الاتحاد

الإمارات

«رحلة البحث عن موقف».. ضغوط نفسية تهدد العمل والأسر

يبدأ خلدون عبدالفتاح، الموظف في شركة خاصة، يومه برحلة «البحث عن موقف». فلا يترك شارعاً فرعياً أو رئيساً في منطقة مستشفى آل مكتوم بدبي، التي تضم مقر عمله، إلا وجال فيه، متلفتاً في الاتجاهات الأربع بحثاً عن موقف مدفوع يؤوي إليه، ليلتحق بعمله في الوقت المحدد. عندما يكلّ من البحث، يركن خلدون مركبته على جانب الطريق، يشغّل الضوء الرباعي، يتخذ وضعية القناص، ويشغّل معه حواسه جميعها، منتظراً رؤية راجلٍ يحمل مفتاحاً بيده، أو لمح ضوء «بريك» أحمر يتبعه ضوء «ريوس» أبيض، أو سماع صوت تشغيل محرك أو إغلاق باب مركبة، ليسارع إلى الاستحواذ على المكان قبل أن يسبقه آخر من المتعطشين للمواقف، وهم كثر. ولا تختتم كل صباحات خلدون بهذه النهاية السعيدة. فأحياناً كثيرة يفشل في العثور على موقف مناسب في الوقت المناسب، فيضطر إلى الوقوف في مكان ممنوع، أو استمرار البحث والتأخر عن بدء الدوام، والنتيجة إما مخالفة مرورية ملصقة على زجاج سيارته الأمامي، أو بريد إلكتروني يحمل تأنيباً أو إبلاغاً بخصم، عقوبة على تأخره. خلدون اهتدى إلى طريقة تجنبه كلتا العقوبتين، حيث بات يركن سيارته بعيداً عن مكان عمله، ويتابع طريقه سيراً على الأقدام، كما أنه يفكر باستقلال المواصلات العامة، بعد أن حوّلته ضغوط البحث عن موقف إلى شخصية نزقة وعصبية، وانخفض مستوى أدائه في عمله، وتراجعت علاقاته مع أسرته وزملائه بسبب التعب الجسدي والنفسي الذي تتسبب به رحلته الصباحية من المنزل إلى العمل.


