الاتحاد

دنيا

هاني الظاهري: تتلمذي على اللغة الصوفية فجّر طاقة مفرداتي

*نطرح عادة سؤالنا الأول رغم تقليديته، بغية وضع القارىء في صورة بدايات ضيف حوارنا، هل من تذكير لقراءٍ هنا في الإمارات ربما لم يتابعوا بداياتك الشعرية؟
**يبدو أنني لم أبدأ حتى الآن ·· هكذا أحس رغم أني رجل مضمخ بالنرجسية بشكل متطرف !
تقليدياً أقول كانت البدايات الأولى مجرد هاجس اقتحمني في سن مبكرة جداً قياساً ببدايات الكثير من الشعراء ·· كنت في العاشرة عندما استدعى (الأستاذ عدنان القرشي) مدرّس اللغة العربية آنذاك والدي رحمه الله ليستفسر منه حول القصائد التي تبعثرت في دفتر القراءة بشكل فوضوي ·· كانت القصائد لأبي نواس ونزار قباني والمتنبي مخطوطة بخط يدي لكنه شك في الموضوع، لم يكن يعلم أنني في تلك المرحلة كنت أتلصص على مكتبة والدي وبمجرد أن أجد (أنشودة) - كما كنت أسمي كل القصائد العمودية في تلك المرحلة - أقوم بنسخها في دفتري رغم عدم فهمي لمعاني مفرداتها وما أثار حنق الأستاذ أن من أبيات تلك القصائد ما هو متجاوز أخلاقياً وعرفياً ·· طبعاً حضر والدي - رحمة الله عليه - واعتذر نيابة عني واشترى لي دفتراً جديداً أمرني أن أخصصه لمادة القراءة فقط ودفتراً آخراً طلب مني أن أحاكي فيه القصائد التي تعجبني ·· بعد هذه الحادثة بحوالى عامين كتبت قصائد كثيرة (ليست قصائد تماماً!) لكنها كانت عن الجهاد وعن أطفال فلسطين وعن القضايا الكبرى وعن بنات الجيران أيضاً·· وكنت أطلب من الأساتذة الذين يدرسوني في تلك المرحلة وكل من أعرف ومن لا أعرف أن يوقع عليها في دفتري مع إبداء ملاحظاته - كنت مزعجاً بحق - أن يكون أحدنا طفلاً لم يبلغ الحلم بعد ويحمل هماً بهذا الحجم ·· فهذا سيقوده إلى شيئين لا ثالث لهما ·· إما أن يصبح ضيفاً دائما على المصحات النفسية القريبة أو أن يتصالح مع هذا الهوس ويواصل عبثه وهذا ما فعلت·· وكان أن نشر أول نص لي في الصحافة في ملحق الأربعاء الأدبي بجريدة المدينة السعودية ومنذها واصلت التخريب الصحفي في كل مكان وفي الكثير من الصحف والمجلات شاعراً وقاصاً ومحرراً ورئيساً لأقسام ثقافية ومديراً للتحرير ثم رئيساً ثم مالكاً لمطبوعة صحفية تشبهني إلى حد كبير !
*منذ التسعينات وتجربتك الشعرية الملفتة، توضح اعتمادك لغة قصائد يمكن أن تصل إلى أي متلقٍ عربي، هل يشكّل الانفتاح على الثقافات باعثاً لاختيارك لغتك؟
**لغة النص برأيي وسيلة موصلة وليست غاية بحد ذاتها وقد اعتدت منذ بداياتي على تهذيب هذه الوسيلة وتجميلها بشكل لا يخل بمهمتها الأساسية ·· ولا أخفيك سراً إن قلت إنني تتلمذت عشقياً على اللغة الصوفية في الشعر تلك اللغة المعجزة التي تفجر طاقات المفردة في كل الاتجاهات والتي ترفض التقوقع داخل منظومة معينة أو قفص تقليدي !
وأذكر أن الزميلة (ميره القاسم) دهشت قبل فترة عندما كانت تحاورني حواراً صحفياً سألتني فيه عن أهم شاعر تأثرت بتجربته وكانت إجابتي (فيدريكو غارسيا لوركا) !
فالشعر برأيي هو الشعر حتى وإن كتب بلغة مشفرة فما اللغة إلا وسيلة كما أسلفت بيد أن وسائلنا يجب أن تكون جميلة كثيابنا تماماً ·· أليس كذلك ؟!
أما عن مسألة الانفتاح على الثقافات بالنسبة للشاعر أو الأديب بشكل عام فهي مسألة مهمة جدا، بل رئيسية في تكوينه الشعري ·· أحب قصائد لامارتين وفولتير ولوركا كما أحب قصائد المنخّل اليشكري وأبو نواس وابن عربي وبشير شنان !
أعتقد أن لغتي الشعرية مزيج من كل هؤلاء وغيرهم من المجانين العظام !
*طرقت العديد من الأغراض الشعرية خلال تجربتك الثرية، إنما كان الإنسان- الوطن، الإنسان-المجتمع، الإنسان- الحب، هو الأبرز دائماً، بل اللصيق المتحد بكل أغراض الشعر·· هل الهم الذاتي أو الأحزان والأوجاع مجاذيف إبحارك الشعري؟
**الهم الذاتي محرض جيد للكتابة، والحزن والوجع كذلك ·· لكن الأهم من ذلك كله التجربة الحياتية اليومية بشكل عام ·· الشاعر أو القاص برأيي هو عدسة لاقطة وكاميرا ناطقة ولكن بمعايير مختلفة ·· هكذا أجدني عند الكتابة ·· أختزل مشاهداتي وأسقطها على الإنسان (أنا / أنت / هو) وفق نظرتي الشخصية لا وفق طبيعة الأشياء / التجارب وحقيقتها ·· في الشعر أو السرد أعيد الخلق بطريقتي (الشخصيات والمواقف والأحاسيس) أرتبها كما أشاء أمارس دور العقل الأول بتجرد وأشعل سيجارتي بعد أن أتأكد من أنني خلقت (حياة جديدة) جديرة بالولوج إليها ومعايشة تفاصيلها بدون أي خلفيات مسبقة !
هذا هو الفن الحقيقي برأيي إنه الفن الذي يحرر الروح والعقل مما علق بهما ·· وهذا أيضاً ما أزعم أنني أجيد ارتكابه بنشوة لا تشبهها نشوة!
*قبل أن نستكمل مع الشعر، يحضرني سؤال عن سبب توجهك إلى النصوص القصصية والرواية، وكذلك المقال الذي باشرته منذ أعوام، ما هي محرضات هذه الأنماط الأدبية التي طرقتها ؟
**كل شاعر هو قاص وروائي بطبيعته والعكس ليس صحيحاً ·· كما أن الإنسان العربي كائن مشبع بالحكايات التي قد تتفجر في لحظة ما كنص أدبي شعراً كان أو نثراً فالقصة نشأت قبل أن يطأ الإنسان هذا الكوكب وفق أيديولوجيا الفكر الديني في كل الديانات تقريباً ··
بالنسبة لي ولك ولغيرنا القصة هي اللاعب الأساسي في أمسنا القريب والبعيد ·· نحن ككائنات نتحول إلى قصص بشكل مستمر·
و لا أخفيك أنني مسكون بهوس إعادة الخلق الأدبي ·· أتمنى لو أني قادر على إعادة خلق كل شيء بمزاجي وبالتالي ستجدينني في الشعر والقصة والرواية وأي بيئة أخرى يمكنني ممارسة هذا الهوس فيها بشكل مشبع لهذه الغريزة اللعينة التي تسكنني !
*في مطلع زهيرية لك تقول: صارت همومي (وطن) به يحتزم راسي سؤالي الأول حول الزهيرية يتصل بهموم هاني الظاهري شاعراً مثقفاً وإنساناً عربياً، مع تأكيدنا أنهما لا ينفصلان لدى الشاعر الحقيقي؟
**لا أتفق معك أبداً في الجزئية الأخيرة من سؤالك الشاعر الحقيقي كائن قادر على الانفصال عن جسده أيضاً في أي لحظة! لكن هناك ارتباطاً أخلاقياً لدى الإنسان أياً كان جنسه وجنسيته بوطنه وقوميته !
ومفهوم الوطن لدى الناس في كل مكان مفهوم نسبي ·· هناك من يراه (جواز سفر) وهناك من يراه (كومة من تراب) وهناك من يراه (مجموعة من الناس) وهناك من يراه (نشيداً وطنياً وعلماً) وهناك من يراه (حكومة أو حزباً حاكماً) الوطن الذي أتحدث عنه في نصوصي هو منظومة متكاملة من العشق للأرض وتاريخها بمن عليها تلك الأرض التي تكونت خلاياي ولغتي ومشاعري منها ·
لن أغني (بلاد العرب أوطاني) فمن كتب هذه الكلمات شخص ساذج ويعاني شيزوفرينا لغوية/ فكرية ·· ما الذي كان سيضره لو قال: (بلاد العرب وطني)؟! أتعلمين شيئاً ·· أنا أجيبك الآن وصوت فيروز يصدح بجانبي (سألوني الناس عنك يا حبيبي) لماذا أنا مؤمن بأنها تغني في وطنها ؟! نعم أنا هكذا أسقطت الأغنية وهكذا عشقتها (غمضت عيوني خوفي لا الناس يشوفوك يا: وطني مخبى بعيوني) هذا الوطن يستحق أن يحتزم به رأسي !
