الاتحاد

الاقتصادي

تغير خريطة سوق العمل يهدد اقتصاد «القارة العجوز»

 مهندس في إحدى  المنشآت النفطية  بألمانيا (أرشيفية)

مهندس في إحدى المنشآت النفطية بألمانيا (أرشيفية)

شهدت الأشهر القليلة الماضية بطئاً ملحوظاً في معدلات التوظيف بدول أوروبا، وهو ما يعكس انخفاضاً في معدلات الطلب على الصادرات.
فهل سيستمر هذا الاتجاه النزولي، أم أن الظاهرة عارضة وسرعان ما تزول؟.
فقد سجلت الأعوام الستة الماضية ارتفاعاً مطرداً في معدلات التوظيف بالاتحاد الأوروبي، بالتزامن مع التوسع الاقتصادي خلال تلك الفترة، فيما وصف بأحد النجاحات الكبرى للسياسات الاقتصادية التي ينتهجها الاتحاد. ولوحظ مؤخراً تقلص الطلب في سوق التوظيف لعزوف أرباب الأعمال عن التعيينات، نتيجة لانخفاض الطلب العالمي على صادراتهم.
وتهدد هذه الظاهرة بتبديد الانتعاش الاقتصادي الخجول في المنطقة الأوروبية، إذا ما خسر الاتحاد مساندة مستهلكيه المحليين، كما فقد عملاءه في الخارج. ويرى البنك المركزي الأوروبي أن الكسل الحادث في سوق العمل، قد يطيح بآماله الطموحة للحفاظ على معدل التضخم عند مستوى أقل من 2% بدول أوروبا.
أما بالنسبة لأعداد كبيرة من الشبان المتعطلين في جنوبي القارة، فإن الأمل في غدٍ أفضل قد يتحول إلى حلم بعيد المنال.
وتظهر بيانات وكالة الإحصاء التابعة للاتحاد الأوروبي فقدان حوالي 6.7 مليون وظيفة في منطقة العملة الموحدة، خلال الفترة من سبتمبر 2008 حتى الربع الثاني من عام 2013.
وكانت الأزمة المالية قد أخذت بعداً عالمياً بامتياز في 2008 بانهيار بنك ليمان برازرز، ثم استأنفت المنطقة الأوروبية نموها الاقتصادي بحلول منتصف 2013.
وبعد أقل من عام على هذا التاريخ، استعادت السوق حوالي 2.3 مليون وظيفة مما فقدته، بفضل خطة الانتعاش الاقتصادي التي طبقها البنك المركزي الأوروبي آنذاك. كما ولدت ثمانية ملايين وظيفة أخرى خلال الأعوام الخمسة التالية. وبحسبة بسيطة، يصبح إجمالي الفرص المستحدثة حوالي 3.6 مليون وظيفة منذ بداية الأزمة.
ووصفت هذه الأرقام بإنجاز حقيقي للمنطقة الاقتصادية الأوروبية، بعد أن عانت لعقود، من أجل توفير فرص عمل لمواطنيها.
وبمعنى آخر، فإن المنطقة الأوروبية نجحت في خفض معدل البطالة إلى 7.6% في مايو 2019 مقابل 12.1% في 2013.
وللأسف، فإن بيانات الأشهر الأخيرة تشير إلى أن هذا التراجع الجيد في معدل البطالة قد يشرف على الانتهاء.
وأقر مسؤولو المشتريات والتوريد في المؤسسات الصناعية الكبرى، بتقلص أعداد العاملين في مايو الماضي وتحسن الموقف بصورة طفيفة في يونيو. وأرجعوا هذا إلى ضعف طلبات الشراء لفترة طويلة مضت، وخصوصاً من خارج أوروبا.
وخلال فترة الربع الأول من العام، تحسنت الصورة نسبياً بارتفاع عدد العاملين بنسبة 1.3%، مقارنة بالفترة المناظرة من العام الماضي.
ولخص مسؤول في شركة مختصة بإحصاءات مديري التوريد بالشركات الصناعية الصورة بقوله: «إن الشركات تشد الأحزمة، وتخفض النفقات، وتحد من التعيينات الجديدة». وتوقع خبراء اقتصاديون في البنك المركزي الأوروبي مؤخراً تباطؤ معدل التوظيف المسجل هذا العام، نتيجة لما يصفونه «برد فعل متأخر على ضعف النشاط في بعض الدول».

خطر بطء النشاط في ألمانيا
وتعد ألمانيا إحدى هذه الدول، بعد أن عانت بشدة من ظاهرة انخفاض معدلات النشاط الصناعي عالمياً.
ويعكس هذا مركزها المرموق كمورد رئيس للأجهزة والمعدات إلى المصانع في أنحاء العالم، بما في ذلك الصين نفسها.
كما تسبب التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين الرئيسين في عدم اتضاح الرؤية بشأن الأماكن الأفضل للإنتاج، حيث يستطيع المنتجون تحاشي الرسوم الجمركية العقابية الجديدة.
وأكد البنك الدولي، في هذا الصدد، أن هذا الوضع يضعف استثمارات الأعمال حول العالم.
وفي ظل هذه الأوضاع، قررت الشركات الصناعية الألمانية الكبرى خفض التعيينات، ومنها شركة كوكا عملاق صناعة الروبوتات التي أعلنت عن إلغاء 350 وظيفة في مارس الماضي.
وبرغم استمرار وتيرة النشاط في قطاع الخدمات، فإن النزعة الانكماشية يمكن رصدها بسهولة في القطاع الصناعي، مما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة في ألمانيا في مايو الماضي للمرة الأولى منذ أكثر من خمسة أعوام.
ويمكن رصد الظاهرة ذاتها في هولندا أيضاً.
فخلال الأعوام الأخيرة، سجلت معدلات البطالة هناك تراجعاً شديداً، بفضل طفرة كبيرة في الصادرات، إلا أن التوقعات الصادرة في الأسبوع الماضي عن خبراء الحكومة الهولندية الاقتصاديين، تشير إلى ارتفاع منتظر في معدل البطالة بحلول عام 2020 نتيجة لانخفاض الصادرات.
كما تظهر إحصاءات أخرى، أشرفت المفوضية الأوروبية عليها، أن الشركات الصناعية الكبرى مالت إلى التعيين في أضيق الحدود الممكنة في مايو الماضي.
ووصفت المفوضية ذلك بأنه أدنى مستوى من نوعه منذ ثلاثة أعوام.

تغير خريطة سوق العمل
من جهة أخرى، فإن أوروبا باتت تواجه مشكلات أخرى تتخطى مسألة البطالة ومعدلات التوظيف.
فبرغم عودة معدل البطالة في المنطقة الأوروبية إلى مستويات ما قبل الأزمة المالية، فإن سوق العمل ذاتها تغيرت كثيراً عما كانت عليه من قبل.
فمن الملاحظ وجود تفاوت شديد في معدلات البطالة بين 19 دولة عضو في منطقة العملة الموحدة.
وتتفاقم الصورة في أوساط الشبان، على وجه الخصوص.
ففي عام 2008 على سبيل المثال، تصدرت إسبانيا معدلات البطالة في أوروبا بنسبة 9.5%، في حين وصل المعدل إلى 3.6% في هولندا، وكان الأدنى بين دول الاتحاد.
وبعد مرور 11 عاماً على هذا التاريخ، زاد الفارق بين المعدلين الأعلى والأدنى بمقدار مرتين ونصف المرة.
ومن الملاحظ أن الفجوة باتت أكثر اتساعاً بين العاملين الأصغر سناً، فبينما يصل معدل البطالة بين الشبان الألمان تحت سن 25 عاماً إلى 5.6%، فإن النسبة تقفز بين نظرائهم في إسبانيا وإيطاليا واليونان إلى حوالي 30%. ومكمن الخطورة هنا أنه إذا ما استقرت البطالة عند مستوياتها الراهنة، فإن شريحة كبيرة من الشبان في بلدان جنوبي أوروبا لن يبقوا متعطلين فحسب، بل سيفقدون أدنى فرصة في إيجاد عمل !

المخاطر الآنية والآجلة
أما عن الأثر العاجل لهذا كله، فإن التباطؤ الحادث في سوق العمل الأوروبية يهدد بتراجع معدل النمو الاقتصادي، في وقت تواجه أوروبا انحساراً في صادراتها الخارجية.
وذكرت وكالة الإحصاء بالاتحاد الأوروبي، مؤخراً، أن صادرات المنطقة الأوروبية انخفضت بنسبة 2.5% في شهر أبريل الماضي، مقارنة بشهر مارس. وأقر ماريو دراجي، رئيس مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، بدقة الوضع بقوله: «إن العام الماضي شهد بروزاً واضحاً للمخاطر التي يواجهها الاتحاد، ومنها: العوامل الجيوسياسية، وارتفاع النزعة الحمائية، وعوامل الضعف بالأسواق الناشئة. ولم تهدأ هذه المخاطر بعد، وإذا ما طال أمدها فستتضرر الصادرات بشدة، ومن ثم القطاع الصناعي في دول القارة».
وعلى صعيد آخر، فإنه برغم تحسن معدلي النمو، والإنفاق الاستهلاكي، في الربع الأول من العام، فإن معدل التضخم وصل إلى 1.2% فقط في مايو الماضي، أي أقل بكثير من الرقم المستهدف الذي حدده البنك المركزي الأوروبي، وهو 2% بأقصى تقدير.
وأعتقد بعض الخبراء أن انكماش سوق العمل سيدفع الشركات الصناعية إلى زيادة أسعار منتجاتها لمواجهة الارتفاع في الأجور، إلا أنه لم تظهر أدنى بادرة لحدوث ذلك حتى الآن.
وقد تكون نافذة الفرصة المتاحة قد أغلقت بالفعل، أو في طريقها إلى ذلك.

بقلم: بول هامون

اقرأ أيضا

صندوق النقد يدرس مخاطر المناخ على أسواق المال