صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

طاجن لحم

لوحة يابانية تجسد طريقة تناول الطعام (أرشيفية)

لوحة يابانية تجسد طريقة تناول الطعام (أرشيفية)

نص: أوغاي موري
ميسرة عفيفي

طاجن لحم يغلي على النار.
يُقلب رجل لحماً بلون أحمر بواسطة عصاتين سريعتي الحركة. الجزء الذي أصبح أبيض يجعله في الأعلى. فيما يتحول الجزء الأبيض من البصل الأخضر المقطع إلى لون أصفر تدريجيا، ويغطس داخل المرق البني.
كان الرجل الممسك بعصاتيّ الأكل الرشيقتين، في حوالي الثلاثين من عمره. ويرتدي معطفا نصفي الأكمام به علامة تجارية، يليق بملابس طقس مشمس. ويضع بجواره حقيبة أوراق مطوية.
يشرب الساكي ويقلب اللحم. يقلب اللحم ويشرب الساكي.
وثمة امرأة تصب له الساكي. يبدو أنها من نفس عمر الرجل. ترتدي مريلة مصنوعة من القطن المخطط، تستعمل خارج المنزل وبها ياقة نصفية من الساتان.
عينا المرأة لا تنفكان تطيلان النظر إلى وجه الرجل. عينان تبدوان وكأنهما عطشاوان للأبد.
عطش العين جعل المرأة تنسى عطش الفم، فهي لا تشرب الساكي.
الرجل ذو العصاتين الرشيقتين، وضع في فمه قطعة من اللحم قلبها مرتين أو ثلاثة مرات.
مضغ الرجل في لذة بأسنان قوية بيضاء.
العين العطشى للأبد تنصب على حركة الفم.
ولكن ذلك الفك المتحرك ليس محل نظر هاتين العينين العطشاوين فقط. بل توجد عينان آخرتان.
صاحبة العينين الآخرتين كانت طفلة في السابعة أو الثامنة من العمر. تضع في شعرها زينة صغيرة من الورد، بالكاد تبدو وكأنها وضعت على منفضة سجائر. طوت الطفلة منشفة يد ووضعتها فوق ركبتها، وفصلت عصاتيّ الأكل الملتصقتين، عن بعضهما البعض، وأمسكت بهما في يدها تنتظر.
بعد أن أكل الرجل ثلاث قطع أو أربع قطع من اللحم، مدت الطفلة بيدها الممسكة بالعصاتين وحاولت أن تلتقط بهما قطعة لحم. لم تكن غير آبهة للرجل. ولكن رغم ذلك لا يبدو أنها تستحي منه.
«انتظري. تلك لم تنضج بعد».
قامت الطفلة بسحب عصاتيّ الأكل بهدوء وانتظرت.
عينا المرأة اللتان جعلتاها جافة للأبد. لم يكن لديها متسع لكي تنظر إلى عصاتيّ الطفلة التي تقدمت للأمام وعادت متقهقرة بلا جدوى.
بعد فترة حملت عصاتا أكل الرجل قطعة لحم إلى فمه. وكانت تلك القطعة هي نفسها التي حاولت الطفلة منذ قليل التقاطها بعصاتيها.
عادت عينا الطفلة تنظر مرة أخرى إلى وجه الرجل. لا يوجد في تلك العينين حقد ولا غضب. كان بهما دهشة فقط.
عينا المرأة اللتان جعلتاها جافة للأبد، لم يكن لديها متسعا لكي تنظر إلى الصراع الحزين بين عِصِي الأكل الأربع.
كسرت المرأة في البداية عصاتيها والتقطت بهما كوب الساكي الذي في حوض غسل الأكواب وأعطته للرجل. وظلت عصاتا الأكل تلك كما هما موضوعتان على حافة الصينية. أيضا العينان التي جعلتها جافة تماماً، لم يكن لديها متسع لكي تعيد النظر إلى عصاتيّ الأكل المتروكة فوق الصينية.
ومهما صبت الطفلة نظراتها المندهشة على وجه الرجل، فهو لا يعطيها لحما، حتى لو قال لها: كُلي. وكلما فكرت أن الوقت مناسب وشرعت تمد عصاتيها لتأكل، يعيد الرجل قوله: «تلك لم تنضج بعد».
ولكن عينا الطفلة المندهشة لا يوجد بها حقد ولا غضب. ولكن غزيرة الحياة التي تجعل الكتكوت الذي خرج لتوه من البيضة ينقر قشرتها، وتجعل الوليد الذي انفصل لتوه عن الرحم يمتص أي شيء أمامه، تلك الغريزة تقوم بدورها أيضا لدى صاحبة العينين المندهشتين. لم تعد الطفلة قادرة على سحب عصاتي الأكل من الطاجن.
في الفرصة التي حملت فيها عصاتا أكل الرجل الرشيقتان قطعة من اللحم إلى فمه، استغلت الطفلة ذلك الوقت في حمل قطعة لحم اقتربت فجأة من عصاتي أكلها والتقطتها ووضعتها في فمها. لقد أصبحت كل قطع اللحم بالفعل في كامل النضج.
بل إنها أصبحت ناضجة لدرجة تزيد قليلا عن اللازم.
نظر الرجل ذو العيون الحادة مزدوجة الجفون، نظرة سريعة إلى الابنة الوحيدة لصديقه المتوفي. لم يزجرها لكن عصاتيه الرشيقتين أصبحتا، بعد ذلك، أكثر رشاقة وسرعة. وحملت إلى الطاجن اللحم النيئ البديل. بعد أن يحمله يقلّبه. وبعد أن يقلّبه يأكله.
الطفلة أيضاً تحرك عصاتيها في صمت. عيناها المندهشتين صارت تنشطان متحركتان باتجاه هدف محدد، هو عدم البعد عن الطاجن لفترة طويلة.
حتى لو لم تحصل على قطع لحم كبيرة، فهي تحصل على قطع صغيرة. حتى لو لم تحصل على قطع جيدة النضج، فهي تحصل على قطع شبه ناضجة. حتى لو لم تحصل على لحم فهي تحصل على بصل.
يوجد في مكان ما بمنطقة أساكوسا موضع لمشاهدة العديد من الحيوانات. في المنطقة التي تقع قريبا من وجود القردوح الشهير، كان يوجد قردان – أم وابنها – موضوعان في قفص واحد، ويوجد أمام القفص ثمار البطاطا الحلوة مقطعة شرائح مستديرة. يقوم المشاهدون بربط شرائح البطاطا الحلوة تلك في طرف عصا طويلة، ويمدونها أمام القفص، فيبدأ صراع عنيف بين القردة الأم وطفلها. إذا جاءت البطاطا إلى القرد الطفل الذي كان يلتقم ثدي أمه، فإنه يترك الثدي ويحاول أخذ البطاطا النادرة بالنسبة له. وكذلك القردة الأم تحاول أن تأخذ بدورها تلك البطاطا. حتى لو حاول القرد الطفل أن يدلف من تحت إبط أمه، ويركب على ظهرها، ثم على رأسها، ففي الأغلب تسقط البطاطا في يد القردة الأم. ورغم ذلك واحدة من أربعة أو واحدة من خمسة تدخل فم القرد الطفل.
القردة الأم تصارع كذلك. ولكن لو دخلت قطعة البطاطا عن طريق الصدفة إلى فم القرد الطفل فإن القردة لا تعنف طفلها. فالغريزة الطبيعية على غير ما نتوقع ليست قاسية التوحش.
الرجل صاحب عصاتي الأكل ذات الغريزة الرشيقة ليس والد الطفلة. رغم أنه ليس والدها فهو لا يعنفها إذا نجحت في حركة عصاتي الأكل عن طريق الصدفة.
الإنسان متطور عن القِرَدة.
رغم أن عِصِي الأكل الأربع تعمل بكل جد، اثنتان في يد الرجل الرشيقتين، واثنتان في يد الطفلة التي تحاول أن تكون رشيقة، ولكن أخيرا اثنتان منها توقفتا عن الحركة ووُضعتا جانبا.
عينا المرأة اللتان جعلتاها جافة للأبد، لا زالت كما هي في السابق تصب نظراتها الحميمة على وجه الرجل. تنصب على وجه الرجل ذي الملامح الصارمة الوسيمة.
إحدى الغرائز تضحي بغيرها من الغرائز.
وهو ما يوجد أيضا لدى الحيوانات. ولكن يبدو أنه موجود لدى الإنسان أكثر من الحيوان.
الإنسان متطور عن القردة.
....................................................
يناير من العام الثالث والأربعين من عصر ميجي (1910)

الأديب الطبيب العسكري
ولد أوغاي موري باسم رينتارو موري في 17 فبراير من العام 1862 وتوفي 9 يوليو 1922 في الستين من عمره. ورث مهنة آبائه وأجداده الذين كانوا أطباء عظاماً لقادة الساموراي، ودرس الطب في جامعة طوكيو الإمبراطورية. بعد تخرجه التحق بالجيش الإمبراطوري الياباني كطبيب وأُرسل إلى ألمانيا للتعمق في دراسة الطب أربع سنوات من العام 1884 إلى 1888. بعد عودته كتب أول روايته وهي «أميرة الرقص» عن فتاة ألمانية تعرف عليها في أثناء وجوده في ألمانيا. استمر في عمله في الجيش الإمبراطوري حتى وصل إلى منصب القائد الأعلى لأطباء الجيش، وفي الوقت نفسه ظل يقوم بكتابة الروايات والأعمال الأدبية، إضافة إلى قيامه بترجمة عدد كبير من الأعمال الأدبية الغربية إلى اللغة اليابانية، مثل أعمال ريلكه وإدغار ألان بو وبتروفيتش وليو تولستوي دوستويفسكي وغوستاف ويد وآخرين. ويذكر اسم أوغاي موري دائما كأحد الآباء المؤسسين للأدب الياباني الحديث. من أعماله «عائلة أبه»، «الأوزة البرية»، «مراكب تاكاسيه»، «شاب في مقتبل العمر».