*راقني ما تابعت لك من زهيريات، ولّدت لي سؤالاً حول تمكنك وأنت الشاعر الحداثي من حيث لغة وأفكار قصائدك، كيف لا يزال لديك هذا الميل نحو نمط تراثي، هل هو - واعذرنا - استعراض إمكانيات، أم إحياء للنمط ذاته؟
**ربما كان الخياران اللذان دسستهما في سؤالك الجميل صحيحين ·· شاعر نرجسي مخرّب مثلي لا يستغني أبداً عن لحظة استعراض !
لكن ماذا عن حالات الرعب التي تقتحم أحدنا إن أحس للحظة ما بفقدان الهوية ·· سيكون هناك تصرف مفاجئ ولا متوقع منه أليس كذلك ؟!
هذا النمط التراثي ليس ميتاً لأحييه بل نحن من نحتاج إليه لنتذكر أنفسنا ونطمئن إليها! التراث بشكل عام هو الإنسان الماضي بداخل كل منا ·· نحاول الاحتفاظ به دون التأثر مظهرياً بواقعه في حاضرنا ·· لماذا نحتفظ به إذن؟! الإجابة طبعاً لأنه الواقع الاحتياطي الذي يرحب بنا دائما عندما يتوقف الحاضر عن تقبلنا أو يرفضنا ويسارع بطردنا بشكل مجحف على كافة المستويات (السياسية / الاقتصادية / الاجتماعية / الفكرية) كما يفعل الآن !
*رئيس تحرير مجلة شعبية تعني الكثير من المسؤوليات والتطلعات، كيف تفسر لنا هذا الحلم- الابنة؟
**(شعبية) مجرد صرخة في وجه الإعلام التقليدي الذي أحبطنا بما يكفي ·· اخترت لها هذا الاسم الذي يراه أصدقائي (الحداثيون) تقليدياً ·· لتكون حداثة إعلامية شعبية خارجة عن كل الأطر التي أطرت الإعلام لدينا !
هي تشبهني كثيرا في صخبها وثورتها وتمردها وعدم منهجيتها وأظن أن هذا سر نجاحها وتميزها ·· الناس ملّوا من الرتابة لأن الفوضى طبيعتهم الأولى وهو ما أصر على ارتكابه في (شعبية) ·· وأتمنى أن أجمع كل فوضويي العالم فيها !أسستها عندما كنت رئيساً لتحرير مجلة (بروز) التي لم أستطع أن أصبغها بالجنون الذي يسكنني رغم كل محاولاتي المستميتة في سبيل ذلك ·· الآن أنا سعيد بهذا سعيد بأنني لم أستطع تحقيق ما أردت في تلك المطبوعة، فلو حققته لما خلقت هذه المجنونة المسماة (شعبية) !
*الوقوف على رأيك في شأن عام، يعني الوقوف على رأي مثقف وخبير ومعني بالهم الثقافي، كيف تنظر إلى واقع الحركة الشعرية في السعودية والخليج، وبالتالي الحركة الإعلامية المصاحبة لها؟
**للأسف (محزنة) بشكل كبير ·· هناك انتكاسة شعرية هائلة في الخليج وحالة انتحار جماعي لأصحاب الذائقة الإبداعية ·· وثورة هوجاء من إعلام تقليدي بائس يكرس التخلف الشعري بشكل هستيري ·· كل هذا جاء بعد مرحلة شعرية متقدمة جداً في التسعينات لم تحظ بحركة إعلامية مناسبة في وقتها ·· لكنني متفائل بالقادم وأعلم أن هذه المرحلة البائسة مجرد مرحلة انتقالية لما يحمله الغد من توهج للحركة الإبداعية في الخليج !
*أعوام وأحلام ومشاريع عدة مفعمة بالعطاءات والإبداعات مررت بها، كيف ونحن في نهاية عام 2005 تقيّم المرحلة السابقة بكل المحطات التي مررت بها؟
**كانت مرحلة الخيبات الكبرى على صعيد حياتي بشكل عام ·· صحيح أنني حققت الكثير مما حلمت به وصحيح أني استطعت أن أنجز الكثير من الإنجازات العظيمة وفق رؤيتي الشخصية الماضوية لكنني محبط بدرجة كبيرة!
كل يوم أحقق فيه حلماً ما أكتشف أنه كان يجدر بي أن لا أحلم بحلم قابل للتحقق بهذه السرعة! كل ما أتمناه الآن أن أبدأ حياة جديدة ·· جديدة كلياً ·· أن أقذف بـ (هاني الظاهري) في البحر وأولد باسم جديد في عالم جديد أيضاً!

اقرأ أيضا