الاتحاد

دنيا

جبران تويني: اغتيال موقف

بيروت - الاتحاد
مات تحت أشجار الصنوبر، في يوم لم يسقط فيه المطر كما يجب· وجاءت الشظايا لتبدل كل معالم الطريق الضيق الذي يتلوى عند المنحدر حيث هوى جبران التويني كما لم يحب···
كان على لائحة الاحتمال، بل على لائحة الموت كما ردد مراراً· لم يستمع جيداً الى النصائح التي وجهت له بأن يبقى بعيداً عن بيروت الى ان وقع في 'فخ' الاغتيال·· اغتيال موقف·
-مثل جبران تويني ابن العائلة العريقة في الصحافة اباً عن جد نموذجاً جديداً في الصحافة اللبنانية، حيث سعى ومنذ انطلاقته أن يجمع ما بين موقعه الصحفي ولعب دور سياسي· كان ابن مدرسة لامعة في الصحافة اللبنانية وهي مدرسة صحيفة 'النهار' التي صدرت في ثلاثينات القرن الماضي·
تربى جبران على يد أبيه غسان التويني وكان يفاخر بتجربة جده جبران التويني، ويعتد بها·
كان مشاكساً، غاضباً، يملك صوتاً مرتفعاً، لكنه في نفس الوقت تميز بعلاقة انسانية خاصة مع العاملين من حوله في النهار وهي إحدى أكبر الصحف اللبنانية·
ولد عام ،1957 بدا منذ صغره انه سيكون لامعاً تلقى تعليمه في باريس قبل ان يعود باكراً وهو يحمل اجازة في الصحافة وفي الادارة لتسلم موقعه كمدير عام ورئيس مجلس ادارة النهار حيث ترجل قليلاً والده غسان تويني عن الادارة اليومية لهذه الصحيفة الكبيرة وسلمها لابنه الوحيد الذي يحمل اسم جده·
كان جبران التويني ليبرالياً، وفي نفس الوقت لبنانياً 'زيادة عن اللزوم'، كما كان يقول بعض منتقديه· سعى خلال سنوات الأزمة لأن يكون قريباً من بعض القيادات السياسية وخاصة المسيحية منها، وتنقل في مناخات صعبة الى ان لمع نجمه خلال الأعوام الأربعة الماضية كمعارض شديد للوجود السوري في لبنان·
قدم البعض له النصائح بأن يظل بعيداً خاصة في هذه المرحلة، احياناً كان يسمع النصيحة وهو المتزوج ولديه أربع بنات اثنتان من زواج أول، وتوأم من زواجه الثاني من سهام عسيلي، ويقال انه عاد من باريس لرؤيتهما حيث تم رصده وزرع السيارة المفخخة في طريقه الى 'النهار' كما تعود كل صباح·
قدرة جبران التويني برزت في إدارة 'النهار' وفي إدارة ذاته ايضاً، وهو الذي تعود كتابة افتتاحية الصحيفة يومياً دون ملل متحملاً نتائج ما يكتب، والتي وصلت الى ان يتبعثر جسده شظايا عند منحدر المكلس الى الشرق من بيروت·
مشروع شهيد
هو كما والده لطالما شعر بأنه مشروع شهيد عاش حياته ايضاً مجنون صحافة وسياسة، كما والده تأثر بثلاثة كان لهم الحضور الأكبر في رسم شخصيته: والده الذي علمه كل شيء، وشارل مالك الذي اقتبس عنه فلسفته في الحياة، وانطوان سعادة الذي اخذ عنه الايمان بالعقيدة وأمثولة الاستشهاد·
جبران التويني عمل متدرجاً على يد مدير التحرير في جريدة 'النهار' فرنسوا عقل ثم انتقل للعمل في اسبوعية النهار العربي والدولي التي أسسها والده عام ·1978 كان همّ جبران منذ بداياته ان يبني لنفسه شخصية كاملة المواصفات يقول: 'أردت ان أثبت قدراتي المهنية فأسست 'النهار العربي والدولي' وأعطيتها شيئاً من شخصيتي ومن لوني، شعرت انه في 'النهار' لن أبرز بل من الممكن ان 'تدهسني' هذه الصحيفة الكبيرة، وأغرق بها دون ان اكون مميزاً'·
عمل جبران منذ تسلمه 'النهار' عام 2000 على الحفاظ على الديمقراطية وتعدد الاراء، وبدا الأمر جلياً في الردود التي كانت تنشر في 'النهار' ومنها ما يهاجمه· حاول دائماً تحويل الجريدة الى مؤسسة لا ترتبط بأي شخص تواكب الحداثة حاملة رسالة الديمقراطية والحق والحرية، وكان دائماً يردد 'أريدها ان تستمر من بعدي، لذا أسعى لإرساء مؤسسة وليس جريدة شخص'·
حياته العائلية
في أواخر السبعينات من القرن الماضي تزوج جبران من ميرنا المر ابنة النائب والوزير السابق ميشال المر لكنهما تطلقا لاحقاً بعد انجاب ابنتيه ميشال ونايلة، ثم تزوج مرة ثانية وذلك في العام 2002 من سهام عسيلي وله منها ابنتان توأمان غابريلا وناديا وعمرهما لا يزيد عن ستة اشهر·
ومع ولادة لقاء البريستول السياسي المعارض في اعقاب التمديد للرئيس اميل لحود في سبتمبر ،2004 وبعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري بات جبران التويني عضواً رئيسياً في هذا اللقاء، وعنصراً فاعلاً في مسيرة الرابع عشر من مارس 2005 عندما أقسم امام مئات الآلاف قسمه الشهير، ودعا المحتشدين في ساحة الشهداء لأن يعيدوا وراءه، وهو: 'نقسم بالله العظيم' مسلمين ومسيحيين، ان نبقى موحدين الى أبد الآبدين، دفاعاً عن لبنان العظيم'·
إلى السياسة در
قرر جبران التويني ان يخوض المعركة الانتخابية في الانتخابات النيابية للعام ،2005 فترشح عن المقعد الارثوذكسي في دائرة بيروت الأولى على لائحة 'تيار المستقبل' التي يتزعمها سعد الحريري حيث نال ،30591 صوتاً واصبح من المقربين من رئيس كتلة المستقبل النيابية· وعن موقفه ذلك قال: 'اتخذت خياراتي كلها باقتناع تام ربما اخطأت في التكتيكات السياسية وجل من لا يخطئ'· ولم تتبدل النبرة العالية في مواقفه فاعتبر البعض كتاباته عنيفة، لكنه كان دائماً يقول 'هذا هو نمطي'·
اختلطت مشاعر الفرح بالحزن لدى جبران التويني في اعقاب الانسحاب السوري من لبنان مع اغتيال صديقه وزميله في جريدة 'النهار' سمير قصير الذي لطالما اتفق معه في العديد من الامور، حيث قال 'ان المحافظة على استقلال لبنان تكون بتعزيز ايماننا به وبوحدتنا، تماماً كإيماننا بالله··· وليتذكر من لا يريد ان يتذكر ان هذا الوطن محكوم بالحياة الأبدية لا بالموت، وبأن تحقيق استقلالنا وحريتنا وسيادتنا كلفنا غالياً، شهداء سقطوا، واحياء واجهوا الموت بقوة الصمود والتصدي والايمان'·
جبران حمل الكثير من شخصية والده عميد 'النهار' والوزير والنائب السابق غسان تويني· يصف علاقته بوالده غسان بالقول: 'الوالد إنسان صارم ومتطلب عن حق، لا يحب التقصير، وخلافاتنا في وجهات النظر في السياسة لطالما كانت محددة، فوالدي ليس من النوع الذي يؤنب'·
مثّل غسان تويني بالنسبة الى جبران مفخرة كبيرة، هو يعتز بهذا الإرث الحي، ليس فقط لأنه مدرسة في المهنة وانما ايضاً في الحياة· كثيراً ما يوحي جبران لوالده انه لا يسمع نصائحه، لكنه في العمق يكون مستمعاً جيداً ويأخذ بهذه النصائح احياناً كثيرة من دون ان يدري والده· ويقول علي حمادة، الخال الأصغر لجبران والذي لم يتعد فارق السن بينه وبين جبران الأعوام الأربعة، والذي كان الصديق المستمع والمصغي ورفيق المشاغبات على انواعها: 'ان حب غسان لولده جبران لا يوازيه شيء، وكان الابن في مراهقته يشعر بهذا الحب في مقابل شعور مواز بأنه لا يعطيه المقدار الكافي من الوقت· وفي حين قيل عن غسان تويني انه تزوج امرأتين و'النهار'، كان جبران يشعر بشوق الى الحضن الدافئ لوالده'·
علاقته بوالدته
في هذا الوقت كانت الوالدة ناديا تعاني من مرض عضال كان يحول ليلها نهاراً ونهارها ليلاً، بسبب الآلام التي اقعدتها 18 عاماً، وعاش جبران ذلك· كان يدرك بأن والديه يحبانه كثيراً، لكنه كان في الوقت ذاته متعطشاً الى مزيد من الحنان، وعندما يسأل عن ذلك كان يجيب: 'كان بودي لو لم تكن والدتي مريضة ووالدي غارقاً في السياسة والصحافة الى هذا الحد'·
والسؤال هو: هل ان جبران الذي غرق في السياسة والصحافة حتى أذنيه، استطاع ان يجد الوقت الكافي لبناته الأربع؟·
