الاتحاد

فكر

الأصنام الذهنية وأزمنـة الخيارات الصعبـة

القناع

القناع

بعد دراساته ومؤلفاته المتعددة والمتتالية ومنها ''النفس المبتورة: هاجس الغرب في مجتمعاتنا ـ ،''1991 و''أوهام الهوية ـ ،''1993 و''ما الثورة الدينية ـ ،''2006 يواصل المفكِّر داريوش شايجان قراءة المشهد العالمي بروح نقدية حرة· وفي هذا السياق صدرت له مؤخراً دراسته الجديدة ''الأصنام الذهنية'' عن دار الهادي في بيروت بترجمة حيدر نجف، وقد عرض لها بالتحليل الكاتب اللبناني الأستاذ أحمد زين الدين، نقدِّم هنا ملخصا لقراءته دراسة شايجان عن الأصنام الذهنية·
في لغة ثرية تتواشج فيها عناصر فكرية كثيفة ومتنوعة، يحاول داريوش شايجان، أن يرسم في مجمل أطروحاته صورة رجراجة لعالم الشرق المأزوم، الذي يتلجلج تحت وطأة تحولات لا يدَ له في انبثاقها أو استمراريتها، ومسارات لا حيلة له في إطلاقها أو إيقافها، مسارات نافذة وعالمية تجتاحه على كل الصعد والمستويات، ولا يملك أي متاريس تقيه من غدرها واعتداءاتها، وإن كانت هذه المسارات وقوانينها السارية ثمرة تاريخ الغرب الذي أدار ظهره، مطلع العصور الحديثة للشرق وأصنامه الذهنية· فإنها تطرح على الإنسان الشرقي المعاصر ضرورة ملحاحة، لأن يتعرَّف على ذاته من جديد، ذات لم تعد كما كانت، ولا كما كان أو ما يزال يتصورها، إنما ما هي عليه اليوم من وعي معلق ومحكوم عليه باغتراب يتضاعف: عن إله كلي القدرة تبدل إلى مفهوم أخلاقي، وعن طبيعة فارقتها الروح، وعن زمن روحي انقلب إلى زمن مادي، وعن عالم مدنس ومكمم ومُعلمن·
الإشكالــية التي تشخصها كتابات شايجان، هي أن الشــرق محكوم عليه أن يعيش في عالم لا يستـطيع حيازته، أو أن يختار منه ما يلائمه وما يناسبه من عناصر·
ما يُفرض على الشرقي هو بناء واحد، وكيان غير قابل للتجزئة، يرسي رؤية جديدة للعمل والطبيعة والزمن· وأقصى ما يسعه أن يفعل هو إيجاد تناغم أو مصالحة بين النقيضين· وهذا ما لا يمكن أن يتحقق إلا بمزيد من الازدواجية المرضية في غالب الأحيان· ويعبر داريوش عن هذا المأزق الوجودي الفكري، وعن هذا العجز الشرقي عن تفعيل الماضي واستعادته من جهة، وبناء مرتكزات فكرية موازية أو جديدة من جهة أخرى، بالعبارة الموحية طُردنا من هناك، ولم نلحق بهنا ·
قاطرة التاريخ تتسارع تاركة إيانا نحن الشرقيين نتخبط في فلوات الخيالات العقيمة، وإزاء مفاهيم ومقولات لفظية لم نعد قادرين على إحيائها· وأزمنة فقدنا كل سلطان عليها· وهي تدهمنا وتفرض علينا منطقها ومنظورها· وعالم كثيف ينبثق من كل مكان، ولا نستطيع أن نتجنبه، ونحن في الآن نفسه مسؤولون عن نتائجه· فالأنموذج الغربي يتعمم ويهيمن على كل الفضاءات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، في حين تتقلَّص مساحة الثقافات والحضارات الشرقية التقليدية، وتتصارع فيها الخيارات والبدائل· أو تنزلق إلى تقليد أعمى، ومحاولات لا مجدية للإحالة إلى عصور ذهبية متخيلة، تعبِّر عنها أصوليات دينية وطقوسيات شكلية تنتشر كالفطر في الفضاء العام، عبر ذيوع منظومة رمزية من السلوكيات والعادات الموروثة·
كل هذه المساعي تبحث عن مدارات وملاذات موهومة يمكن عزلها عن موجات الحداثة المتعاقبة، وإرجاع عقارب الساعة إلى لحظة ما قبل الحداثة، في حين أنها ملتصقة ومتفاعلة ومتعايشــة مع الحقبة الحديثة، بل تستولي حتى على مكتسباتها وتوظفها في دعاويها· وأسطع مثال على ذلك استخدام الأصوليين الشبكة العنكبوتية بكثافة· فلم تعد ثمة فرصة أمام الجميع لأي تفرد، أو خروج عن جاذبية التلاقح العقلي· فالتاريخ العالمي، وإن حدثت اختماراته الحداثية وتحولاته الفكرية والاقتصادية والعلمية بمعزل عن الحضارات الشرقية، إلا أنه يسبغ اليوم على العالم صورته ومنطقه وطرائق تفكيره·
