الاتحاد

دنيا

جواد الأسدي: المبدع العربي لقيط والمجتمع تحالف على التفاهة


القاهرة - أسامة عبد اللطيف:
مبدع عراقي متجول عاش سنوات من عمره بعيدا عن وطنه لكن ذلك لم يمنعه من الإبداع المسرحي الذي يعشقه، حمل على عاتقه هموم المسرح وظل يسعى إلى تكريس كل ما هو جميل وحقيقي على خشبته، مؤخراً زار القاهرة فكانت فرصة اغتنمناها لمحاورته عن همومه التي هي هموم المسرح وأحلامه الجديدة والمشروعات المسرحية التي تنتظره وحكاية 'حمام بغدادي' ولقائه بالشاعر العراقي مظفر النواب وحلمه الذي لم يتحقق مع سعد الدين وهبه، وأشياء أخرى باح بها في هذا الحوار:
؟ ألا تفكر في تقديم عمل مسرحي كبير على المسرح القومي المصري؟
؟؟ هناك تغيرات كثيرة تحدث في هذا المسرح ولدي رغبة في أن اقدم عملا كبيرا بعد أن غبت عن القاهرة أكثر من ست سنوات، وفي تقديري أن هذا العمل قد يكون دراميا وموسيقيا وأفضل ان يكون النص للكاتب الراحل سعد الدين وهبه الذي اعتبره احد كبار الشخصيات الوطنية في مصر، وكان نموذجا للفنان والمثقف وإعادة تقديم أحد نصوصه نوع من التكريم له رغم أنني مسكون بصلاح عبد الصبور، وحاليا أبحث عن النص الذي أتحمس له، ومشروعاتي في القاهرة لن تكون قريبة فلدي ارتباطات حتى العام القادم·
؟ ما الذي يشغلك؟
؟؟ أجهز لعمل مسرحي في دمشق اسمه 'حمام بغدادي' وهو نص يقوم على تعرية الإنسان العراقي في فترة الاحتلال، والعمل يسلط الضوء على ثلاثين عاما من الحروب والعذاب عاشها الإنسان العراقي كما يتناول هذا الإنسان بعد الاحتلال ومعي ممثلان فقط هما فايز قزق وغسان مسعود·
حمام بغدادي
؟ ألا ترى أن العراق أنسب مكان لتقديم هذا العرض؟
؟؟ سبق أن قدمت عرض 'نساء في حرب' في العراق العام الماضي مع أهم ثلاث ممثلات عراقيات هن: شذا سالم وسها سالم وآسيا كمال، وبعد عرضه في العراق تجولنا به في بولندا والجزائر وربما نأتي به إلى مصر· ظروف بغداد لا تسمح لي بالعودة مرة أخرى وهي ظروف في غاية السوء وقد أصبحت الثقافة هامشية في مقابل السياسة، كما أن العراقيين أنفسهم يعيشون وضعا انتقاليا، ولا شك في أن العمل المسرحي محاط بمخاطر كبيرة في العراق ولدي أمل ان تعود الحياة لطبيعتها قريبا·
؟ ماذا تحمل أجندتك بعد 'حمام بغدادي'؟
؟؟ أجهز عملا بالعامية العراقية مأخوذا من مظفر النواب، والعمل سيكون غنائيا راقصا وأتصور انه يمكن أن يتجول في عدة دول·
وثنية الكتابة
؟ أراك تحرص على أن تخرج ما تكتبه للمسرح؟
؟؟ عندما يخرج الفنان ما كتبه بنفسه يكون أكثر حرية وأنت تعرف تزمت الكاتب ووثنية الكتابة أو الجانب التقديسي في الكتابة، فكثير من الكتاب يتصورون أن عملهم مقدس لا يمكن المساس به وتعاملي كمخرج مع نص من تأليفي يعطيني حرية مثالية للعمل بلا حساسية·
؟ هل اتجهت لكتابة المسرح بسبب أزمة النصوص؟
؟؟ في بعض الأحيان كان هذا سبباً وراء اتجاهي للكتابة، وفي مرحلة من العمر يكون لدى المخرج ولاء حقيقي لنصوص الآخرين··· لكن وبعد أن يتشكل وعي المبدع يتحول لحالة انفصال عن النصوص ويفكر في تقديم ما يعتقد فيكتب، والكتابة المسرحية المهمة قليلة، لذلك يجد المبدع نفسه أمام خيارين: إما أن يكتب ما لديه ليخرجه أو يلجأ للكبار مثل تشيكوف وجان جينيه وغيرهما·
نحن والآخر
؟ ألا نحتاج لتعريف الآخر بمسرحنا العربي؟
؟؟ هذا أمر مهم ولكن لدينا مشكلة أن المبدع الأوروبي عندما يقدم نفسه للآخر الذي هو نحن العرب يجد حماية ومساندة من مؤسساته الإبداعية والثقافية، والمؤسسة العربية بشكل عام غير مهتمة بهذا الجانب ولا تشغل نفسها بالإبداع والمبدعين وهذا هو الفارق الحضاري الكبير· نحن نتعامل مع الإبداع باعتبـــــاره شيئا هامشيا كمـا أن المؤسسة لا تحمي الفنان ولا تساعده، ولي تجربـــــة في هذا السياق، فقد قدمت عــــــرض 'نساء في حرب' في أوكرانيا بجهدي الخاص والمبدع العربي كثيرا ما يشعر بأنه لا يتمتع بأي حماية وليس له أب أو عائلة··· إنه لقيط·
