الاتحاد

الاقتصادي

مفاوضات هونج كونج.. إعلان وفاة أم قبلة حياة؟

ملف من إعداد - أيمن جمعة:
تتركز أنظار العالم اليوم على هونج كونج حيث تشارك وفود رفيعة المستوى من 149 دولة في الاجتماع الوزاري السادس لمنظمة التجارة العالمية، والذي من المتوقع ان يحدد مصير نظام التجارة العالمي· وينصب الاهتمام على القضايا التي أفرزتها 'جولة الدوحة' التي كان من المفترض ان تنتهي عام ،2004 ويزيد من حساسية الاجتماع انه لم يعد هناك وقت ليهدره العالم في التفاوض على هذه الجولة التي لم تحقق نجاحا جوهريا لاسباب تتعلق أساسا بما كشفته مفاوضات الاعوام الماضية عن 'حرب تجارية' شرسة بين مصالح الاغنياء والفقراء، وهي الحرب التي تأكد الجميع من ان قواعدها لا تراعي ضعيفا فقيرا ولا تحترم الا القوى··
وظهر هذا جليا في ملف الزراعة التي استحقت وصف 'مفاوضات الحياة او الموت' بعدما أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك بشجاعة 'يحسد عليها' ان اوروبا يجب الا تتوقف عن دعم قطاع الزراعة حتى وان تطلب ذلك نسف جهود العولمة نفسها··! ويراهن البعض على ان المفاوضات ستشهد سلسلة من سياسات 'حافة الهاوية' بين 'تكتلات الصمود' من الدول النامية، والقوى الغربية لانقاذ مستقبل التجارة العالمية· وترى هذه الفئة ان أفضل ما يمكن ان نتطلع اليه هو ان تكون اجتماعات هونج كونج نقطة انطلاق وليست نقطة تحول·
ولا تدعو الصورة العامة للتفاؤل· فالمفاوضات تنطلق وسط اعتقاد شائع في الدول النامية بان الاقطاب الاقتصادية الثلاثة الكبرى·· اميركا والاتحاد الاوروبي واليابان·· يريدون التهام الصغار وامتصاص ثرواتهم وليس مساعداتهم·
ولا يتوقع كثيرون ان يتوصل الاجتماع الى نتائج قوية، ويرون ان أفضل ما يمكن التوصل اليه هو الاتفاق هو نوع من التسوية التي تمهد الطريق امام مزيد من المفاوضات بشأن 'جولة الدوحة' التي روج لها الغرب على انها الطريق لانتشال الفقراء من متاعبهم· واذا حدث الاسوأ وفشل المؤتمر فسيكون ذلك 'اعلان وفاة' للجولة التي انطلقت في نوفمبر عام ·2001
شهدت العشرون عاما الماضية نموا استثنائيا في التجارة العالمية· فقد زادت صادرات البضائع بمتوسط بلغ 6 % سنويا وساعدت الجات ومن بعدها منظمة التجارة العالمية على إنشاء نظام تجاري قوي ومزدهر مما ساهم في نمو اقتصادي عالمي غير مسبوق تحت شعار 'عالم بلا حواجز جمركية'·· لكن الغريب ان العالم ما زال منقسما على نفسه بشأن ما اذا كان النظام التجاري العالمي هو قبلة حياة للتنمية الدولية أم ثعبان يمتص دماء الفقراء·· بل ووصلنا اليوم الى مرحلة فاصلة، يتحدد على ضوئها مستقبل تلك العولمة التجارية، وذلك في ضوء نتيجة الاجتماع الوزاري السادس لمنظمة التجارة العالمية في هونج كونج·
