الاتحاد

عربي ودولي

أحمد الحبوبي الوزير والمعارض العراقي السابق لـ الاتحاد : تصرفات صدام أبعدت الشعب العراقي عن الدائرة العربية


حوار- محمد أبو الفضل :
خلقت مجموعة من الأحداث السياسية فى العراق حالة من الشك تجاه انتمائه العربي ، استغلها البعض في خلط أوراق وتحقيق أهداف ، وحاول البعض الآخر تبديدها مؤكدا على صعوبة الانفصام ، مهما حصل من تقاطعات سلبية وتجاذبات إقليمية ، وبعد دخول الجامعة العربية على خط الأزمة مؤخرا تزايدت التكهنات المتشائمة بدلا من الاجتهادات المتفائلة ، ومالت فئة ثالثة الى ما أسماه الأديب الفلسطيني إميل حبيبي بـ' المتشائل '، فأصبحنا أمام خيوط متشابكة ومشاهد متوازية ، وكل طرف يسعى للاستئثار بالصورة التي يريد للعراق الظهور عليها ، فلم تتلاش الآلام القومية ولم تلتئم الجروح الوطنية ، وأصبحنا نراقب التصورات المذهبية التي تتقدم والتصرفات الطائفية التي تتوسع ، ولتفسير بعض الظواهر السياسية ومعرفة مكوناتها والوقوف على تطوراتها المتوقعة التقت 'الاتحاد' بالوزير الأسبق والمعارض العراقي في معظم العهود السياسية أحمـد الحبوبي وطرحت عليه جملة من الأسئلة الخاصة بالمسألة العراقية من بعض وجوهها الداخلية والخارجية ··
وهنا نص الحوار:
؟ لعب شيعة العراق دورا مهما في التاريخ العربي ، لكن في الآونة الآخيرة بدأت تتصاعد حدة الانتقادات الموجهة من قبل فئات عريضة لفكرة القومية العربية وتزايدت التقاطعات التي ساهمت في تغذيتها دوائر مختلفة ، فما هي الأسباب الحقيقية لهذا الانفصام ؟·
؟؟ ابتعاد العروبة لم يكن قاصرا على الشيعة فقط ، بل لحق بغالبية فئات الشعب العراقي ، وهذه الخطيئة ارتكبها النظام السابق الذي رفع شعارات القومية العربية بشكل ملتهب وأعطى صورة مشوهة لها بسبب اعتدائه على الكويت أو حتى ملاحقته لبعض القوى القومية ، فكان بما طرحه من فكر قومي عبر حزب البعث، مثلا غير جذاب للمواطنين ، وأتذكر أننا كقوميين عروبيين في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كنا نخرج بمئات الألوف وراء أي مظاهرة تحمل معاني قومية ، أما الآن فقد تخلف هذا التيار في أوساط العراقيين ، جّراء الأخطاء التي ارتكبها صدام حسين ، لذلك لا يمكن القول إن الشيعة وحدهم مبتعدون،فغالبية الشعب العراقي كذلك ، خاصة أن عددا كبيرا منهم ( الشيعة ) كان في مقدمة التيار العروبي ، وإذا عادت الأمور إلى طبيعتها في العراق سوف نجد هذا التيار يأخذ مكانه في معظم أوساط الشعب العراقي ، لأن العروبة لن تموت وتبقى القومية العربية هي العنصر الرابط بين المشرق والمغرب والمحيط بالخليج ، مع الأخذ في الحسبان أن الأنظمة لن تكون حامية لهذا التيار ، فالشعوب هي التي تقوم بهذه المسؤولية ·
؟ دخلت الجامعة العربية على خط الأزمة العراقية متأخرة ، فهل تعتقد أنها قادرة على التحريك الايجـــــــابي للموقف المعقد حاليا ؟·
؟؟ الدور الذي تقوم به الجامعة العربية في الأزمة العراقية جاء متأخرا ومدفوعا بعوامل متعددة ، في مقدمتها القلق من مخاطر الأدوار الخارجية التي تقوم بهـا بعض دول الجوار ، وأبرزها إيران ، وقد اتصل بي الأمين العام عمرو موسى قبيل زيارته للعراق وحدثت مناقشة سريعة حول بعض القضايا العراقية ، وأعربت له عن أمنياتي بنجاح مبادرته ، وأكدت له أن الوقت الحالي صعب ، الأمر الذي يضاعف من حساسية مهمته وتكليلها بنجاح كبير ، وأرجو ألا أكون متشائما إذا قلت إن هناك مجموعة من المعوقات ستقف أمام نجاح نتائج مؤتمر الوفاق الوطني الذي أشرفت عليه الجامعة العربية ·
متشائل بالمستقبل !
؟ ما هـي أسباب عدم التفـاؤل ؟·
؟؟ الحالة التي نعيشها الآن أصبحت مليئة بالاصطفافات الطائفية والعرقية والخطيرة ، وهي ليست وليدة الاحتلال ، بل كانت مخبأة منذ زمن صدام حسين الذي استطاع أن يهيمن على كل الأطياف ، وعندما سقط بدأت في الظهور التدريجي وازدادت حدة في ظل وجود أطراف تعمل على تغـذيتها ، حتى أضحى العراقي لا يفتش عن الهوية التي تجمعه مع أخيه المواطن الآخر ، لكنه معني بالتفتيش عن جذوره وإلى أي طائفة أو قومية ينتمي إليها وهكذا ·· مما قلل من روابط المواطنة العراقية ، وترسخت هذه الصفات بصورها المختـــــــلفة ، شيعة وسنة وأكراد وتركمان وآشوريين وغيرهم ··
وقد تكرست هذه الصفات بعد الاحتلال ، وحتى القوائم التي طرحت للدخول في الانتخابات البرلمانية تصب فى هذا الاتجاه، وإن جرى تزيينها بأسماء أو مسميات وطنية أو ديمقراطية وخلافه··، وهناك تشكيلات صغيرة وغير مؤثرة حاولت الابتعاد عن الطائفية ، وعلى ضوء هذه المعطيات أنا في وضع ' المتشائل' كما قال إميل حبيبي ، لأن الظرف الحالي والوقت الضيق يقفان حائلا دون الوصول الى نتائج مرضية بشأن مستقبل العراق ، فالانشغال بالانتخابات سيقف عائقا أمام رؤية نتائج إيجابية محدودة ، كما أن استمرار الحرب التي تكاد تكون طائفية والقتل على الهوية والإرهاب الذي يقوده الزرقاوي من العوامل التي تعوق التقدم حاليا على المستوى السياسي ، علاوة على أن هناك قوى داخلية وأخرى خارجية ترتاح للفلتان ولا تريد الاستقرار للعراق ، فهل يستطيع عمرو موسى وقف هذا التيار الارهابي ؟ ، في تقديري أن هذه مسألة في غاية الصعوبة !·
؟ هل قمت بتوصيل هذه الهواجس للأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وعوامل تبديدها سياسيا ؟·
؟؟ تناقشت معه في تفاصيل كثيرة تليفونيا واتفقنا على اللقاء مباشرة ( لم يحدث حتى الآن )، وأؤكد أنني أتمنى لمبادرته النجاح وتجاوز عقباتها ومطباتها·
؟ كثير من النخب العراقية أصبحت لا تتفاءل بقدرة المقاومة على إخراج قوات الاحتلال ،وهناك مجموعة تنكرها أصلا ، وآخرون يؤكدون أنها بلا مستقبل ؟·
؟؟ المقاومة الوطنية موجودة ومشروعة ولا يستطيع أحد إنكارها ، طالما أنها موجهة ضد الاحتلال ، لكن هناك فرقا بينها والارهاب الذي يقتل مواطنين أبرياء في أماكن متباينة وهو ما يقلقني بقوة ، وأنا أؤيد الاتصال بالعناصر الوطنية في المقاومة ، فأهدافها تتفق مع أهداف كل عراقى وطني ، سواء حمل السلاح أو رفـع شعار العمل السياسي ، وكلاهمـا متفق على إنهاء الاحتلال ·
؟ كتبت في إحدى المرات مؤيـــــــدا لفكرة إرسال قوات عربية الى العراق في وقت لم تكن هناك بــــــــادرة عملية لهذا الاقتراح ، فهل لا تزال على موقفك والأفق أصبح أكثر قربا ؟·
؟؟ الآن أرفض ، فهذه القوات سوف توضع في مطب دقيق ، لأنه سينظـر إليها باعتبارها قوات غازية ، وتخدم مخططات الاحتلال ، فتتعرض لمشكلات ومتاعب كبيرة ، وتصبح هدفا لكثير من ضربات العناصر المنفلتة التي تكفر الناس بلا مبرر ، وهؤلاء لم يتقبلوا وجود سفير عربى ( مصري) في العراق واعتبروه يدعم الاحتلال ، وفعلوا ذلك مع دبلوماسيين جزائريين ومواطنين من عدة دول عربية ، ومن ثم يكون ذهاب قوات عربية خطرا وخطأ في الأجواء الراهنة ·
الصورة سوداء ··ولكن
؟ ذهبت كثير من التقديرات الإقليمية الى أن ايران تتدخل في الشأن العراقي ، فإلى أي مدى تؤيد أو تختلف مع هذه التقديرات ؟·
؟؟ بلا شك ، لايران مصالح تسعى للحفاظ عليها وهي تشعر أن قوات الاحتلال فى العراق تمثل تهديدا لأمنها القومي ، لذلك تعمل بشتى السبل للدفاع عن مصالحها ، وهذا لا يعني قبولى بأن تتدخل في شؤون العراق وتغذي وتدعم هذا الجانب أو ذاك ، ومن مصلحتها وجود عراق مستقر وآمن ومزدهر ، لكن لها حساباتها الخاصة التي ترسم بموجبها سياساتها في العراق ، وأعتقد أن ثمة تضخيما مفهوما لكل من دور ايران وسورية في العراق ، مع ملاحظة أن الفوضى التي تعم غالبية أنحاء العراق تشجع الآخرين على التدخل بصور مختلفة ·
؟ من المنتظر أن تفرز الانتخابات العراقية خريطة سياسية جديدة ، فهل تتوقع أن تتسع المطالبة بالفيدرالية لمناطق أخرى بعيدا عن كردستان ،لاسيما أن هناك مؤشرات لهذا الاتجاه فى الجنوب ؟·
؟؟ الجميع يعترف أن للأكراد خصوصية قومية وجغرافية وثقافية في إطار الوحدة العراقية ، أما فيدراليات أو كونفيدراليات في الجنوب والوسط فكل مواطن عراقي يرفضها ، لأن معناها تقسيم العراق وتفتيته ، وأنا أرفض وأدين هذه التوجهات في الجنوب والوسط تحت أي مسميات ، وإذا حصل استفتاء على ذلك في هاتين المنطقتين لن تؤيده الأغلبية ، فالشعب العراقي متداخل وعلى درجة عالية من التجانس والانسجام ، وأي فيدرالية سوف تقود الى تقسيم البلاد ، وإذا استمرت النغمة على هذه الصورة لا يسعني سوى الخوف على مستقبل العراق ، وأنا أدعو الى إقامة مركزيات وإعطاء وتوفير حريات واستقلال إداري ·· حتى نتحاشى الدخول في دوامة الفيدراليات ، وأنا كرجل قانون في المقام الأول لدي بعض التحفظات على الدستور العراقي الذى تم اقراره مؤخرا ، حيث ينطوي على عبارات وفقرات وعناوين جيدة ،لكن مع الأسف كتب بشكل طائفي لتحقيق رغبات وطموحات البعض ، وبعد الانتهاء من الانتخابات تماما سيعاد النظر في كثير من الفقرات ، من خلال تشكيل لجنة من أعضاء البرلمان الجديد ، ثم تطرح المسودة على الشعب العراقي للاستفتاء على قبول الصيغة الجديدة ·
؟ بعض الدوائر تطالب بمحاكمة دولية لصدام حسين ، وأخرى مع استمرار محاكــــــــــمته عراقيا ، أين تقف كرجل قانون من الفريقين ؟·
؟؟ الواجب استمرار محاكمة صدام حسين في العراق وبمعرفة العراقيين ، فقد ارتكب جرائم انسانية في حق الشعب ، أما الأسلوب فأنا لا أوافق على الخطوات الشكلية التي تتم فيها المحاكمة ، وأطالب بأن تعطى له كل حقوقه القانونية وأتمنى إخراج الاجراءات بصورة أفضل ·
؟ كيف ترى مستقبل العراق ، في ظل هذه التعقيدات المفتوحة على احتمالات غامضة؟·
؟؟ برغم الصورة السوداء لعراق اليوم ، إلا أن الأمل يحدوني والاطمئنان يملأني بأنها سوف تنجلي عن صبح مشرق لعراق الغد ، والحالة التي تمر بها بلادي الآن ليست جديدة على البشرية ، حيث مرت على دول كثيرة مثل هذه المآسي واستطاعت تجاوزها إلى بر الأمان ، وما أرجوه وأتمناه لبلدي ، وطنا وشعبا ، أن يتخطى الانقسامات الطائفية العميقة وتحل مكانها المواطنة العراقية الجامعة لكل الأطياف والألوان دون تمييز أو تفريق ، سواء في القومية أو المذهبية أو العرقية أو الطائفية ، ويسترد العراق عافيته وكرامته وحريته وسيادته ويكون رديفا لأمته العربية وعالمه الاسلامي ، وأتمنى أن يحدث ذلك قريبا ·

اقرأ أيضا

جونسون يبقي على جميع الخيارات بشأن مستقبله السياسي بعد الانتخابات