؟ هذه الحالة التي يعيشها المبدع العربي خارج بلاده ربما تحفزه على التحدي للحصول على الفرصة التي يستحقها؟
؟؟ هذا صحيح إلى حد ما ولكن لابد أن نتنبه إلى ضرورة التمويل لأي عمل إبداعي وإذا غاب التمويل فقد المبدع أساسيات مهمة لعمله·
رقص أم دراما؟
؟ ما رأيك في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي؟
؟؟ يحتاج لإعادة تقييم وان يجد طريقة لإحضار عروض مسرحية من نوع آخر غير الذي يتم تقديمه لأنني شاهدت عروضا كثيرة تبدو ساذجة ومدرسية وتندهش لماذا يتم استدعاؤها للقاهرة هل لأسباب مادية بسبب ضعف ميزانية المهرجان مثلا أم لأسباب جمالية وثقافية؟ وهنا ستكون أزمة كبيرة أن يكون هذا هو تقييم المسؤولين عن المهرجان وهذه هي رؤيتهم للعروض التي يجب أن تشارك فيه حتى العروض العربية تأتي هزيلة·
وهناك ملاحظة أخرى يجب أن يتنبه لها القائمون على المهرجان حيث يزحف الرقص على الدراما والمسرح فهل هو مهرجان دراما ومسرح أم انه مهرجان رقص؟ هناك عروض تقتصر على نصف ساعة أو ساعة كاملة من الرقص ويجب أن يتم تحديد هوية المهرجان وما إذا كان مهرجان رقص أو دراما ولكن من الواضح انه لا توجد هوية للعروض المشاركة في المهرجان وهذا أمر مزعج فمن غير المقبول أن نقدم عرضا صوتيا فقط في المهرجان بدون دراما أو شخصيات ويجب إعادة النظر في الالتباس بين الرقص والموسيقى والدراما المسرحية·
؟ كلمة التجريب تحمل معنى واسعا يمكن أن يستوعب الأشكال التي تتحدث عنها؟
؟؟ لكنه مهرجان للمسرح التجريبي وليس المسرح الراقص التجريبي، وهناك حالة ضياع هوية للمهرجان كما أتصور أن لجنة المشاهدة التي تختار العروض تحتاج لضم عناصر عربية مبدعة·
المسرح في الإمارات
؟ لك تجربة مع المسرح الخليجي والإماراتي بشكل خاص كيف ترى هذه التجربة؟
؟؟ الأرض الثقافية في الخليج بشكل عام ليست مؤهلة لعمل تطور نوعي في المسرح، ولكن هناك مساحات تتطور بشكل مهم في الفترة الأخيرة خصوصا المسرح الإماراتي من خلال مهرجان الشارقة الذي أصبح يقدم عددا من الشباب المبدع والجاد وحتى نصل إلى منطقة جمالية عالية نحتاج إلى سنوات من العمل، وهناك علامات مهمة ليس في الإمارات فقط ولكن في البحرين وقطر وعمان أيضا وربما يواجه مسرح الكويت الذي كان له السبق بعض المشاكل حيث يكسب المجتمع الأصولي على حساب المجتمع المدني تماما كما يحدث في العراق الآن الذي كان منبرا للتنوير المسرحي والآن يتحول لمنبر للقتل والتصفية الجسدية ومصادرة الحرية والعودة للأصوليات السياسية والدينية والحقيقة أن المسرح الخليجي يتطور بشكل بطيء·
؟ إلى أي مدى ساهم المبدعون العرب الذين عاشوا في الخليج في الحالة المسرحية هناك؟
؟؟ مبدعو المسرح العرب الذين درسّوا بالمعاهد أو اخرجوا هناك كان لهم تأثير كبير مثل المنصف السويسي وصقر الرشود وزكي طليمات واحمد عبد الحليم وفؤاد الشطي وإبراهيم جلال، والمسرح يحتاج لوعي اجتماعي حيث يتحول إلى ضرورة جمالية وهذا التطور يحدث بالفعل في دول الخليج·
؟ كيف ترى المسرح المصري؟
؟؟ هناك شباب مسرحي واعد ومهم يحتاج لمساندة من المؤسسات الثقافية، وأتصور ان هذا الدعم غير موجود بشكل كبير واحذر من التعامل مع المسرح كأنه شباك تذاكر حيث ارصد محاولات للهبوط بالإنسان المصري من ألمه ونضاله اليومي وجماله الروحي إلى منطقة سفيهة من المعالجات· وهناك فارق كبير بين عالم كان يصنعه صلاح عبد الصبور وميخائيل رومان ومحمود دياب الذين كانوا ينظرون للألم المصري نظرة جمالية عالية تنعكس على ما يقدمونه من أعمال والآن يتم استهلاكه وتسفيه روحه لصالح نجوم السوبرستار·

اقرأ أيضا