هذا الشعور رافق جبران، على رغم ان غسان تويني كان يكرس أيام الآحاد لعائلته، ويبقى مع أولاده وزوجته، ولا يخرج من المنزل ولو حدث زلزال في السياسة، وعلماً بأن ناديا تويني الأديبة والشاعرة والصحافية كانت تعيش حياة زاخرة بالنشاطات على رغم آلام المرض· لكن جبران كان يريد المزيد من الحوار والصداقة من غسان مدمن العمل في الصحافة والسياسة· كان غسان صاحب عطف وحبّ كبيرين تجاه عائلته، لكن الوقت الضيق لم يكن يتيح له ترجمة ذلك على نحو كافٍ·
جبران الصحافي تغلب على جبران النائب والسياسي فهو الذي كان يشغل رئاسة مجلس إدارة 'النهار' التي أسسها جبران الجد في الرابع من آب 1933 ليواجه من خلالها سلطات الانتداب الفرنسي آنذاك، حاول ان يدخل اليها روح الحداثة لتكون منبراً للأقلام الشابة حيث الاراء مختلفة ومتنوعة· واليوم تبدو الصحافة أول الخاسرين بفقدان أحد أبرز رجالاتها، حيث يقول الصحافي في جريدة 'السفير' طلال سلمان معلقاً على اغتيال جبران التويني:
'بعدما شرق القراء بدمع اللوعة على الدم المهدور ظلماً وغيلة جاء الغضب عارماً أية مخيلة شيطانية هذه التي تفترض، بعد، ان الرد على الكلمة يكون مفحماً اذا هو لجأ الى اغتيالها متناسياً ان القلم الذي يجرحه رصاص المقيمين في ليل الغربة عن العصر انما يكتسب وجاهه استثنائية، اذ تغطي فداحة الجريمة على ما يفترض وجاهة استثنائية، اذ تغطي فداحة الجريمة على ما يفترض انه خطل في رأي الكاتب، فيسقط المجرم بينما يتعاظم القلم محصناً بحق الاختلاف باعتباره الطريق الى الرأي الاكثر وجاهة وصحة'·
اما الصحافي في جريدة 'الانوار' رفيق خوري فيقول عن جبران الصحافي الثائر في الحرب كما في السلم 'كان صوتاً صارخاً بالرأي الحر الى اقصى حدود الجرأة كمن يحمل كفنه ويمشي لا كمن يقول كلمته ويمشي· في 14 مارس كان في ساحة الشهداء ساحة الحرية، وقبل 14 مارس وبعدها كان يشارك في صنع الاحداث: بالقلم في حرية التعبير، وبالعمل السياسي في حرية التغيير'·
زيارة لمي
مساء السبت الماضي زار جبران تويني زميلته مي شدياق في باريس والتي تعرضت لمحاولة اغتيال في الخامس والعشرين من سبتمبر 2005 في احدى المستشفيات الفرنسية حيث تخضع للعلاج ترافقه زوجته وخاله وزميله في 'النهار' علي حمادة· هناك تبادلا الهواجس المشتركة، قالت له مي شدياق 'مضى شهران ولم يسقط شهداء جدد'· ضحك جبران ومضى دون ان يدري ان اسمه على رأس اللائحة وأن الشهادة تنتظره في اليوم الثاني في بيروت· يقول علي حمادة: 'قال لي جبران يوم زيارتنا مي بضرورة تذكيرها بأن مشيئة الله كانت ان تعيش فتحققت هذه المشيئة، وان أمامها رسالة كبيرة تؤديها، ولذلك عليها ان تتمسك بكل نسمة حياة تمر بها لكي تقوم وتعود لأداء رسالة الحرية· هذا ما قاله جبران لمي في جلسة وجدانية بدا من خلالها مؤمناً وقدرياً يعرف انه حين تأتي الساعة فلا راد لها'·
جبران الذي تحدى نصائح كثيرين له بالبقاء في فرنسا بعد كل التهديدات التي تعرض لها قرر العودة الى بيروت بعد ان شارك عائلته في احتفال منح وسام جوقة الشرف الفرنسي برتبة ضابط الى والده غسان تويني·
بدا مستعجلاً قدره فيما يبدو ان قدر لبنان ان يكون الصحافيون في طليعة من يقدمون حياتهم دفاعاً عن قضاياهم، منذ نسيب المتني عام 1958 الى كامل مروة الى سليم اللوزي وسمير قصير وصولاً الى جبران التويني وغيرهم من العشرات الذين دفعوا ثمناً غالياً لمواقفهم السياسية والفكرية·
جبران التويني رحل··· لكن صحيفته خرجت لتقول انه لم يمت وان' النهار' باقية، وان غيره ينتظر···
وبيروت··· المميزة بصحافتها··· مميزة بشهداء الكلمة، تماماً كتميزها بكل شيء···

اقرأ أيضا