صحيفة الاتحاد

دنيا

«الروح» ذات لطيفة كالهواء.. وسر الحياة

القاهرة (الاتحاد)

«الروح»، هي ما تكون به الحياة، من عند الله، مبدؤها ومنشؤها منه، فهو الخالق لها، والمتصرف فيها، يؤكد سبحانه في أكثر من آية أنها نفخ من روحه، وقد ذكر ذلك عند نفخ الروح في جسد آدم بعد إتمام خلقه. لا ترى بالعين البشرية، يحفظها الله داخل الجسد، فلا تفارقه إلا بأمره وفي الموعد المحدد.
قالت اليهود لمشركي قريش‏، اسألوا هذا الرجل -يعنون رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم، عن ثلاث مسائل‏، عن أصحاب أهل الكهف‏، وعن ذي القرنين‏، وعن الروح‏،‏ فإن أجابكم عنها فإنه نبي، فأنزل الله على رسوله الإجابة عن أصحاب الكهف، وذي القرنين‏،‏ وأما الروح‏،‏ فإنه قال‏:‏ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، «سورة الإسراء‏:‏ الآية 85‏»، وبيَّن أنها مما استأثر الله سبحانه وتعالى بأمره، وأنه هو الذي خلقها، يعلمها ولا يعلمها أحد من الخلق. والمراد بالروح ما يحيا به الإنسان وغيره من ذوات الأرواح، وإذا فارقه مفارقة تامة يكون ميتاً، وإذا فارقه بعض المفارقة يكون نائماً، فالروح لها اتصالات بالبدن، والإنسان في بطن أمه، وبعدما يولد في الدنيا وهو متيقظ، واتصال بالبدن وهو نائم، وهو في القبر، وفي الدار الآخرة، وهذا الاتصال الأخير لا مفارقة بعده‏.‏
فهذه الروح من الأمور التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، سرٌّ لم يطلع عليه عباده، فالبشر مهما أوتوا من العلم والمعارف فإن علمهم قليل، أو لا شيء بالنسبة لعلم الله تعالى، قال أهل العلم: الروح جسم لطيف، ولفظ «الروح» ورد في القرآن الكريم في ثلاثة وعشرين موضعاً، على معانٍ عدة، بمعنى الحياة التي يكون بها قِوام الكائنات، ومَلَك من الملائكة، والقرآن أو الوحي، وبمعنى جبريل، والنصر، والبرهان، والرحمة، والراحة من الدنيا، والقدرة الإلهية على الخلق.
قال ابن كثير، قوله تعالى: (... قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي...)، أي من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال: (... وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا)، ما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يطلعكم عليه.
وذكر الإمام السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس، أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء.
وقال ابن القيم في كتاب «الروح»، هدى الله أتباع رسوله فيها للحق المبين، والصواب المستبين، فأجمعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم على أنها محدَثة مخلوقة، مصنوعة مربوبة مدبرة، وقال الحافظ محمد بن نصر المروزي: لا خلاف بين المسلمين أن الأرواح التي في آدم، وبنيه، وعيسى، ومَن سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله، خلقها وأنشأها وكونها وأبدعها، ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف إليه سائر خلقه. وقال ابن عثيمين: بل روح آدم مَخلوقة خلقها الله، وأضافها إليه على سبيل التشريف، والروح ليست من صفات الله، بل من مخلوقاته تعالى وأضيفت إلى الله في بعض النصوص إضافة ملك وتشريف، فالله خالقها ومالكها يقبضها متى شاء، ويرسلها متى شاء.