ونحن لم نصل الى هذه المرحلة من التطور في النظام التجاري بين عشية وضحاها، بل عبر سلسلة من المفاوضات أو الجولات التجارية التي انعقدت تحت رعاية الجات وبحثت بشكل اساسي خفض التعريفات ثم موضوعات أخرى مثل مقاومة الإغراق· ومهدت الجولة الأخيرة من محادثات الجات بين عامي 1986 و1994 السبيل لظهور منظمة التجارة العالمية· ولم تتوقف العجلة عند التجارة، فتم التوصل في فبراير 1997 إلى إتفاقية لتنظيم خدمات الإتصالات السلكية واللاسلكية· وفي العام نفسه اختتمت 40 دولة بنجاح مفاوضات خاصة بمنتجات تكنولوجيا المعلومات، كما أبرمت سبعون دولة اتفاقا خاصا بالخدمات المالية يغطى أكثر من 95 % من التجارة البنكية والتأمين والأوراق المالية والمعلومات المالية· وفي مايو 1998 وافق أعضاء منظمة التجارة العالمية في اجتماع وزاري على دراسة مواضع التجارة الناشئة من التجارة الإلكترونية العالمية· وفي عام 2000 انطلقت مفاوضات الزراعة والخدمات· وأظهرت الايام ان مستقبل النظام العالمي التجاري بالكامل مرهون بما يمكن تحقيقه في هذه المفاوضات·
مصدر الخطر
ومصدر الخطر حاليا ان فشل المؤتمر الذي يحضره ممثلون عن 148 دولة سيكون بمثابة 'اعلان وفاة' لجولة مفاوضات الدوحة المعروفة باسم 'مفاوضات برنامج الدوحة للتنمية' التي أعلن عنها خلال المؤتمر الوزاري الرابع الذي استضافته قطر في نوفمبر عام ·2001 ووسط اجواء التفاؤل التي واكبت انطلاق تلك الجولة، أطلق البعض عليها وصف 'جهد طموح لم يشهد له العالم مثيلا بهدف دعم النمو في الدول الفقيرة'· وعزز هذا التفاؤل ان الاهداف الرئيسية للجولة تركزت على تقليل الحواجز الجمركية على تجارة الغذاء والتجارة في الخدمات وحقوق الملكية الفكرية ومكافحة الإغراق والدعم والإجراءات التعويضية والديون والتمويل وعلاقتهما بالتجارة العالمية·
لكن مفاوضات جولة الدوحة التي لم تحرز في مجملها نجاحا ملموسا، كشفت عن حرب تجارية شرسة بين الاغنياء والفقراء وبدأت الاصوات تتعالى بأن 'الكبار' في منظمة التجارة يريدون التهام الصغار لا مساعدتهم· والمفارقة هنا ان الانتقادات تخرج أساسا من الدول النامية التي يفترض ان الجولة تستهدفهم بشكل اساسي·
ويتمركز لب الخلاف بين الشمال والجنوب حول قضايا الزراعة وهي عصب الحياة في غالبية الدول النامية· ولم يتم التوصل حتى الآن الى اتفاق، وهو ما يثير مخاوف من ان يفشل المجتمع الدولي في حسم هذه الجولة خلال اجتماعات هذا الشهر· ويزيد من حدة هذه المخاوف ان البعض طالب بتأجيل المؤتمر الى أجل غير مسمى· وتوارت هذه المطالب في مواجهة شبه اجماع على ضرورة الا يتكرر في هونج كونج ما حدث في مؤتمر كانكون ومن قبله مؤتمر سياتل باميركا·
ففي آخر اجتماع لبحث ملف جولة الدوحة عندما اجتمع ممثلو المنظمة في مدينة كانكون المكسيكية في سبتمبر ،2003 كانت النتيجة محزنة، فقد انتهى المؤتمر دون التوصل لأي اتفاق، بل وبشكل مخجل· ربما كان التشدد انذاك مرجعه انه لا تزال هناك فسحة من الوقت للتفاوض وتقريب وجهات النظر قبل حلول الموعد المفترض لاكمال مفاوضات تلك الجولة·
