الاتحاد

دنيا

الفصل الآخر من الحكاية


انا انسانة خفيفة الدم ومرحة وليس بي من عيب سوى انني أملك وزناً ثقيلاً زاد من سوء حظي واتخذه الناس ذريعة لظلمي وقهري··· لقد عشت طفولة غير مستقرة مع أسرة تعددت فيها زوجات الأب، فعانيت معاناة كبيرة في التكيف مع تلك الظروف القلقة· وقد رويت لكم سابقاً طبيعة تلك الحياة بالتفصيل وسميتها الفصل الأول من الحكاية، واسمحوا لي الآن ان أروي لكم الفصل الثاني منها والذي يتعلق بحكايتي مع أربع زيجات فاشلة اخرها لازلت مستمرة فيها بلا هدف معقول·
هروب فاشل
عندما وصلت إلى سن الرابعة عشرة كان أملي الوحيد هو الهروب من جحيم زوجة أبي الأخيرة والوحيدة التي استمرت معه حتى وفاته، وقد انجبت منه سبعة اطفال· وكما أخبرتكم سابقاً فانها كانت امرأة قاسية جداً، أذاقتنا انا واخوتي صنوف التعذيب التي لا يعرفها إلا رجال المخابرات في الدول المستبدة الظالمة·
كنت أرسب في دراستي لعدم شعوري بالاستقرار· وكنت أتلقى الضرب والإهانة في المنزل وفي المدرسة· الكل يضربني بحجة تأديبي وإجباري على المذاكرة· ضاقت بي الدنيا وقررت الهرب· جاء القرار بعد ضرب شديد تعرضت له على يد والدي وزوجته، فتركت المنزل وقررت ان أجلس على حافة الرصيف وأمد يدي للتسول، لأنفق على نفسي بعيداً عن الأسرة الظالمة التي لا ترحمني أبداً·
جلست لمدة طويلة بعد ان هدني التعب من المسير طوال اليوم، ولم استطع ان أمد يدي طلباً للمساعدة مع انني كنت جائعة جداً· لم أستطع ان افعل شيئاً سوى ذرف الدموع الغزيرة والارتجاف خوفاً مما سيحدث لي إذا حل الظلام·
لفت وضعي انتباه أحدهم، فاوقف سيارته ونزل يسألني هل انا تائهة أم ماذا؟ فبكيت أمامه ولم أجب· ساعدني على الجلوس في سيارته وحاول ان يخفف عني، فحكيت له حكايتي، فابتسم وصار يداعبني ثم حاول الاعتداء علي، فرفضت ذلك وصرت أبكي بصوت مرتفع، فأضطر لإعادتي إلى منزل والدي واخبره بأنه وجدني جالسة على الرصيف فأعادني إلى منزلي·
ضربني والدي من جديد وصار يتعامل معي بعدم ثقة، فهو يحس بأنني ربما قد تعرضت للاعتداء وانني لم أعد بكراً، مما زاد من ألمي وحسرتي على نفسي·
تجربة الزواج
لم يكن أمامي سوى التفكير بالزواج من أول خاطب لأثبت لهم انني لم افعل شيئاً وانني لازلت عذراء طاهرة ولأتخلص من هذا الجحيم المر الذي أعيشه مع اسرتي·
وصلت إلى سن السابعة عشرة، فتقدم لخطبتي رجل كبير في السن ولديه أولاد أكبر مني، فوافقت على الزواج وتم عقد قراني، ليستولي والدي على المهر كله· لم يعطني والدي شيئاً لأجهز به نفسي· فلبست عباءتي وحملت ثيابي القديمة ورافقت زوجي إلى بلده بلا لحظة أسف أو تفكير·
لم يكن الحال هناك أفضل من حالنا· فقد علمت بان زوجي لديه زوجتان غيري وقد طلق الأولى، أما الثانية فقد كانت صغيرة وجميلة ولكنها 'ملسونة' ومؤذية تسببت في ظلمي ومعاناتي، لما استخدمته من اساليب للإطاحة بي وتدميري·
