الاتحاد

عربي ودولي

الإسكندرية تفتح ملف التكنولوجيا الحيوية ومخاطرها على العالم الثالث


الإسكندرية ـ آمال حسين:
أدى الانفجار التكنولوجي في كافة ميادين الحياة خلال نصف القرن الأخير إلى تلويث البيئة وإنضاب الأراضي الزراعية، على نحو صار يهدد البقاء البشري، وينذر بالاعتماد الغذائي الكامل على مسوخ نباتية وحيوانية تختلف كلياً عن الأصول التي نشأت عنها، ولم يعد ممكناً وقف التدخل البيولوجي الرامي إلى تحسين المحاصيل والأشجار والحيوانات والأسماك، بعد أن قام العلماء بتربية وتهجين واصطفاء مئات من السلالات والأصناف الإيكولوجية أكثر إنتاجاً وقابلية للتكيّف ومقاومة الأمراض المحتملة من جراء تلك الثورة العلمية المستحدثة·· لكن لأي مدى يحتاج العالم الثالث إلى ذلك النوع من العبث العلمي بالكائنات الحية؟ وإلى أي درجة سيصل الغرور بالعلماء في مجال التكنولوجيا الحيوية؟ الإسكندرية وباريس يستعدان لمناقشة تلك القضية الجوهرية في أضخم مؤتمر علمي يشهده الشرق الأوسط مع مطلع العام المقبل···
لماذا الإسكندرية؟ برغم أنها ليست مدينة زراعية، وليست من أنشطتها الرئيسية تربية الدواجن، ولا تحتاج إلى تعويض النقص في الألبان أو البروتين الحيواني، باعتبار أنها لا تقع في الحزام الاستوائي، الجواب جاء في المؤتمر الذي افتتحت به مكتبة الإسكندرية جهودها في مجال التكنولوجيا الحيوية، خلال الفترة بين 3 و6 أبريل من العام الماضي ،2004 بحضور إم إس سوامينثان رئيس أبحاث التنمية البيئية بمنظمة اليونسكو ورئيس مؤسسة سوامينثان للأبحاث بالهند، الذي أشار إلى الأمن الغذائي باعتباره الوسيلة الاجتماعية والاقتصادية الملائمة للوصول إلى التوازن البيئي في جميع أنحاء العالم، وهو ما أكده مالكولم إليوت مدير معهد نورمان بورلوج لأبحاث علوم النبات بالمملكة المتحدة عندما دعا إلى الاستثمار في الزراعة وعدم اعتبارها مهنة للضعفاء أو الفقراء، الأمر الذي يحتاج إلى دعم من حكومات الدول لأن التكنولوجيا بمفردها لا تستطيع الاستمرار في تحسين الإنتاج الزراعي··
وقد اعتبرت الإسكندرية نفسها مسؤولة عن وضع تلك الطموحات على طاولة البحث، وتحويلها إلى منهجية عملية قابلية للتنفيذ، عبر حلقات البحث التي استضافتها المكتبة في العام الماضي، وها هي تحضر لفصلها الثاني في العام المقبل، انطلاقاً من أهدافها التنموية، وامتداداً لجهودها الإصلاحية في مجالات عدة، وذلك بالمشاركة مع المنتدى العالمي لعلوم الحياة بفرنسا (بيو فيجين) والذي سيحمل شعار (رؤى من الإسكندرية 2006)، وعنوان (علوم الحياة الجديدة: تغيير نمط الحياة)، والهدف الرئيسي للمؤتمر في دورته الثانية سيكون هو التركيز على احتياجات وإمكانات دول العالم النامي في هذا المجال ·
وكان من أبرز العلماء الذين أسهموا بأبحاثهم في مؤتمر العام الماضي بالإسكندرية الدكتور فاروق الباز، الذي شدد على أهمية الاستفادة من علوم وتقنيات علم الفلك ـ وخاصة التصوير الجوي من الأقمار والمحطات الفضائية ـ لمتابعة التغيرات المناخية والبيئية، وما يتبعها من تغيرات في التنوع الحيوي في مناطق متعددة من العالم، ويري الباز أن الاكتشافات في هذا المجال سوف تمكن من عمل دراسات أدق وأشمل للتنوع الحيوي وتحديد أهميته في المحافظة على الأنواع المختلفة من الكائنات الحية بما تتضمنه من مخزون وراثي لا يمكن تحمل نتائج فقده نتيجة لانقراض بعض أنواعه، أما العالم السويسري الشهير الدكتور كلاوس أمان ـ الذي حضر المؤتمر كذلك ـ فقد ركز على تأثير الزراعة على التنوع الحيوي ملقياً الضوء على أهمية عدم إحداث خلل في التوازنات الحيوية خاصة في الدول النامية، بإدخال أنواع غريبة ذات قدرة تنافسيه قوية على الأنواع المحلية·
