الاتحاد

عربي ودولي

لمن تقرع الأجراس ؟

بغداد ـ حمزة مصطفى: لم يعد يفصلنا عن موعد الانتخابات العراقية القادمة سوى ساعات ·· العد التنازلي لهذه الانتخابات التي اتخذت طابعا مصيريا بدا بسرعة· مئات الأحزاب والكتل والحركات والتيارات السياسية والدينية المسيسة قررت دخول حلبة الصراع والتنافس من اجل الفوز بمقاعد أول مجلس نيابي عراقي في ظل أول دستور دائم منذ اكثر من خمسة عقود ·
ومع أن الدستور الدائم الذي جرى الاستفتاء عليه في الخامس عشر من أكتوبر الماضي جاءت ولادته عسيرة إلا انه شكل علامة بارزة من علامات الطريق الجديد الذي بدا العراقيون يرسمون ملامحه وان كان لايزال مخضبا بالدماء والمعاناة والمخاطر ·· وكان نحو ثمانية ملايين عراقي ذهبوا الى صناديق الاقتراع في الثلاثين من شهر يناير الماضي لانتخاب أول جمعية وطنية انتقالية انحصرت مهمتها في كتابة الدستور والتهيئة لهذه الانتخابات التي ستشكل بموجبها أول حكومة وطنية منتخبة لمدة اربع سنوات ·
ما يميز الانتخابات الحالية التي ستجري غدا عن الانتخابات الماضية هي أن تلك الانتخابات أجريت وسط خلافات شديدة ليس بين القوى والكتل السياسية الفاعلة في المجتمع العراقي بل حتى بين أطياف الشعب العراقي·
فمن الناحية الواقعية فان العرب السنة لم يتمكنوا من المشاركة في تلك الانتخابات مع أنهم المكون الرئيس الثالث من مكونات الشعب العراقي بالإضافة الى الشيعة والأكراد ··بعضهم لم يشارك بسبب مقاطعته للعملية السياسية بوصفها عملية تجري في ظل الاحتلال، أو بسبب مقاطعته للعملية الانتخابية بعد أن رفض طلبه بتأجيل الانتخابات بضعة شهور· مع ذلك جرت الانتخابات في موعدها المقرر · وفي ظل أجواء الخلافات تلك فان النتائج التي انتهت اليها الانتخابات كانت فرصة مثالية لنمط جديد من الاختلاف في الرؤى والتوجهات والأهداف ·
شرعية مؤجلة
لقد انحصر الخلاف هذه المرة ليس حول شرعية الانتخابات أم عدم شرعيتها بل المدى الذي يمكن أن تصل إليه تلك الشرعية التي ظلت ناقصة من وجهة نظر قوى أساسية في المجتمع خصوصا السنية منها وفي المقدمة منها هيئة علماء المسلمين التي رأت في انتخابات يناير بأنها ناقصة الشرعية بسبب عدم مشاركة القوى المغيبة فيها سواء من قاطعت لأسباب مبدئية أو لأسباب إجرائية ·· وهنا برز خلاف جديد بشان هذا الموضوع الحساس ، فالائتلاف الشيعي وحليفه التحالف الكردستاني رفضا أي طعن في شرعية الانتخابات طالما انها عادلة ونزيهة وشارك فيها نحو ثلث الشعب العراقي وبالتالي فإنها سليمة بالمعايير الديمقراطية ·
أما القوى السنية فإنها إما طعنت في شرعيتها بسبب كونها تجري في ظل الاحتلال ومما ساعدها في ذلك قوى العديد من القوى المؤثرة في الوسط الشيعي من بينها الزعيم المتشدد 'مقتدى الصدر' وبعض المراجع الدينية ممن خالفوا صراحة مرجعية السيستاني التي باركت الانتخابات بل حثت الناس على ضرورة المشاركة فيها ·
إن تلك الخلافات الحادة حول الانتخابات الماضية وطبيعتها قادت بالضرورة الى نوع من الاختلاف في وجهات النظر والرؤى والمناهج ، ولعل هذا الاختلاف الجديد هو الذي بلور الصيغة المستقبلية التي تمحورت حولها أراء واجتهادات وبرامج كل الأطراف من أجل المشاركة في الانتخابات القادمة بعد أن تحولت المشاركة الى هدف بحد ذاتها الى الحد الذي تم فيه الفصل بين لاشرعية الاحتلال من جهة وشرعية المشاركة بالانتخابات باعتبارها ضرورة لامفر منها في ظل هذه الظروف ·
و في انتخابات يناير الماضي أيضا حال تهديد تنظيم القاعدة في العراق من عدم قدرة العرب السنة الراغبين من المشاركة في تلك الانتخابات ، أما غير الراغبين أصلا فقد استجابوا لما اعتبروه فتوى ملزمة لهم أصدرتها بعض القوى الدينية في الوسط السني وفي المقدمة منها هيئة علماء المسلمين ·
