الاتحاد

تقارير

طموحات بوش في السياسة الخارجية

طموحات  بوش  في السياسة الخارجية

طموحات بوش في السياسة الخارجية

لقد بدأت إدارة بوش عامها الأخير في البيت الأبيض، بالخفض التدريجي والهادئ لطموحات سياساتها الخارجية، استجابة منها للضغوط والعراقيل الكثيرة التي تواجهها حالياً؛ فما هي إلا أشهر معدودة، إلا وكبار مسؤولي الإدارة يتباهون بقدرتهم على إبرام صفقة سلام الشرق الأوسط، التي عجزت عنها كافة الإدارات الأميركية السابقة· لكن وما أن قام الرئيس بجولته الشرق أوسطية الأخيرة، حتى تبدل ذلك التباهي إلى اعتراف صريح من قبل مسؤولي إدارته بأن الصفقة التي يتحدث عنها الرئيس ''بوش'' في الوقت الحالي، لن تكون صفقة السلام النهائي التي طال بها الانتظار، وإنما هي اتفاق مبدئي على تحديد الشروط التي تقوم عليها المحادثات بين طرفي النزاع·
في جانب آخر، منيت طموحات الإدارة الرامية لتخليص كل من كوريا الشمالية وطهران من برنامجيهما النوويين بانتكاسات كبيرة مشابهة؛ أما العراق -التحدي الرئيسي- فقد شهد الوضع الأمني فيه تحسناً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، ومع ذلك ظل الهدف النهائي في إبرام مصالحة وطنية بين شتى الطوائف العراقية المتناحرة، أبعد ما يكون عن التحقق· وخلافاً لما أمل فيه مسؤولو الإدارة سابقاً، فالأرجح أن تمضي الإدارة عامها الأخير هذا، في التصدي لسلسلة الأزمات، وفي ترتيب الفوضى التي تسببت بها خلال سنواتها الماضية، تمهيداً لإحالة كافة المهام التي لم تنجز، لخليفة ''بوش'' في البيت الأبيض· وعلى حد ملاحظة ''جاري سيمور'' -الخبير الحكومي السابق في مجال حظر الانتشار النووي، وعضو مجلس العلاقات الخارجية حالياً- فقد بدا واضحاً أنه ليس في وسع الإدارة إنجاز ما يذكر من الأهداف الخارجية التي أملت فيها من قبل، خلال المدة الزمنية الوجيزة التي تبقت لها· وفي مسعى منها لتغيير صورة الدمار الذي ألحقته بها الأزمة العراقية وغيرها من الأزمات الأخرى، طوال المدة السابقة من ولايتيها، فهاهي الإدارة وقد دشنت حملة دبلوماسية جديدة في العام الأخير من ولايتها، حيث زارت وزيرة خارجيتها ''كوندوليزا رايس''، منطقة الشرق الأوسط ثماني مرات في العام الماضي، في مسعى منها لفتح نافذة جديدة على أمل إبرام صفقة سلام نهائي بين طرفي النزاع الإسرائيلي والفلسطيني· وفي مسعى آخر، أثارت الإدارة نفسها سخرية اليمين الجمهوري المحافظ، بخوضها لمفاوضات دبلوماسية مع ''بيونج يانج''، على أمل تفكيك ترسانتها النووية ووضع حد لبرامجها العسكرية في هذا المجال، غير أن هذه الآمال تبددت برفض ''بيونج يانج'' إعلان عزمها على تفكيك جميع مكونات برامجها النووية·
وفي ذات الوقت ساد اعتقاد بين كبار مسؤولي الإدارة، بإمكان إبرام صفقة تعاون نووي سلمي مع نيودلهي، من شأنها فتح الباب على مصراعيه أمام شراكة أميركية غير مسبوقة مع العملاق الهندي، لا شك سينظر لها في واشنطن على أنها إنجاز دبلوماسي يصعب إنكاره أو التقليل من شأنه حتى من قبل أشد منتقدي الإدارة؛ غير أن الذي حدث، هو نجاح اليساريين الهنود في عرقلة إبرام الصفقة هذه، عبر برلمان بلادهم الذي أقر عدم تنازل الهند عن سيادتها الوطنية، بما يتضمنه ذلك من عدم التخلي عن أهداف استقلاليتها الاستراتيجية عن الولايات المتحدة الأميركية· ويضاف لانتكاسات هذه الإدارة، تطورات الوضع في أفغانستان، فما فشل المقترح الذي تقدمت به ''البنتاجون'' بزيادة عدد الجنود الأميركيين المرابطين هناك، والبالغ عددهم نحو 27 ألفاً، بـ3200 جندي من جنود المارينز، سوى اعتراف أكيد بالمصاعب الأمنية الناجمة عن شدة النزاع الأفغاني· وفي الوقت ذاته تتجه الدول الحليفة للولايات المتحدة في الناتو إلى خفض عدد جنودها هناك، بل والأخطر من هذا تصريح بعض الدبلوماسيين الغربيين المقيمين في كابول مؤخراً، بِشأن اتجاه بلدانهم لخفض مجمل طموحات سياساتها الخارجية إزاء أفغانستان·
أما في باكستان، فتكاد تكون أهداف استراتيجية إدارة بوش أكثر تحديداً من غيرها: وجود حكومة ديمقراطية مستقرة وقادرة على المساعدة في قيادة الحرب على المليشيات الإسلامية المتطرفة في البلاد؛ لكن وعلى رغم محدودية هذا الهدف، إلا أنه تلقى ضربة قاضية هو الآخر، على إثر اشتداد حدة المواجهات الأهلية بين شتى أطراف النزاع الباكستاني الداخلي، كما فشلت أهداف سياسة إدارة ''بوش'' الخارجية في الدفع باتجاه إجراء انتخابات نزيهة وعادلة في شهر فبراير المقبل، على أمل أن تضفي هذه الانتخابات شرعية على حكومة الرئيس ''برويز'' مشرف الحالية، إلى جانب الدور الإيجابي الذي يمكن أن يؤديه في استقرارها، حزب الشعب الباكستاني الذي كانت تقوده ''بينظير بوتو''·
وفي العراق، فقد تفاءل البيت الأبيض كثيراً بتحسن الوضع الأمني مؤخراً، وخلال شهر يناير الجاري، أطرى المسؤولون الأميركيون أيّما إطراء على مشروع تشريع عراقي جديد، قصد به حفز عملية المصالحة السياسية الوطنية في البلاد؛ ويقضي تشريع ''القانون الجديد لاجتثاث البعث'' بفتح المجال أمام مشاركة المزيد من أعضاء حزب البعث السابقين غير القياديين، في المشاركة في العملية السياسية وتولي المناصب الحكومية· غير أن التساؤلات تظل قائمة حول مدى فعالية هذا القانون في تطبيقه العملي، بينما يواصل مسؤولو واشنطن الضغط باتجاه التزام العراق بالمزيد من معايير تحقيق المصالحة الوطنية·

بول ريشتر
محرر الشؤون الخارجية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا