الاتحاد

الاقتصادي

ألمانيا تحاول الحفاظ على لقب «قاطرة النمو»

ألمانيا تحاول الحفاظ على لقب «قاطرة النمو»

ألمانيا تحاول الحفاظ على لقب «قاطرة النمو»

يتميز الاقتصاد الألماني بقوته الجبارة لدرجة اعتاد فيها الخبراء وصفه بقاطرة النمو الأوروبية.
وفي الأشهر الأخيرة، كشفت الأرقام عن فتور في الأداء وهو ما تتحسب له دوائر صنع القرار في الاتحاد الأوروبي.
فهل الأمر مخيف إلى هذه الدرجة أم أن له مزاياه على الأمد البعيد؟.
فقد سجلت ألمانيا تراجعاً في معدل النمو الاقتصادي، وهو خبر غير سار بلا شك بالنسبة للتكتل الأوروبي على المدى القصير.
وإذا ما نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى، فسنجد فيه فائدة لا بأس بها على صعيد تضييق الفجوة بين شمال أوروبا الغني وجنوبها الفقير، ولكن على الأجل الطويل، ومن خلال سياسات معنية بتنشيط النمو في الأساس.
وكما هو معروف، فإن ألمانيا تستأثر بقرابة الثلث من مجمل النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو ككل، إلا أنها حققت أبطأ معدل نمو اقتصادي في أوروبا (باستثناء إيطاليا). ويعني هذا أن الاقتصاد الألماني يسير مع التيار النزولي السائد في بقية منطقة اليورو، بل والعالم.
وعلينا أن نضع في الحسبان هنا تداعيات استمرار أزمة انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريجزت) وبقاء الحرب التجارية قائمة بين الولايات المتحدة والصين.
ويرى محللون أن فتور قوة الدفع الألمانية قد ييسر الأمر على ماريو دراجي رئيس مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، أو خليفته المرتقبة كريستين لاجارد، من جهة إقناع الرأي العام الألماني المتوجس بضرورة خفض أسعار الفائدة لفترة طويلة مقبلة، أو زيادة الإنفاق العام.
ولن تجد الحكومة الألمانية مشكلة تذكر في زيادة إنفاقها بفضل فوائض الميزانية التي تراكمت تباعا خلال الأعوام الخمسة الماضية.
ولماذا ألمانيا؟.
علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هنا سجل أوروبا السيئ في معالجة الهزات الاقتصادية بشكل جماعي.
فمازلنا نتذكر تأخر بروكسل في معالجة مشكلتي تراكم الديون الحكومية، والقطاع المصرفي، واتخاذها إجراءات غير حاسمة لمواجهتهما في خلال الأعوام التالية للأزمة المالية العالمية.
وعكس هذا في حينه عمق الانقسامات القائمة بين شمالي أوروبا الغني وجنوبها الفقير، فبينما كان الاقتصاد الألماني يسجل أفضل معدلات في الأداء، تابعنا تفاقم أزمة ديون اليونان ولفترة لا بأس بها.
ولكن الألمان يختلفون بطبيعتهم عن غيرهم من أبناء القارة، إذ أنهم أكثر حرصاً وتوجساً تجاه مسألة انتهاج سياسات حكومية تعالج نقاط الخلل في دورات المال والأعمال المعتادة، فما الذي يدفعهم للتحرك هذه المرة؟.
الإجابة بسيطة: ستعاني ألمانيا أغنى الدول الأوروبية وأكثرها تعداداً بالسكان بشدة من هذه الأوضاع.
وسيدفع هذا إلى قبول فكرة تبني سياسات لتحفيز النمو في أنحاء القارة.
ولننظر في الأرقام المتاحة حتى تتضح الصورة بشكل أفضل:
ارتفع الاقتصاد الألماني بنسبة 0.7% فقط في العام المنتهي في مارس الماضي مقابل 2.4% سجلتها إسبانيا، و1.8% في بريطانيا برغم الضغوط التي يتعرض لها اقتصادها منذ تفجر أزمة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.
تعتمد ألمانيا على التصدير إلى الخارج بصفة رئيسية فعانى اقتصادها بشدة نتيجة الأزمات الدولية التي تطرقنا لها. وتستأثر الصادرات بنسبة 47% من جملة النشاط الاقتصادي الألماني، مقابل 12% فقط في الولايات المتحدة.
شهدت سوق العمل الألمانية مؤخراً نوعاً من الفتور أو الكسل وهي أحد أعمدة قوة الاقتصاد الألماني.
ويصب هذا كله في مصلحة الرأي الداعي لزيادة الإنفاق الحكومي الألماني بهدف إنهاض مشروعات اقتصادية كبرى ومنها: الانتقال إلى عصر الاقتصاد الرقمي، وتحويل السيارات إلى العمل بالكهرباء حصريا. ويقول يورج كرامر كبير الخبراء الاقتصاديين في كوميرز بنك: «في أوقات الاتجاه النزولي للاقتصاد، يسهل إقناع الألمان بضرورة سياسات التحفيز الاقتصادي حتى وإن ساورتهم بعض الشكوك». ومن جهتهم، دأب المسؤولون الألمان على مقاومة دعوات دولية لتبني سياسات لتحفيز النمو، إلا أنهم بدأوا في تغيير مواقفهم نسبياً العام الحالي.
وكان ينز فايدمان رئيس مجلس إدارة البوندزبنك (المركزي الألماني) والمعروف بتشدده قد أيد في وقت سابق العام الحالي سياسة البنك المركزي الأوروبي الرامية لتطبيق سياسات لتنشيط النمو في دول منطقة اليورو. وحتى ندرك الفرق، فقد عارض فايدمان بشدة خططا مشابهة في عام 2016 وكانت ألمانيا حينها الأسرع نموا بين اقتصادات العالم المتقدمة كلها. وسوف ييسر هذا التغير في المواقف من مهمة البنك المركزي الأوروبي تجاه منطقة اليورو وخصوصا دول الجنوب الفقيرة. ومن الملاحظ أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قررت أخيرا بسط يدها بعد أعوام طويلة من التقتير ركزت خلالها على سداد الدين العام. فمن المتوقع أن تصل الاستثمارات العامة إلى 40 مليار يورو (45 مليار دولار) بحلول العام المقبل، مقابل 25 مليار يورو فقط في عام 2014.
ويعكس قرار زيادة الإنفاق العام متانة السياسة المالية الألمانية، ناهيك عن وجاهة ميل بروكسل للتوسع في سياسات حفز النمو. كما يثبت أنه قد آن الأوان لأن تتوقف برلين عن الادخار وتبدأ في الاستثمار ليس من أجل أوروبا وحدها، بل من أجل الشعب الألماني نفسه.
فإذا ما تقلصت الفجوة بين أغنياء أوروبا وفقرائها، سيستعيد اقتصاد ألمانيا وضعه كقاطرة النمو الأوروبية.

بقلم: توم فيرلس وبول هانون

اقرأ أيضا

نمو «مشجع» للتجارة والاستثمار بين الإمارات والهند