الاتحاد

دنيا

رغبات محطمة وأدوار غامضة


الشارقة ـ إبراهيم الملا:
كانت الشارقة قبل عدة أيام على موعد مع فعالية سينمائية ذات طبيعة خاصة تملي على هذه النوعية من الفعاليات الفيلمية الركون والبقاء في نطاق الندرة وعدم الرواج، فمن خلال تعاون مشترك بين دائرة الثقافة والإعلام والقنصلية الفرنسية بالدولة تم تنظيم فعالية أطلق عليها عنوان (المهرجان المتجول للفيلم العربي الفرنسي)، احتوى البرنامج على أفلام متراوحة في أزمنة إنتاجها، وهي : (باب المقام) للمخرج السوري محمد ملص، و(المنارة) للجزائري بالقاسم حجاج، و(علي زاوا) للمغربي نبيل عيوش، و(الرحلة الكبرى) للمغربي أيضا إسماعيل فروخي، وأخيرا (الأمير) للتونسي محمد زرن، ويبدو من طبيعة الاختيارات أن توزيع الأفلام جاء متوازنا جغرافيا بالنسبة للدول المطلة على حوض الأبيض المتوسط، كما أن مواضيع الأفلام كانت متنوعة هي الأخرى، فمن الشأن الأسري الذي يتناول الحواجز الاجتماعية المربكة والمشوشة لأحلام الأنوثة البسيطة والعفوية، إلى مواضيع تتعلق بالعنف الاجتماعي الذي يحاصر الأطفال المشردين والخارجين من مخاضات الشوارع الخلفية، وبكل ما تحمله هذه الشوارع والدهاليز السرية من أحلام وكوابيس ومتاهات وقصص داكنة، وصولا إلى مواضيع أخرى تناقش الهواجس الدينية المشتتة بين التطرف والاعتدال، وبين التفسيرات المتباينة التي تحول الدين أحيانا إلى مطية لارتكاب المذابح بدم بارد وبضمير مستند على مرجعية ذاتية عمياء ومغلقة·
هزال مادي وتخمة رقابية
وقد يتساءل المرء عن الدلالات والمضامين التي يحملها عنوان الفعالية (مهرجان متجول للفيلم العربي الفرنسي) لأنه عنوان يبدو ملتبسا وشائكا فيما يتعلق بالمزج غير المنصف بين الهوية المستقلة للفيلم كمحتوى متماسك وكموضوع له خصوصياته وأمزجته، وبين الجهة الممولة لهذه النوعية من الأفلام·
يطرح هذا العنوان أيضا ذلك الجدل المتكرر حول تبعية الفيلم (الفرانكفوني) لشروط المنتج والصراع المحتمل بين هذه الشروط وبين طبيعة الفيلم ورسالته وحيثياته، فأن يكون الفيلم عربيا في طرحه وأجوائه، ويكون في ذات الوقت خاضعا لرقابة وتسييس من نوع خاص من الجهة المنتجة، يعني أن هذه الأفلام لن تكون بريئة في المطلق، وأن تهما من نوعية إرضاء الطرف المنتج والتنازل عن بعض الأفكار أو تحويرها ستكون واردة بلا شك عند الحديث عن صياغة علاقة تبادلية ونفعية بين المخرج وبين الشركات الفرنسية الممولة لهذة المشاريع· من جهة أخرى فإن المدافعين عن هذه الهوية المختلطة للأفلام يتحدثون من خلال منطلقات فضفاضة عن التبادل الثقافي والتعاون المشترك، لكنهم في العمق يعبرون عن الاحباطات التي تواجههم مع الشركات المنتجة في بلدانهم الأصلية والتي دائما ما تعاني من الهزال المادي ومن التخمة الرقابية!· كما أن صناع الأفلام المدافعين عن هذا التوجه يشيرون لفرنسا على أنها دولة متفتحة على التعددية الثقافية للبلدان الأخرى، بغض النظر عن المرجعيات العرقية والدينية والسياسية لهذه البلدان، وأنها تتيح لهم فرص التعبير عن هواجسهم الفكرية بطلاقة فنية لا يمكن لهم ان يبثوها في أفلامهم مع كثرة الشروط والإملاءات والعقد البيروقراطية التي تعيق نتاجاتهم السينمائية في الداخل، خصوصا وأن أفلامهم عادة ما تشتمل على أفكار صادمة وجريئة وتكون أقرب لمناخات السينما التسجيلية مع عدم التنازل عن الصبغة الفنية التي تذهب بالفيلم إلى مناطق شعورية وروحية مرتبطة بالذكريات الشخصية للمخرج أو المؤلف وبالألم الاجتماعي والقهر السياسي ولكن بعيدا عن اللغة الخطابية المباشرة·