أنجبت طفلتين، وكنت أعيش في حالة ضغط مستمر بسبب المشاكل التي لا تنتهي والتي تفتعلها شريكتي، وبسبب بخل زوجي وعدم انفاقه عليّ وعلى طفلتي وعدم سماحه لي بزيارة أهلي طوال 5 سنوات عشتها وانا على ذمته، ثم قرر ان يتزوج مرة اخرى من فتاة عمرها سبعة عشرعاماً، فطلبت الطلاق لأنني بصراحة لم اطق شريكة واحدة، فكيف اصبر على إيذاء شريكتين؟ هذا بالإضافة لكونه انسانا بخيلاً في المادة وفي العواطف، فلم احس معه يوماً بالاهتمام أو الأمان، فلماذا أصبر؟ ولماذا أستمر معه في حياة زوجية مليئة بالصراع والمكائد الظالمة·
عندما طلبت الطلاق هددني بأخذ بناتي مني، فأعتقدت بأنه غير جاد وبقيت مصرة على الطلاق، فطلقني ونفذ تهديده، وحرمني من بناتي واعادني إلى بيت أبي بلا أي حقوق·
وبالطبع لم أستطع رفع دعوى حضانة البنات لأنني لا أملك المال وليس لدي دخل خاص بي يساعدني على الإنفاق عليهن·
قررت بعد عودتي لبيت أبي ان أعود لمقاعد الدراسة وان أحصل على شهادة تؤهلني للعمل والإعتماد على النفس من أجل ان أستعيد بناتي· بقيت في منزل والدي عشر سنوات أكملت خلالها الثانوية وحاولت ان أبحث عن عمل، فمنعني أخي من ذلك، حيث صار اخوتي هم المتحكمون بي بعد موت والدي، وقد اصبحوا متزمتين جداً لا يرضون بخروجي من المنزل لأنني مطلقة· أحسست بأنني سجينة وأنني لن استطيع تحقيق ما أريد فندمت على تسرعي في طلب الطلاق والتخلي عن ابنتيَّ·
عندما ضاقت بي الحياة لم اجد متنفساً سوى التحدث عن طريق الهاتف مع أشخاص لا اعرفهم ولا يعرفونني· كنت بحاجة للكلام الحلو وللعاطفة التي حرمت منها طوال حياتي· لم أستمر طويلاً في هذا الوضع وقررت ان أضع حداً لحرماني وبقائي في هذا السجن العائلي الظالم، فبماذا تفيدني تلك المكالمات التي لا تحمل سوى المشاعر المزيفة التي تنتقل عبر الخطوط من رجال لا أعرفهم ولا يعرفونني·
فكرت في حل مشكلتي للخروج من دائرة المحاصرة التي تخنقني وتقلل من فرص زواجي، فالتحقت للعمل بأحدى الجمعيات الخيرية كمتطوعة، وبالطبع فإن اخوتي لم يعترضوا على عملي في مثل هذا المكان·
تجارب جديدة
كان من ضمن أنشطة تلك الجمعية ـ جمع رأسين بالحلال ـ فقدمت طلباً أعلن فيه عن حاجتي للزواج، فطلبني رجل لم يشاهدني ولم أره إلا بعد ان تم الزواج وكان متزوجاً ولديه أولاد· و للأسف فإنه بعد زواجنا بيوم واحد اعتذر عن الاستمرار في هذا الزواج لأن أولاده وزوجته قد علموا بالأمر واجبروه على تطليقي في اليوم الثاني من زواجنا·
بعد انتهاء العدة تقدم لي شخص آخر، كان كبيراً في السن ولديه أولاد كبار، أسكنني في الفندق معه ليلة واحدة فقط ثم غاب عني شهراً كاملاً وهو يعتذر بأن المنزل الذي يعده لسكناي لم يكتمل بعد، ثم عاد ليخبرني بانه ينوي تطليقي لانني بدينة وهو قد تفاجأ بأن وزني ثقيل لهذه الدرجة، مع اني خلال تلك الفترة عملت ريجيماً قاسياً فقدت خلاله ستة عشر كيلوجراما·