تحقيق: شروق عوض

يخلف الازدحام المروري واكتظاظ المواقف أزمات نفسية تؤثر سلباً على الحياة الاجتماعية والاقتصادية، حيث تزداد الشحناء في الأسر وينخفض أداء الموظفين، بحسب متخصصين اقترحوا حلولاً تتعلق بالأفراد والجهات الرسمية المنظمة للشوارع والمواقف، كان أبرزها استخدام وسائل المواصلات العامة، وزيادة أعداد المواقف المدفوعة وإجراء مزيد من الدراسات حول المناطق المكتظة.
وفي ساعات الذروة، تختنق شوارع حيوية في الدولة، خصوصاً في دبي، بصفوف متراصة من السيارات، وتدور أخرى في دوائر مفرغة بحثاً عن مواقف، في مشهد متكرر كل صباح ومساء.
ويشكو كثير من الموظفين من حجم التعب والإحباط الذي يشعرون به، جراء الازدحامات المرورية التي تحوّل مسافة قصيرة إلى رحلة طويلة تتطلب أضعاف ما تحتاج من وقت، مشيرين إلى انعكاس ذلك على نفسياتهم في العمل والمنزل، حيث يلجأ بعضهم إلى تفريغ إحباطه في وجوه زوجته وأبنائه، بينما يميل من يتمالك نفسه إلى الانزواء بعيداً عن أسرته ريثما يهدأ.
ويمضي محمود أسد، موظف، بما معدله ساعة ونصف الساعة يومياً، باحثاً عن موقف لمركبته حول مقر عمله بدبي، ليدخل بشكل شبه يومي في مشادات مع رؤسائه جراء تأخره المتكرر، وعند مغادرته العمل، تبدأ رحلة أخرى للبحث عن موقف قرب مسكنه، لتستغرق العملية منه ساعتين ونصف الساعة تقريباً، إلا إذا ضحك القدر في وجهه فصادف موقفاً يركن إليه.
يقول: إنه أمر مزعج لي ولأسرتي، حيث أعود مرهقاً جداً، وعندما أفتح باب المنزل، يستقبلني أطفالي، فتكون ردة فعلي باردة، ولا أقوى على احتضانهم أو مداعبتهم، ثم ألقي بنفسي فوق أقرب مقعد، طلباً للراحة من عناء البحث عن مواقف.
ويضيف: أن زوجتي كانت تعاتبني على برودي مع أطفالنا، لكن حين شرحت لها معاناتي في البحث عن موقف مدفوع يجنبني مخالفة الاصطفاف بأماكن غير مخصصة، تفهمت ذلك، وباتت تأخذ عني عبء مجالسة أبنائي ومحادثتهم وتدريسهم.
ويتابع: من ضمن الحلول التي ابتكرتها لتهدئة فورة غضبي هي قصد المسجد عقب العثور على موقف، وأداء صلاة العشاء، وبالتالي الوصول إلى منزلي هادئاً نوعاً ما.
اضطرابات طالت الأبناء
أما فاطمة هلال، فهي ربة منزل وأم لخمسة شباب، ويعمل زوجها في شركة مقاولات خاصة في منطقة ديرة، وتمتلك عائلتها سيارتين، تقول: لا يمر يوم دون تعرض ابني البكر لمخالفة مرورية واحدة على الأقل، حتى تراكمت عليه المخالفات وبات غير قادر على دفعها، مطالبة بتوفير مواقف بديلة للسكان قبل البدء في تطبيق نظام المواقف المدفوعة.
وتشير إلى أن زوجها يغادر المنزل في الساعة السادسة صباحاً حتى يتمكن من العثور على موقف قريب لشركته، ويعود إلى المنزل في التاسعة مساء، بعد أن يتمكن من ركن سيارته.
وتتابع: البناية التي نقطنها قديمة، ولا تضم مواقف خاصة بها، وبالتالي فإن ندرة المواقف حولها تسبب تعباً نفسياً لزوجي وأبنائي، الذين يمضون وقتاً طويلاً في البحث عن موقف، ومع ما يرافق ذلك من مشاحنات مع سائقين آخرين.
مخالفات ورحلات أعصاب
ويحمد عبدالحميد عبدالعزيز، موظف، الله على أن منطقة سكنه تتوافر فيها مواقف كثيرة، لكنه يلمس حجم المعاناة عند الذهاب للتسوق من بعض الأماكن الحيوية، حيث يمضي أحياناً ساعة كاملة في البحث عن موقف مدفوع لتفادي المخالفة التي تبلغ 200 درهم فيما لو تجرأ على الوقوف على كتف الطريق.
ويصف عبدالحميد ذهابه إلى التسوق بأنه «رحلة أعصاب وتوتر، تدفعني بعد العودة إلى الانزواء وعدم التواصل مع الأهل إلا بعد الهدوء واستجماع قواي».
تحولات في الشخصية
ويقول علي أحمد، موظف: أعاني كثيراً من ندرة المواقف المدفوعة لدرجة أنني أصبحت شديد العصبية، مع العلم أنني كنت أتميز بالهدوء، مشيراً إلى أن بات نزقاً ويزاحم الآخرين للحصول على موقف.
وبالنسبة لعبدالله البلوشي، موظف، الذي يرى، من واقع تجربته ومشاهدته لما يحدث في المناطق الحيوية من ندرة المواقف المدفوعة، أن الناس أصبحوا شديدي التوتر، وهو ما أثر حتى في عطائهم العملي، حيث بات الازدحام يتحكم في أمزجتهم وأعمالهم ومردوداتهم.
ويقول البلوشي: إنّها ضريبة الحداثة، ولا نستطيع تحميل الشرطة المسؤولية لأنها تقوم بدورها في مراقبة الطرقات للتخفيف من ازدحامات السيارات المخالفة والمصطفة في الأماكن غير المخصصة؛ فمرتادو الطرق إضافة إلى هيئة الطرق والمواصلات وعناصر أخرى تتحمل مسؤولية ما يجري.
خسائر اقتصادية
وتدفع المحال التجارية الكائنة في أماكن حيوية ضريبة مرتفعة، حيث أكد بعض أصحابها أن مبيعاتهم انخفضت إلى النصف، بعد تعميم نظام المواقف المدفوعة ومعاناة الزبائن للحصول على موقف في أوقات الذروة، إضافة إلى تعرضهم هم أنفسهم لمخالفات متكررة جراء ندرة المواقف المخصصة لسياراتهم.
ويقول سعيد الجابري، مالك لمحل ملابس في منطقة مرشد، إنّ رواد المنطقة يعانون مشكلة ازدحام المواقف المدفوعة بالمركبات منذ فترة طويلة، ما يدفعهم إلى العدول عن الشراء والتوجه إلى أماكن أخرى، مطالباً هيئة الطرق والمواصلات بمراعاة النمو السكاني، وبناء مواقف مدفوعة جديدة، أو إلزام السائقين بعدم الدخول لهذه المنطقة نتيجة لازدحامها.
ويضيف أنّ بعض الزبائن يلجأون إلى إيقاف سياراتهم بشكل غير قانوني، ما يفاقم الأزمة المرورية ويتسبب في مزيد من الإرباك.