الدعاية المضاعفة
يشير المخرج السوري محمد ملص في حواراته الأخيرة عن فيلمه (باب المقام) إلى الكبت الرقابي ونقص التمويل، وإلى سوء الفهم المزمن لخصوصية الفن السابع في البلدان الشرق أوسطية، فمثل هذه التراكمات المتأصلة أدت إلى منع تصوير وعرض فيلمه في بلده، لذلك فهو يرى في اللجوء إلى شركات الإنتاج الغربية الحل الوحيد حاليا للخروج من هذا المأزق المتعلق بالوعي المفتقد في الداخل، وبالآليات المرنة المصاحبة لعمليات الإنتاج والترويج عند الآخر·
منع فيلم محمد ملص من العرض يشير وبشكل طبيعي إلى جرأة الفيلم وتصديه وتعريته لبعض الجوانب المسكوت عنها في المجتمع الشرقي المنغلق على حكاياته وقصصه وإشكالاته الداخلية، وفي نفس الوقت فإن هذا المنع دائما ما يمنح الأفلام المغضوب عليها قسطا وافرا من الدعاية المضاعفة ومن الانتباه الكبير من قبل الأوساط السينمائية والنقدية في الغرب، وهذا هو المطب الذي دائما ما تقع فيه الجهات الرقابية العربية؛ فهي تساهم بشكل أو بآخر في تكريس سوء الفهم المتواصل بين صناع الأفلام وبين المعايير الرقابية القديمة والبائدة، وفي ذات الوقت تقوم هذه الجهات من خلال المنع بإثارة فضول الآخرين واستجلاب تعاطفهم مع المخرج (المارق والمتمرد والمغلوب على أمره أيضا!)·
لعبة خبيثة
وهناك من المخرجين من يتلاعب بخبث مع هذه المفارقات الرقابية ومع معاييرها المستهلكة، كي يحجز لمشروعه الفيلمي مكانا في أجندة الموازنات الغربية المخصصة لأفلام البلدان الفقيرة والمضطهدة !، خصوصا عندما يصر هذا المخرج على التعامل مع قصص وسيناريوهات تتناول التابوهات الدينية وتتطرق للمحرمات الاجتماعية بشكل استفزازي ومقصود، من خلال تقديم صورة نمطية عن الهيمنة الذكورية واضطهاد المرأة وتهميشها، أو من خلال التطرق للمواضيع السياسية المثيرة والقادرة على إسالة لعاب المنتج الغربي· ورغم كل هذه الإشكاليات المتعلقة بالوعي والأفكار النظرية والتوجهات السينمائية المتباينة فإن المخرجين المستفيدين من فرص إنتاج أفلامهم في الخارج دائما ما يؤكدون على المناخ الصحي والاحترافي الذي يحيط بهم، كما أنهم يعبرون عن استفادتهم القصوى من النواحي الفنية والإنتاجية والتقنية المتطورة التي تصل بفيلمهم إلى مراحل عالية ومتقدمة فيما يتعلق بجودة المنتج البصري والسمعي·
وفي النهاية وبغض النظر عن اعتبارات الرقابة والتخلف التقني وسوء التوزيع والفهم في بلدان العالم الثالث، فإن المخرج هو المسؤول أولا وأخيرا عن قيمة وجمالية وأصالة ما يقدمه، كما أن إيمانه النقي والخالص بعمله وأفكاره ورؤيته هو الذي يحدد العمر الفني لفيلمه ومدى بقائه في الذاكرة السينمائية، ومن دون حاجة للتسول والتوسل بحثا عن اعتراف الآخر به وبشرعية وجوده كفنان مؤثر وخلاق ومبتكر، لأن هذه الشرعية يجب أن تصدر من الذات أولا، وهذا الاعتراف يجب أن ينبع من المداومة على البحث والتجريب واكتشاف الحساسيات والمدارس الجديدة في عالم السينما·
إن شجرة الإبداع المصرة على المقاومة والتفتح، هي التي لا تنحني لرياح الآخر ولشروطه النابعة من توجهات غامضة ومشبوهة، وهي التي تعكس وتعبر في النهاية عن بصمات وعروق الأرض التي خرجت منها·

اقرأ أيضا