بعد انتهاء العدة، خطبني رجل آخر من الأهل كنت قد رفضته من قبل لخوفي من المشاكل لأنه قريبنا وزواج الأقارب يجلب المشاكل دائماً وانا أفكر بحياة مستقلة بعيداً عن التدخلات العائلية المزعجة· اتصل بي وصار يتحدث معي ويحاول إقناعي بفكرة الزواج منه حتى وافقت عليه، فتزوجنا وأخذني للعيش في منزله· كان ارملاً ولديه أولاد وبنات كبار وهو يعيش لوحده لأن أولاده يعملون في العاصمة وهم متزوجون ولا يعودون إلا في نهاية الأسبوع وفي الإجازات فقط·
بعد الزواج اكتشفت بانه مريض وغير قادر على أداء حقوقي الزوجية وانه كان يريدني كأنيسة له تجالسه في وحدته· وعلى الرغم من حاجتي الشديدة للتكامل في جميع جوانب الزواج إلا انني صبرت على هذا الوضع ولم أعترض على هذا النصيب خصوصاً بعد ان فشلت في عدد كبير من الزيجات·
لم يستمر الوضع بهذا الشكل فقد كرهني أولاده وطلبوا من والدهم طردي من المنزل، فهم لا يريدون رؤيتي مكان أمهم· اضطر زوجي الى تأجير شقة لي وأسكنني لوحدي وصار يتردد علي كلما احس بالوحدة والوحشة، ثم صار يغيب عني لفترات طويلة خوفاً من أولاده·
حياة جديدة
كنت أعيش حياتي بلا أية مقومات للسعادة والطموح، فتعرفت على صديقة ساعدتني على تخطي هذه الحالة، وقالت لي: انت انسانة لطيفة ودمك خفيف لا تستسلمي لليأس وفكري بشيء من الإيجابية، ثم شجعتني على السفر وساعدتني مادياً فسافرت إلى بلد أمي· هناك أحسست بأن المرأة البدينة مرغوبة أيضاً وان الرجال يفضلونها على النحيفة· هذا الشعور أراحني كثيراً، فعادت لي الثقة بنفسي ورجعت إلى هنا وانا متفائلة بانني سأبدا بالتغيير نحو الأحسن·
كخطوة أولى قررت تعلم قيادة السيارة لأنها ستمنحني الحرية في الحركة والتنقل والاستمتاع بجمال الشوارع والحدائق والأسواق، وأيضاً فإنها ستيسر لي عملية البحث عن عمل أشغل به وقتي وأملأ به فراغ حياتي·
حصلت على مبلغ بسيط من إرث أبي رحمه الله، فقمت بتأثيث شقتي بأثاث جديد مريح لنفسيتي· لأول مرة اشعر باستقلاليتي وبأنني قادرة على الاعتماد على نفسي وقادرة ايضاً أن اكون إيجابية في حياتي· فعلى الرغم من قلة المبلغ الشهري الذي يمنحني إياه زوجي فانني أقوم بإرسال جزء منه لمساعدة والدتي، وأذهب مع صديقتي إلى المدرسة التي تعمل بها وتطوعت لإعطاء بعض الدروس المجانية للطالبات، هذا بالإضافة إلى انني دخلت في معهد لتعلم الكمبيوتر واكتساب مهارات جديدة أخرى·
عمري 35 عاماً، لازلت شابة وهذا الطموح الذي ولد في نفسي يساعدني كثيراً على التكيف مع ظروف الحياة الصعبة من حولي·
لقد رضيت بما قسمه الله لي، وهذا ما أراحني كثيراً، فعندما يرضى الانسان عن نفسه، فإنه لا يكترث لتعليقات الناس وسخريتهم واستهزائهم·
لقد خلقني الله على هذا الحال، وهو امتحان لي، هل أصبر أم اكفر؟
و قررت الصبر والتكيف لأنني انسانة مؤمنة وأطمع بالجنة، وهذه الفكرة ساعدتني على الإحساس الجميل بالسعادة والرضى وتقبل الحياة بالإبتسامة والشكر للخالق العظيم·

اقرأ أيضا