وقد ترتب على التقدم التكنولوجي الحيوي الذي شهده العالم مؤخراً ـ طبقاً لما صرح به كلاوس ـ اكتشاف وتطوير محاصيل زراعية معدلة وراثياً ذات قدرة عالية على مقاومة الحشرات، أو تحمل مبيدات الحشائش واسعة المفعول، كما أكد أن التأثير الزراعي على التنوع الطبيعي قديم، ويحدث أساساً نتيجة تحويل المناطق الزراعية الجديدة إلى مناطق للإنتاج الزراعي الدوري، كما أن نقل المخصبات الزراعية وبقايا المبيدات إلى المجاري المائية يحدث اضمحلالاً في النظم المعيشية بسبب زيادة نمو وانقسام الطحالب وتسمم المياه·
زراعة··وأنابيب
وقد دخل العالم بفضل تلك التقنيات الحيوية المستحدثة في إطار ما سمي بالثورة التكنولوجية الثانية، والتي جرى من خلالها اكتشاف خريطة الجينات في مجال التكنولوجيا الحيوية، مما ساعد على إحداث ثورة كبرى في مجال الهندسة الوراثية، وأصبح من السهل الآن إكثار المواد النباتية في أنابيب زجاجية لحمايتها من الأمراض، وإنتاج كواشف حساسة لتشخيص أمراض النباتات، والحيوانات، والأسماك عبر زراعة الأنسجة والخلايا، كما اشتملت التكنولوجيا الحيوية على طائفة واسعة من الأدوات لإدخال أو حذف مورِّثات معينة بغرض إنتاج نباتات، وحيوانات، وكائنات دقيقة ذات تركيبات ما كان لها أن تتشكل لولا التدخل البشري··
وفي الوقت الذي يشجع فيه بيان منظمة الأغذية والزراعة حول التكنولوجيا الحيوية من أن الهندسة الوراثية تتمتع بالقدرة على زيادة الإنتاج والقدرة الإنتاجية في قطاعات الزراعة والغابات ومصايد الأسماك، وأنها يمكن أن تزيد الغلات في البلدان العاجزة عن إنتاج ما يكفي من غذاء لإطعام شعوبها، لكنه يحذر من المخاطر المحتملة التي تخلقها بعض جوانب التكنولوجيا البيولوجية، وهذه المخاطر تندرج في فئتين رئيسيتين هما: الآثار على صحة الإنسان والحيوان، والعواقب البيئية·· وهما بالتحديد ما تستهدفهما كل من الإسكندرية وباريس في المؤتمر المقبل·· والواقع أن تصاعد وتيرة الأبحاث الجريئة في مجال التكنولوجيا الحيوية يقلق الناشطين في حقول العمل المدني بقدر ما يؤهل العلماء لمزيد من الهيمنة على تكاثر أدق الكائنات الحية، ومزيد من التقنيات للحد من الأمراض، وقد أثار مؤخراً بحث طريف أجراه علماء في جامعة أيوا ووزارة الزراعة الأمريكيتين دهشة في المحيط العلمي الدولي، وقال رئيس الجامعة ان ذلك البحث سيطور أنواعاً جديدة من الذرة تحتوي على زيوت مختلفة بينها من 60 إلى 70% زيت أوليك آسيد، الذي يصنف على أنه من الدهون الأحادية غير المشبعة، التي تساعد على تقليل الكوليسترول الضار·
القرصنة الحيوية!
الشاغل الثاني بالنسبة للبلدان النامية هو أن اتفاقية حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة تفتح المجال أمام خصخصة البيئة!! فلو عدلت شركة متعددة الجنسيات المواد الجينية لصنف بذور طوره الإنسان على مدار أجيال متلاحقة وعبر قرون من الزمن، تستطيع هذه الشركة الحصول على براءة ابتكار للكائن الناتج، وكأنه ملكية خاصة، وقد أطلق على ذلك (القرصنة الحيوية)، وهناك العديد من الحالات المثيرة للجدل المعروفة متعلقة بتسجيل هذه الشركات براءات لاشتقاقات من شجرة النيم في الهند وأصناف أرز تايلاندية وهندية·
ويأتي انعقاد مؤتمر الإسكندرية حول مخاطر التكنولوجيا الحيوية على العالم الثالث في الوقت الذي يتزايد فيه الجدل في الأوساط العلمية الدولية وهيئات المجتمع المدني حول الكائنات والمواد المحورة التي تنتجها تقنيات شركات التكنولوجيا الحيوية، والتي تدعي بأنها مفيدة وجوهرية لإطعام دول العالم الثالث وتخفيف القلق بشأن الأمن الغذائي وحماية البيئة، وتحسين جودة الغذاء وتوفير محاصيل مقاومة للجفاف والمبيدات العشبية، فيما تتزايد المخاوف بشأن آثارها على صحة الانسان والبيئة والزراعة·

اقرأ أيضا

سوريا تتصدى لـ "أهداف معادية" في دمشق