صحيفة الاتحاد

ثقافة

جيمي سنتياغو.. حين يكسر الشعر قفل الزنزانة

محمد عريقات (عمّان)

في مقام الفقد، الشخصي والعائلي، وتبعاته التي تبدأ في رحلة البحث عن الوهم كملجأ مثل اللجوء إلى الإدمان كحياة موازية، ومن ثم حدوث انعطافة غير متوقعة تكون بمثابة ولادة جديدة أو ولادة ثانية تمنح المرء فرصة لأن يختار عالمه الجديد بما فيه من أشخاص وأحداث، نتذكر الشاعر الأميركي المعاصر جيمي سنتياغو باكا (1952) وهو من أصول هندية، وكيف فرض عليه اليتم العيش عند جدته التي ما لبثت أن أرسلته إلى دار للأيتام مكث بها قرابة 13 عاماً حتى ضاقت روحه، فهرب إلى الشارع الذي طالما منحه الوهم في مخيلته أشكالاً عديدة، إلا أن سنتياغو لم يجد خارج دار الأيتام غير حياة التشرد، والرعب، والإدمان، وقد استمرت حتى بلغ 23 من عمره، حيث قبض عليه بتهمة حيازة المخدرات وسجن لمدة ست سنوات قضى ثلاثاً منها في زنزانة انفرادية، وفيها قاده الضجر لتعلم القراءة والكتابة، وكان أول اطلاع أدبي له في كتاب سرقه من السجّان، فراح سنتياغو يكتب ويعبر عن العديد من القضايا التي كانت حائرة داخله أبرزها التراث الشعبي لثقافته الأصلية وتعلقه بهذا التراث كعلاقة بالأرض والتاريخ، وقد تجلى ذلك ببحثه عن الهوية أو العودة إلى الجذور، كما صور بقصائده تجاربه القاسية بالتشرد والضياع.
ومنذ ذلك الحين والكتابة لدى سنتياغو، كما صرّح في حواره الذي أجراه معه المترجم والكاتب تحسين الخطيب، وسيلة يستخدمها للحفر عميقاً في جبل الحياة، وعلى الدوام كان يكتشف الذهب الخالص، والطرق الجديدة التي سوف يسلكها، فهو يكتب بمتعة وقفزات عظيمة من الحب والإيمان، فثمّة جبال، على حد تعبيره، يتوجب تحريكها.
«وجدتُ أجزاءً من نفسي لم أحلمْ أن تكون منّي/‏ كانت تخرج من تحت الصخور في قلبي/‏ حين رُفعت الجدرانُ أعلى/‏ وحين أُوقفت المياهُ وطُليتِ النوافذُ بالأسود/‏ ولقد تبعتُ هذه الإشارات كمتعقّبِ آثارٍ عتيق/‏ سلكتُ المساراتِ في عمق نفسي/‏ وتتبعتُ المسارَ المبقَّعَ بالدماء عميقاً في المناطق الخطرة/‏ فوجدتُ أجزاءً كثيرةً في نفسي/‏ علّمتْني أنّ الماء ليس كلَّ شيء/‏ ومنحتني عينيْن جديدتيْن لأرى من خلال الجدران/‏ وعندما تكلّمتْ تلك الأجزاء سطعتْ أشعّةُ الشمس من أفواهها/‏ من سيَفهمني عندما أقول إنّ هذا جميل؟».
عمل سنتياغو منذ اللحظة التي اكتشف بها ذاته/‏ الشعر على تطوير أدواته بالقراءة في كل ما يتعلق بالشعر والشعراء، فأصدر أولى مجموعاته الشعرية تحت عنوان «مهاجرون من أرضنا» 1979 العام الذي أطلق به سراحه، حيث أكمل تعلمه لينال الدكتوراه الفخرية من جامعة نيومكسيكو، وأنشأ مؤسسة خاصة «شجرة السدر» تقدم المساعدات لمن يحتاجون إلى من يعينهم على التغلب على صعوبات الحياة، فأقام المئات من ورش تعليم الكتابة في السجون والمراكز الاجتماعية والمكتبات والجامعات في أنحاء الولايات المتحدة، توفر فرص تطوير الحياة والمواد الكتابية والكتب وغيرها.
وعن ذلك يقول في الحوار ذاته: «دائماً ما لازمتني فكرة إنشاء مؤسسة غير ربحية تعمل على تحديد احتياجات الشعراء والكتّاب الذين يحتاجون إلى التحرّر من الجنون اليومي، ولكنني لم أتمكن من كسب أموال كافية تشييدها إلّا في الآونة الأخيرة، فأصبح الحلم حقيقة وصرنا نمتلك مكتبة متنقلة تخدم المجتمعات النائية، كما أننا نساعد المعلّمين على تنظيم الورش، ونقدم إلى الآخرين كتباً مجانية، ولكننا دائماً ما نفتقر إلى المال، لأنني أمنح كلّ ما أستطيع، وأصرف على المشاريع من أموالي الخاصة. لقد جابهتنا عوائق كثيرة، ولكنني لا أسعى إلى شفاء العالم من أمراضه، فأنا أؤمن بكل بساطة بالعمل مع الناس لفعل ما أستطيع لمساعدتهم على إدراك الجمال الكامن في سعيهم إلى تحقيق ذلك».