ولا توجد مشكلة كبيرة في تجاوز الموعد المحدد نظريا وهو عام ·2004 المشكلة الحقيقة هي ان الموعد النهائي فعليا هو يونيو ،2007 وذلك عندما تنتهي فترة الصلاحية التي منحها الكونجرس للرئيس الاميركي جورج بوش للتفاوض على موضوعات التجارة الدولية· ويرى البعض ان هذا الموعد سيف مسلط على الرقاب· ورغم انه يبدو نظريا انه لا تزال هناك فسحة من الوقت حتى حلول ذلك الوقت فان تعقد طبيعة المفاوضات التي تضم 148 دولة وعشرات اللجان الفنية يعني انه يتعين الانتهاء من صياغة تفاصيلها الدقيقة خلال عام 2006 قبل التصديق عليها وهو ما يعني ضرورة الاتفاق على شكلها الاساسي خلال اجتماعات هونج كونج·
اجواء متشائمة
لكن الاجواء لا تدعو للتفاؤل الشديد· فرغم انعقاد العديد من الاجتماعات بين الأعضاء الفاعلين بالمنظمة، لتحريك المفاوضات حول تحرير تجارة الزراعة، قبل الاجتماع الحالي في هونج كونج فان هذه الاجتماعات لم تكن أسعد حظا من سابقيها، ووصلت المفاوضات إلى طريق مسدود· والمفارقة ان كل الدول الغنية التي تطالب الفقراء بازالة كل الحواجز الجمركية امام منتجاتها الصناعية، ترفض ترك اية ميزة للفقراء تتعلق بمصادر قوتهم الضئيلة وفي مقدمتها المواد الخام والزراعة· فهي ترفض تقديم تنازلات جدية· ويسود شعور حاليا داخل كثير من الدول النامية بان الاغنياء يحاولون امتصاص ثرواتها تحت شعار تحرير التجارة·
والملاحظة الرئيسية على سير المفاوضات حتى الآن هي ظهور ما يمكن وصفه بانه 'تكتلات صمود' بين الدول النامية والفقيرة· وترى هذه الدول ان الوصول لنتيجة غير عادلة في مفاوضات التجارة خاصة ما يتعلق بالزراعة هي مسألة 'حياة او موت'، وذلك لأن كثيرا من هذه الدول تعتمد في اقتصادها على الزراعة، وترى انه يتعين التوصل لاتفاق عادل على مسائل الزراعة قبل أن تفتح أسواقها أمام السلع والخدمات الأخرى· وعادة ما ينظر ممثلو الدول النامية والفقيرة في منظمة التجارة العالمية - وعلى رأسهم الصين والهند وإندونيسيا والبرازيل ـ إلى رفضهم التوقيع على اتفاق في بهذا الشأن، على أنه 'انتصار وصمود في المواجهة ضد الشمال الغني'· ورغم ان الدول النامية تمثل حوالي ثلثي عدد أعضاء منظمة التجارة فانهم غير قادرين على حماية مصالحهم من ضغوط الاغنياء وهو ما اظهر انتقادات بأن منظمة التجارة منظمة غير ديمقراطية··!
وتتصدر الإمارات مجموعة الدول العربية والنامية التي تريد فتح حوار جاد بشأن تجارة المنتجات غير الزراعية وإزالة الرسوم الجمركية عن المواد الأولية الخام ووضع آلية مناسبة لتخفيض الرسوم الجمركية وغير الجمركية سواء من خلال معادلات أو مبادرات قطاعية· وشاركت الامارات في الإجتماع التنسيقي للدول الأعضاء في اللجنة الإقتصادية والإجتماعية لغرب أسيا ' الاسكوا ' الذي استضافته بيروت لتوحيد المواقف ازاء القضايا والمواضيع المطروحة على إجتماع هونج كونج·

اقرأ أيضا

بنك أوف أميركا: المستثمرون يضخون الأموال في صناديق السندات