هذا التهديد والرفض منع الملايين من العرب السنة من المشاركة، وعندما أعلن عن تشكيل الجمعية الوطنية بعد فرز الأصوات ظهر التباين هائلا في من احتل مقاعد الجمعية الوطنية وعددها 275مقعدا·
فبسبب مشاركتهم الفاعلة في الانتخابات برز الشيعة بوصفهم قوة أساسية داخل تلك الجمعية التي عهدت اليها اخطر مهمة في تاريخ العراق وهي كتابة أول دستور دائم لهذا البلد بعد سلسلة من الدساتير المؤقتة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة على يد العرب السنة في عشرينيات القرن الماضي· عندها أدرك العرب السنة فداحة ما ارتكبوه من خطا، غير أنهم في مقابل ذلك لم يندفعوا كثيرا باتجاه تغيير مواقفهم خصوصا من قضية الاحتلال ·
العرب السنة ··والخوف من الهلال
ولذلك فأنهم سلكوا طريقا وعرا في حقيقة الأمر تمثل في تصعيد عمليات المقاومة المسلحة في مناطقهم من جهة والانخراط في أول عملية حوار سياسي من جهة أخرى، وفي الوقت الذي بدا عليهم أنهم لايريدون تكرار خطا الشيعة أوائل القرن الماضي عندما رفضوا الانخراط آنذاك في عملية بناء الدولة وهو ما كلفهم الكثير فيما بعد على صعيد ضياع المزيد من الفرص أمام أجيالهم التالية، فإن العرب السنة وبسبب من الخبرة الطويلة لهم في العمل السياسي المنظم هم على قناعة أن الاحتلال الأميركي لبلدهم أوائل القرن الحادي والعشرين يختلف كثيرا عن الاحتلال البريطاني أوائل القرن العشرين ، وان ماتفكر فيه الولايات المتحدة الأميركية اليوم هو غير ما كانت تفكر به الإمبراطورية البريطانية آنذاك ·
ولذلك وبسبب عدم حصول العرب السنة على نسبة ولو ضئيلة من المقاعد في الجمعية الوطنية الماضية فانه عندما عهد لتلك الجمعية كتابة أول دستور دائم للعراق برزت أمام الجمعية مشكلة اسمها العرب السنة·
ولعل من الأمور التي تستحق التأمل أن الأميركيين أنفسهم هم أول من دفع باتجاه معالجة هذه المشكلة وذلك عن طريق إشراك ممثليين حقيقين عنهم للانخراط في لجنة كتابة الدستور التي هيمن عليها الفائزون في مقاعد الجمعية وهم الشيعة والأكراد·
لكن السؤال الهام الذي فأجا الجميع وفي المقدمة منهم السنة أنفسهم هو·· أي سنة يمكن أن يشتركوا في كتابة الدستور طالما أنهم لم يشاركوا في الانتخابات بحيث تظهر من خلال صناديق الاقتراع قوى سنية قادرة بالفعل على تمثيل العرب السنة ؟ أن هناك شعورا لدى السنة أن الدستور العراقي لايمثل تمثيلا حقيقيا كل الشعب العراقي، ولعل مثل هذا الشعور تولد لدى العديد من الأقطار العربية التي راح بعضها يخشى هلالا شيعيا مثل الأردن أو هيمنة إيرانية واضحة على العراق مثل السعودية، ولعل هذه المخاوف هي التي شكلت الدافع الابرز للجامعة العربية التي تمكنت من جمع كل مكونات الشعب العراقي في أول مؤتمر للوفاق الوطني بالقاهرة مؤخرا لايزال يثار جدل كبير بشان ما سوف يترتب عليه من نتائج مستقبلا ·
ولعل أبرز مايمكن قوله بصدد النتائج التي يمكن القول انها شكلت قاسما مشتركا ولأول مرة بين المؤيدين للعملية السياسية والرافضين لها هي الاتفاق على ضرورة وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية من العراق ، لكن الأخبار التي جاءت من واشنطن بعد مرور فترة من الوقت على مؤتمر القاهرة أن الاميركين بدوا بحاجة الى أن يضعوا هم جدولا لانسحابهم من العراق ، واخذوا يتحدثون لأول مرة عن إمكانية تخفيض قواتهم عام 2006 ·بل أن رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي توقع تخفيض قواته بعد الانتخابات مباشرة·
إن تأجيل النظر بالشرعية مثلما حصل في مؤتمر القاهرة من اجل إتاحة الفرصة للمشاركة بالانتخابات والاكتفاء بوضع جدول زمني للانسحاب لم يعد مطلبا للرافضين للاحتلال والعملية السياسية، بل بدا وكأنه مطلب للاحتلال نفسه·
الخريطة ··ورجل المرحلة
انطلاقا من هذا كله فان خريطة الطريق تبدو شديدة الوضوح فيما يتعلق بالانتخابات القادمة ·· ووضوح هذه الخريطة يتجلى في العديد من النقاط والمسائل وهي كالأتي ·· أولا : من غير المتوقع أن تشهد مفاجآت كبيرة ·· فالمؤشرات تقول أن أصوات الناخبين ستتوزع بنسبة كبيرة على أسس طائفية وعرقية وبنسبة اقل على أسس وطنية وبرامجية وبنسب بسيطة على أسس أخرى قد تكون شخصية اوعشائرية، واستنادا الى ذلك فان مفهوم الاغلبيات ستكون له حصة أساسية ·
فالأغلبية الشيعية ستحصل على الأرجح على المرتبة الأولى لكن بعدد مقاعد اقل مما حصلت عليه في الانتخابات الماضية، والأكراد سيحصلون على المرتبة الثانية فيما سيكون التنافس على المرتبة الثالثة في البرلمان العراقي القادم محصورا بين القائمة العراقية الوطنية التي يرأسها رئيس الوزراء السابق أياد علاوي وبين ابرز القوائم السنية وهي قائمة التوافق العراقية ·
تأتي بعد ذلك قوائم أخرى لكن بدرجات اقل بكثير يضم بعضها شخصيات مهمة مثل احمد الجلبي ونوري البدران وحازم الشعلان وصالح المطلك ومشعان الجبوري ، ومع أن خطط أياد علاوي ومنطق دعايته التي تجعله رجل المرحلة ورجل المستقبل معا مما أعطى انطباعا قويا في الشارع العراقي أن الأميركان هم الذين يريدون الدكتور علاوي بعد فشل حكومة الائتلاف التي حاصرتها الأزمات والمشاكل وحتى الفضائح مثلما حصل في سجن الجادرية مؤخرا ،إلا أن من الصعب القفز وبهذه السرعة فوق الحواجز والاعتبارات الطائفية والعرقية والمذهبية في العراق اليوم وتكريس البعد الوطني الذي يقوم على أساس البرامج السياسية فقط ·
ثانيا : إن عدد من سيشارك في هذه الانتخابات سيكون كبيرا جدا ، ولعل الاعتراضات تأتي الآن من أبناء المناطق الغربية الذين يطالبون القوات الأميركية والحكومية بعدم القيام بعمليات عسكرية هناك من أجل إتاحة الفرصة أمام الناس للمشاركة ··فالأعداد البشرية التي ستشارك في الانتخابات من تلك المناطق ربما تفوق التوقعات لأنها مبنية على منطق التحدي الأمر الذي يجعل تلك الممارسة التي توصف بالديمقراطية بعيدة عن منطق الديمقراطية الصحيحة في ظل ظروف لاتزال توصف بأنها مضطربة ومشوشة الى حد كبير ·
ثالثا : إن سلسلة الإخفاقات التي رافقت حكومة الجعفري ستنعكس سلبا على مؤيدي قائمة الائتلاف العراقي الموحد ، فيما ستنعكس ايجابيا على القوائم المتنافسة الأخرى·
إزاء هذا كله ومع وضوح خارطة الطريق هذه فانه لم تبق سوى الوعود الهائلة التي قطعها المرشحون على أنفسهم ، تلك الوعود التي تبدأ بإنهاء الاحتلال ولاتنتهي إلا بتوزيع موارد النفط على العراقيين فردا فردا ،علما أن مفارقة الغنى والفقر بالنسبة للمجتمع العراقي والتي سببها النفط لاتزال من بين اكثر الأمور التي تثير حساسية العراقيين ·
ويبدو أن هذه الوعود لاتلقى رواجا في ذهنية الفرد العراقي حتى أن العراقيين يتداولون الآن طرفة حقيقية وهي أن الجمعية الوطنية الحالية التي تضم القوى الرئيسة التي شاركت في الانتخابات الماضية صوتت في آخر عمل لها قبل الانتخابات على قانون التقاعد الجديد الذي تم فيه تخفيض سن التقاعد للموظف من 65عاما الى 63عاما، في حين سن أعضاء الجمعية لأنفسهم قانونا يسمح لهم بنيل راتب تقاعدي كامل مع أنهم لم يمضوا بالخدمة سوى تسعة شهور فقط قضوا معظمها في سفر مريح خارج العراق ·

اقرأ أيضا

توسك يرفض مقترح ترامب بإعادة روسيا إلى "مجموعة السبع"