الاتحاد

فناء الكنز

الصداقة وهم كبير يحياه أغلبنا وربما أمل يتجدد داخلنا ولكنه بعيد المنال وإلا لما كان الخل الوفي ضمن العجائب السبع، فأي علاقة وطيدة بين طرفين تسمى صداقة نسبة للصدق الذي تتسم به العلاقة، ربما كان هذا متوفراً منذ زمن ليس بالبعيد كما نسمع عن صداقة العمر بين اثنين بمعنى أنها تبدأ منذ الصغر وتكبر معهم وتنتقل تلقائياً لأبنائهم فتبدو وكأنها متوازنة بين الأبناء· كانت علاقة الصداقة عن حق تبنى على المحبة والإخلاص والصدق والتضحية ولا أبالغ إن قلت على إنكار الذات لدى الطرفين، كانت الصداقة تنشأ على صدق المشاعر والأحاسيس لرفع المعاناة عن كاهل الصديق، كانت النفوس راضية بما كتب الله لها·· باختصار كانت صفات سامية نفتقدها الآن ربما لا تمثل الصداقة عند البعض شيئاً يذكر وعند آخرين هي ركيزة مهمة تبنى عليها جوانب حياتهم لكن من منا لا يعني له الصديق الشيء الكثير ومن منا ليس بحاجة بأن يتبادل الرأي والمشورة ويفصح عما بداخل نفسه من هموم ومشاغل ويزيح عن كاهله ما يثقلها من متاعب الحياة التي لا تنتهي ليلقي بها في واحة الصديق الذي يتسع صدره وقلبه لاستيعاب هموم صديقه الذي يفرح لفرحه ويحزن لحزنه أين نحن الآن من كل ذلك؟ تعالوا معاً ننظر لصداقة هذا الزمان الذي نحياه وإن وجدت·
نجد أناسا يقتحمون عليك حياتك يشيدون بصفاتك الحميدة ويمنحونك ويلازمونك كذلك تتوسم فيهم الخير وتتكشف أمامهم كل جوانب حياتك وترفع لهم الراية البيضاء فلا يساورك الشك في حسن نواياهم وتسير بكم الأيام وربما الأعوام وكل شيء على ما يرام وفجأة وبلا أي مقدمات تجد من كنت تعتبره صديقك الصدوق ينقلب عليك ويسيء لك وينسب لك صفات ليست فيك ويتناول جوانب حياتك بكل قسوة وبلا أمانة ليشوه صورتك لدى من يقدرونك ويحترمونك مثل هؤلاء تقف أمامهم كثيراً وأنت في حيرة من أمرهم، وتتساءل مع نفسك، لم يسيء اليك من أحسنت اليه وفتحت له أبواب قلبك قبل أبواب بيتك وحياتك؟ وماذا تقول عندما تتكرر الصدمات والضربات التي تأتيك ممن كنت تتوسم فيهم صدق الأحاسيس والمشاعر لدرجة تفقدك الثقة في نفسك وتجعلك تتوقف متأنيا مع نفسك متسائلاً لها ليكون الخطأ فيك أنت وفي شخصيتك العفوية التي لا تظن السوء بأحد وكيف يساورك الشك بمن جمعتك بهم العشرة والعيش والملح وكلاهما لهما قدسيتهما عند الله سبحانه وتعالى، كم من صداقات خابت فيها الآمال عندما ترتبط بالمصلحة لم تنته بقضائها·
يقولون (الصديق وقت الضيق واختار الصديق قبل الطريق والصديق من أصدقك القول حتى لو أغضبك) والعديد من الأمثلة التي تتناول الصداقة بمعناها الصحيح لكن في زماننا هذا اختفت من قاموس حياتنا الصداقة بمعناها الحقيقي بل الأعجب من ذلك أنها أصبحت من الأشياء النادرة فصعوبة الحياة وزيادة متطلباتها والصراعات على المكانة والكرسي جعلت الناس في شغل شاغل عن إقامة العلاقات الإنسانية بينهم فتجد نظرة الاستنكار تكاد تفتك بك إن عاتبت أحدهم عن عدم سؤاله عليك وتحية الإسلام (السلام) تجد إذا تنازل الفرد وقرر تحيتك يرفع لك يده وهو لا يكاد حتى ينظر اليك، وتجد المكان الواحد يجمع العديد من زملاء العمل أو جيران السكن لا يفتقد أحد غيابك عنه لأيام وربما لا قدر الله تمرض فلا يشعر بك أحد· أصبح التجاهل الآن هو السمة السائدة بين الناس الكل يتعامل بمبدأ طنش تعش (وكبِّر) بمعنى كبر دماغك ولا تدقق على هذه التفاهات هل تصدقون؟! أصبح الحرص على المشاعر والأحاسيس من التفاهات في أي زمن نحياه·
لم يعد هناك متسع في قلب ولا نفس أي فرد لينصت لأحد، أغلب العلاقات أصبحت تيك أواي وعلى الطاير وبأسلوب هاي باي·
لقد سلبت تحديات الحياة نبض الحياة والروح من العلاقات بين الناس لدرجة أنك حتى وإن أقدمت على مجاملة شخص له مكانة خاصة في قلبك لا تسمع منه حتى كلمة شكر وكأنك بذلك قد فرضت نفسك عليه، ويعطيك الإحساس بأنه في غنى حتى عن صدق مشاعرك نحوه حتى إن العلاقات بين زملاء العمل خلت من الود، وأصبحت رؤيتهم لبعضهم حسب التساهيل والصدفة الكل منشغل بملف الإنجاز الخاص به ليحشوه بأكبر قدر من الأوراق ليتميز عن زملائه وينال رضا رؤسائه متناسين رضا رب العالمين·
اندثرت العلاقات الإنسانية بين الزملاء لا وقت ليتفقدوا بعضهم، وربما يتلاقون فقط عند توقيع الحضور أو عند باب الانصراف، وأصبحت الحياة باردة خاوية من دفء العواطف جافة لا يسودها الود والرحمة والإخاء فما أقسى الإحساس بصقيع الغربة والوحشة في مكان عامر بالناس ولكنه خال من التواصل الإنساني· أن يصل بنا الحال لهذا القدر من التفكك الحسي فليرحمنا الله ويسعنا برحمته ولا عزاء لمن ينشد الصديق هنا وهناك فلا يجده·
سهير يوسف ـ أبوظبي

اقرأ أيضا