها في انتخابات عام 2010 لأنها في نظره لا تجسد المبادئ اليسارية بما يكفي للحصول على تزكية الحزب "الديمقراطي" بالنظر إلى مواقفها الوسطية.
ومن جانبه تابع زميل "جيفوردز" النائب الديمقراطي عن مقاطعة أخرى في أريزونا "راؤول جريجالفا" هجومه على تيار حفلة الشاي محملاً إياه مسؤولية الحادث قائلا: "عندما يتم العزف على خطاب متشدد ويتم الصراخ في وجه المسؤولين المنتخبين خلال اللقاءات العمومية... فإن ذلك يحرض على العنف ويعرض المسؤولين لاستهداف المتعصبين".
وقد انضم أيضاً السيناتور "فرانك لوتنبرج" إلى جوقة المنددين بخطاب تيار حفلة الشاي معلناً أن على "أميركا ألا تتسامح مع الخطاب المتعصب الذي يحض الناس على العنف والفوضى".
وكأن ذلك لا يكفي ليضيف "كليرونس دوبنيك" مسؤول الأمن في المقاطعة التي شهدت إطلاق النار، أن الحادث "ناتج عن الخطاب الذي يلوكه البعض حول تمزيق الحكومة"، فمن يكون "دوبنيك" هذا حتى يتهجم على البعض بسبب الخطاب غير المتسامح فيما يبيح لنفسه أن ينعت الآخرين بأقذع النعوت مستخدماً ذات الخطاب الذي ينتقده؟
ولكن المعيب فعلا فيما سبق هو الانتهازية السياسية التي طغت على المنتقدين واستعدادهم لتسخير الحوادث المأساوية لأغراض سياسية من خلال مسارعتهم إلى إلقاء مسؤوليتها على تيار حفلة الشاي والخطاب المحافظ في الولايات المتحدة دون التأكد من خلفية الفاعل، أو الاستناد إلى أدلة قاطعة.
فمع أن الشرطة ما زالت في طور التحقيق مع المجرم، إلا أنه من الواضح أن "لي لوجنر" الذي أطلق النار يعاني من اضطراب عقلي حاد، فقد تم تعليق انتسابه لجامعة "تاكسون" من قبل الإدارة لما أظهره من عدم اتزان، مشترطة لإعادة التحاقه بالجامعة الحصول على شهادة طبية تثبت سلامته النفسية، بل إن زملاءه من الطلبة سبق أن حذروا من احتمال أن يظهر في الفصل بمسدس في يده. وللتدليل أكثر على اضطراب المعني بالأمر يمكن الرجوع إلى شريط له على موقع "اليوتيوب" يعلن فيه أن "الحكومة تسعى إلى غسل دماغ المواطنين من خلال مراقبة النحو والقواعد اللغوية!".
والحال أن انتقاد الحكومة لسيطرتها على القواعد اللغوية ليس من القضايا التي يثيرها تيار حفلة الشاي، وهنا يجب التذكير بأن مسؤولية المحافظين في محاولة اغتيال النائبة "الديمقراطية" ليست أكبر من مسؤولية الليبراليين في محاولة اغتيال رونالد ريجان.
وفي الوقت الذي وضعت فيه "نيويورك تايمز" على صدر صفحتها الأولى عنواناً يقول "محاولة الاغتيال تلقي الضوء على التعصب في السياسة الأميركية" فإنها تناست تماماً التعصب الآخر الذي يمارس ضد ناشطي "حفلة الشاي" الذين يتم التعامل معهم في وسائل الإعلام الليبرالية على أنهم "عنصريون" و"متعصبون"، وإذا كان ذلك يحتاج إلى دليل فما على الرصد سوى تتبع ما نُشر في الصحف خلال نهاية الأسبوع المنقضي والمحاولات المستمرة لشيطنة المحافظين.

مارك ثيسين
باحث في معهد "أميركان إنتربرايز"

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا