الاتحاد

حب الوطـن

دائماً هناك شعور وإحساس داخلي يخالج النفس ويحدث الإنسان عما يجيش ما بداخل وجدانه العاطفي من حب وعشق، يناديه من قرارة نفسه، من داخل أعماقه، من صميم قلبه، يحثه بكل صدق ومحبة لأن يعشق هذا الفضاء الذي يرنو إليه في كل يوم، يناديه لحب هذا التراب الطاهر الذي يمشي عليه خيلاء وتيهاً وإكباراً، يناديه لحب هذا المتنفس من الهواء العليل الذي يستنشق عبير نسماته بأنفاسه في كل ثانية ودقيقة، يناديه من الماضي البعيد من أعماق التاريخ الخالد المجيد، يناديه بأنني أنا الصدر الدافئ وأنا القلب الحنون بأنني لولاي لما كانت لك هوية أو انتماء أو مكان أو تاريخ تذكر به بين كل الشعوب والأمم، يناديه بأن يبقى على العهد والوعد رجلاً قوياً صلداً مهما تكالبت عليه المحن والأزمات، ذلك هو الصوت القادم من أعماق القلب من أحشاء الانسان، إنه حب الوطن، فلا غلو إذاً في القول أن حب الوطن في نفوس أبنائه هو من أقدس وأعظم الطاعات التي يقدمها الفرد تجاه وطنه الذي ينتمي إليه فحب الوطن هو معنى مقدس عند الشعوب والأمم منذ قديم الأزل، فعندما يمتلئ جوف الانسان لوطنه حباً وعشقاً وهياماً به فهذا بحد ذاته يعد من أسمى وأعظم فروض الولاء والطاعات التي يقدمها الإنسان لوطنه وهذا الحب والولاء لا يكون بالقول وباللسان فقط إن لم تترجم هذه المعاني والسمات النبيلة إلى طقوس يومية تمارس في كل حين ولحظة·
فللوطن من الحب والولاء الشيء العظيم ولعل أولى درجات هذا الولاء هو الدفاع عن ترابه المقدس بكل السبل والوسائل سواء بالكلمة الحرة الصادقة أو بالنفس والنفيس لأن الوطن هو أغلى ما يملكه الانسان في كل حياته وبين جنبيه فالتضحية من أجل الوطن هي أمر حتمي وواجبة والشهادة من أجل أن يبقى ترابه عزيزاً مصانا هي الشهادة التي يرتجيها كل إنسان وطني عاشق لوطنه، هائماً في حب ترابه العزيز، فحبه والتضحية من أجله يفوقا كل حب وولاء آخر مهما علا شأنه، وأقبح وأنذل وأذم صفة في الانسان حينما يغدر ويخون وطنه فإن هذا الفعل هو من أبشع الأفعال وأبغض الصفات التي يمكن أن تلحق بالفرد في حالة قيامه بذلك فهذا التصرف يعد من الأمور الخطيرة في شأن الوطن، فخيانة الوطن هي من أكبر الذنوب بل ومن الكبائر التي يعاقب عليها الانسان إذ بخيانته لوطنه إنما يخون أهله وشعبه وترابه وحب الوطن هو السعي الدؤوب لرفع علمه وشأنه بين الأمم الاخرى وفي شتى المحافل الدولية وتمثيله التمثيل المناسب والظهور بالمظهر المشرف أمام الآخرين لأن ذلك يعد من احترام الإنسان لشخصه وبالتالي لوطنه الذي ينتمي إليه فهذا من المبادئ الوطنية السامية وترسيخ مفهوم هذا الحب الخالد في نفوس الابناء وغرس هذا السلوك الجميل في ذاكرة هذا الإنسان الصغير هو أسمى ما يقوم به هذا المحب لوطنه فحتى إذا ما شب هذا الصبي واشتد عود صلبه عنفواناً ورجولة تكون لديه الجرعة الكافية واللازمة والدافع الكبير والقوة الداخلية الكامنة المحفزة له لحب وطنه فذلك أمر واجب ومحتم على كل إنسان غيور على وطنه أن يزرعه في نفوس أبنائه منذ نعومة أظفارهم حتى يكبر معهم هذا الولاء والإخلاص للوطن كلما كبر هذا الإنسان وترعرع بين أحضان تراب وطنه·
والمحافظة على المنجزات المكتسبة في الوطن هي أيضاً صورة أخرى من صور حب الوطن والإخلاص له فهذه الانجازات التي يقدمها هذا الوطن الغالي لأبنائه إنما هي منجزات وطنية مجيدة وخالدة يصبح من الضروري على الانسان أن يحافظ عليها من كل ما من شأنه أن يشوهها·
إن الإنسان الفاقد لوطنه ولترابه الطاهر المقدس هو في كل الأحوال خاسر لكل شيء قد يملكه فلا عوض عن الوطن وترابه حتى لو كان الإنسان يملك كنوز الدنيا برمتها فإن ذلك كله لا يساوي ذرة واحدة من ذرات تراب الوطن الغالي، فهذا الوطن الذي احتضن أبناءه منذ نعومة أظفارهم وتقلب بين أحضانه آباؤهم وأجدادهم لهو جدير بأن يكون له كل الحب والولاء الصادق في النفوس الوطنية المخلصة·
فالآباء والأجداد ورغم قسوة الحياة وشغف العيش في ذلك الزمان القديم الا أنهم قد تمسكوا بوطنهم وبترابه العزيز، وأبوا الا أن يسطر لهم التاريخ أمجاداً خالدة راسخة ويكون شاهداً عليها وهي محفورة بين صفحاته بمداد من نور ومن ذهب·
فجدير أن يصان الوطن ويحتضن بين الخافقين ويكون موضعه في سويداء القلب، لأنه الرمز الخالد والأبدي لكل إنسان وطني محب لوطنه فهو الكنز المليء الذي لا ينضب أبداً، والصدر الحنون الذي نشتاق إليه ويشتاق إلينا في كل ساعة وفي الشدة والأزمات نشتاق لحنانه ودفئه كلما ألمت بنا الدنيا وضاقت علينا الأرض بما رحبت، الوطن هذه الأنشودة الغالية ستبقى أبداً لحناً وطنياً خالداً نعزف على قيثارته لحناً وصوتاً شجياً نصدح بلحنه العذب وتحت رايته الخفاقة في كل حين وزمان ومكان·
حمدان محمد
كلباء

اقرأ أيضا