في مثل هذا العالم، لا تقوم سلطة أعلى من سلطته، ولا حضور سوى حضوره الكلي، والشرق يتغرَّب شاء ذلك أم أبى، وإن كان من مصالحة أو توفيق بين ما كان عليه الشرقي أو المسلم، وبين ما هو مفروض عليه اليوم، فلا أقل من أن يعيش المرء في هذه الحالة عيشة هجينة تحمل التناقضات في أحشائها· فيكون المسلم مسلماً أصيلاً، ومقاولاً رأسماليا، وقومياً متحمساً في آن· أما المعادلات والمتوازيات بين المفاهيم الشرقية والغربية فتذهب أدراج الرياح، لأنها مفاهيم ينتمي كل منها إلى عالم متباين عن العالم الآخر· العالم الأول انزاحت نظرته من فوق إلى تحت، وانتقل من الإلهي إلى الإنساني· والعالم الثاني عالم ''الميتوس'' الذي يتعالى على الشيخوخة والنهاية، ويتموضع في لا زمانية الزمن الأول· وهو عالم تضيئه دراسة شايغان الجديدة: ''الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية''· في هذه الدراسة يستعيد شايجان موضوعه الأثير، وهو التمايز الجذري بين الرؤية الشرقية والرؤية الغربية· أي بين الرؤية الشعرية الأسطورية، والتفكير العقلي التجريبي· أو ما يسميه في مقابلة حديثة مع صحيفة فرنسية ''الأضداد التي تتلامس في نهاية المطاف''·
تستدعي أصنام داريوش شايغان الذهنية أصنام ''فرانسيس بيكون'' رائد الفكر الوضعي والمنهج الاستقرائي في الغرب الحديث، الذي أدانها تحت شعار المعرفة التجريبية· وهي فرضيات ذهنية حصرها بيكون في أصنام القبيلة والكهف والسوق والمسرح· وقصد بيكون من نقد هذه الأصنام ضرب الهيمنة الروحية للكنيسة، والرؤية الكونية السابقة والتقاليد والمعتقدات القديمة·
أما أصنام شايجان، وإن لم يحمل الفأس لتحطيمها على طريقة بيكون، إلا أنه ترفَّق بها، وكتب عنها بعذوبة تضلل أحياناً القارئ، وخصوصاً من لم يقرأ مجمل كتاباته، فيستريب من أنه يؤثر بهذه اللغة المحمومة تلك الفضاءات الروحية التي يتغنى بها· لكن الواقع أن شايغان يدعو إلى إخلاء الفضاء العام من الأساطير والبالية والمعتقدات العتيقة كي تقوم مكانها منظومة قيم جديدة، إلا أنه يشير إلى الأبعاد الإيجابية لهذه الأصنام الأزلية في حينها، عندما كانت فاعلة ومؤثرة في المجتمعات التقليدية الغابرة، مثل الهندوسية والصينية والفارسية· وكانت الينبوع الروحي والصورة الأزلــية الأولــية، والوشيجة اللامرئية التي تشكل الذاكرة القومية وتحييها، والتي تجلت في الفلــسفات الشرقية، وانبثقت في الفنون التقليدية والمنمنمات، وفي الفن التزييني للسجاد الشرقي والنقوش، وفي أعمال التذهيب، والمزاوجة بين الشعر العرفاني والموسيقى، وفي هندسة الحدائق والروضات الغنّاء·
اليوم باتت هذه المقولات عوائق معرفية، في عالم حديث شهد حركة وانتقالاً من العلوي إلى السفلي، ومن العقل إلى الغرائز، ومن الغائية وفكرة المعاد والنشور، إلى عبادة التاريخ، ومن الروحانية إلى التعقل، ومن اليقين إلى الشك· ومثل هذا الفكر الحداثي المبني على التجريبية والعينية، وعلى الفرز ما بين الدين والفلسفة، والروح والجسم، محكوم عليه أن يقوّض أصنامه القديمة ليكشف عن مكامن حيويته المتوثبة، ويحرر تاريخه من كل ما يعوق اندفاعه إلى الأمام، سعياً وراء الغايات العملية والمنفعة والربح· وتطويعاً لطبيعة لم تعد مخلوقاً حياً وسحرياً، كمــا كان ينظر إليها الشرقيون، بل مخــزناً لا ينــفد لاستخراج ذخائرها تدريجاً، وتحويلها إلى بضائع استهلاكية· وعــوض أن تــكون الطبيعة مرآة لتجلي الألوهية، أضحت منجماً للثروات والإنتاج· وبات العلم في علاقتــه معها الملاك الوحيد لتحديد قيمة المعـرفة، وأضحت الاعتبارات الاقتــصادية والتقـنية متقدمة على القيم المعنوية والروحية· وفي كتابه ''النفس المبتورة'' كان شايغان قد ألمح إلى مفارقة رسمت أيضاً التباعد بين الفضاء الغربي والفضاء الشرقي· هي المفارقة بين رينيه ديكارت ومعاصـره المــلا صــدرا شيرازي 1571 ـ 1640؛ ففي حــين قطع الأول مع الماضي، وفتح طريق الحداثة التي أوصلت الغرب إلى هذه النــزعة الدنيوية المرتكزة إلى العقلانية المؤسسة لقوانين الطبيعة الرياضية والفيزيائية· أضاف الثاني اللبنة الأخيرة إلى البناء الغيبي الإسلامي الذي أبقى الشرق معلقاً في فضائه الهيولي (الوجود الأصل أو الوجود العاري من كل تشخيص)، وفي مغامرات الروح وتمظهراتها في النفس والطبيعة· ولم تتجاوز التطورات الفكرية التي أعقبت الملا صدرا الشروحات التي تكدست حول أعماله، حتى بلغت حدود التحجر المدرسي المنغلق على مقولاته ومفرداته·

اقرأ أيضا