علم النفس: الازدحام يزيد من حجم الضغط النفسي على الفرد
تؤكد الدكتورة هبة شركس استشارية نفسية وخبيرة أسرية في المركز الأميركي للاستشارات والتدريب، أن تأثير الضغوط اليومية من ازدحام المواقف المدفوعة تزيد من حجم الضغط النفسي على الفرد، حيث إن الازدحام وثقافته أسرع بكثير من الدراسات التي تجرى بشأنه، فلقد أجريت دراسات خاصة بالازدحام على الحيوانات منها الفئران، فتبين أن اضطراباً انعكس سلباً على سلوكها، مستدلة بذلك على تأثير الازدحام على الإنسان سواء في محيطه العملي أم الأسري.
وتوضح شركس، أن بعض الدراسات التي أجريت على الإنسان وتركزت على وضعه في بيئة أكثر انتظاماً وترتيباً أظهرت انعكاساً إيجابياً على سلوكياته ونفسيته، بحيث قللت من توتر الشخصيات التي تميل في سلوكها إلى العدوانية والانفعال.
وتشير إلى أنه يتوجب على الشخص التعود على الضغوط عبر بحثه عن حلول تبعده عن التوترات الناجمة عن ندرة المواقف، كأن يستقل وسيلة المواصلات العامة أو البحث عن موقف أبعد عن بيته أو مقر عمله، فكلما تعلمت الشخصية ضبط نفسها ستجد حلولاً إبداعية في الحياة.
وتخلص إلى القول: عندما يكون الشخص متوتراً يستقبل الضغوط بمزيد من التوتر والعصبية، ويرهق نفسه وينقل غضبه إلى محيط أسرته التي تعيش في ذات الوقت تسارعاً في إيقاع الحياة وضغوطاتها ومتطلباتها.

«الطرق والمواصلات»: ندرس حلولاً لتوفير مواقف شاغرة وتقليل الازدحام

تؤكد هيئة الطرق والمواصلات في دبي، على لسان المهندسة ميثاء محمد بن عدي المديرة التنفيذية لمؤسسة المرور والطرق في الهيئة، أنها تقوم بزيادة مساحات رقعة التحكم بالمواقف بالاعتماد على دراسات شاملة لمناطق إمارة دبي ووفق خطط سنوية معتمدة، حيث يتم من جهة دراسة الكثافة المرورية للمناطق واستخدامات الأراضي ونسب إشغال المواقف فيها وتوفر خدمات النقل الجماعي إضافة إلى وجود بنية تحتية جاهزة للمنطقة.
وتتابع بن عدي: كما نقوم بدراسة احتياجات ومتطلبات العملاء مرتادي المواقف من جهة أخرى، وبناء عليه تستمر الهيئة في إخضاع كل مناطق وسط إمارة دبي للتحكم، إضافة إلى التوسع بمناطق التحكم أينما وجدت حاجة لذلك، بهدف تنظيمها ورفع كفاءة تشغيلها بحيث تلبي احتياجات ومتطلبات العملاء. كما تقوم الهيئة بدراسة وتنفيذ عدد من الحلول التي من شأنها توفير مواقف شاغرة للجمهور، ودراسة وتنفيذ عدد من الحلول التي تفيد في تقليل الازدحام المروري في تلك المناطق.
وتؤكد بن عدي وجود عدد كبير من المواقف المدفوعة ومناطق التحكم وتتم الزيادة حسب الدراسات، مشيرة إلى أن هناك معايير يتم إخضاع المواقف فيها للرسوم مثل نسبة الإشغال واستخدام الأراضي في المنطقة وتوفر وسائل النقل الجماعي والبنية التحتية حيث يسهم إخضاع المواقف للرسوم في رفع كفاءة استخدام المواقف لعدد أكبر من المستخدمين عن طريق زيادة نسبة الدوران في الموقف الواحد، لخدمة أكبر عدد من المركبات وتأمين السلامة عن طريق تنظيم استخدام المواقف ومنع الوقوف الخاطئ.
وحول وجود تنسيق مع جهات أخرى مثل البلدية والشرطة، ترد بن عدي بالإيجاب، مؤكدة أن التنسيق يتم مع الشرطة فيما يتعلق بالمخالفات، ومع بلدية دبي فيما يتعلق بسحب السيارات، كما توجد اتفاقيات تشغيلية مع بعض المطورين والدوائر الحكومية مثل إدارة تيكوم والمدينة الطبية والنيابة العامة ومحاكم دبي والتي ركزت على تشغيل المواقف بإخضاعها للرسوم.

اقرأ أيضا