الاتحاد

دنيا

التنزيلات الموسمية فن إفراغ ما في الجيوب


تحقيق ـ هناء الحمادي:
يعج السوق بالتخفيضات التجارية بمناسبة ومن دون مناسبة، فهي موجودة في كل المواسم وكل الأماكن إلى حد بات إطلاق مسمى 'التنزيلات الموسمية' عليها يشكل نوعاً من المفارقة، ومن خلال هذه التخفيضات يبحث أصحاب المحال التجارية بكل إصرار عن أموال المستهلكين في دأب لا يعرف الكلل، ويصحبه فن في غاية الابهار وعرض عجيب لأساليب التسوق والجذب، فالتلفزيون لا يتوقف عن عرض إعلانات عن محال الأزياء للنساء والأطفال والرجال، وهذه الحملات بالتأكيد تجذب انتباه المستهلك وتجعل كل فرد يرغب في التسوق خلال فترة التخفيضات·
ناهيك عن المحال التي تقوم باستعداد مسبق لاستقبال موسم التنزيلات، وذلك من خلال تجميل نوافذ العرض الخاصة بها، وكثيراً ما يتم الاستعانة بمتخصصين في هذا المجال، هذا بخلاف الجرائد والمجلات والمطبوعات التي تلصق على الجدران أو توزع على جمهور المستهلكين·
ترى كيف يقرأ المواطن مفردات التخفيضات؟
وهل هي خداع له وبالتالي لجيبه؟
وهل هي بضائع ذات جودة عالية أم أنها بضائع المخازن، ومع ذلك يبقى سعرها المنخفض سبباً رئيسياً لعنصر الجذب فيها؟
تميل داري محيي الدين إلى الاعتقاد بأن التخفيضات التي تقيمها المحال التجارية الكبرى هي أفضل أساليب التخفيضات بحسب تجربتها، مؤكدة أن هذه التخفيضات تقوم على أسس علمية تحترم ذوق وأخلاقيات العمل التجاري· وتقول داري في هذا الشأن: 'من المعروف أن التاجر هو الرابح على الدوام تقريباً، وهو حريص على الربح، فعندما يقوم بعرض تخفيض على سعر البضاعة فهي أما أن تكون قديمة أو انتهى أوانها أو بها شيء يستلزم هذا التخفيض'·
خداع * خداع
وتتابع: 'من المؤكد أن السعر الجديد أي بعد التخفيض يكون مربحاً للتاجر رغم أن حجم التخفيض كبير جدا في بعض الأحيان، وهذا يعني أن السعر الأصلي الموجود على البضاعة قبل التخفيض هو سعر مبالغ فيه بشكل كبير، وما دام السعر بعد التخفيض مربحاً للتاجر فما معنى التخفيض؟ لذلك نجد أن المرأة وهي المقصودة بهذه التخفيضات تقوم بالشراء بكميات كبيرة، اعتقاداً منها أنها توفر في حين أنها تسرف لأنها تشتري أشياء لا تحتاج إليها في الأساس· وبالنسبة لي شخصياً، لا أقترب من المحال التي تقوم بعمل التخفيضات لأنها كلها خداع في خداع للمستهلك عامة وللمرأة خاصة'·
ضمير نائم
أما ليلى الجابري ـ ربة بيت فتقول: 'التخفيضات خداع واضح لجذب عدد أكبر من المستهلك واصطياد ما في الجيوب، وأتساءل أين ضمير التجار الذي لا يصحو إلا في موسم المناسبات وينام بقية أشهر السنة'·
وتتابع: 'أعتقد أن المناسبات فرصة ذهبية للتلاعب بالأسعار ورفع قيمة السلعة، فالتجار يستغلون ذلك نظراً لحاجة المستهلك إليها في هذه المناسبة أو تلك، من دون اعتبار لحالته وهنا أتساءل ما هو دور وزارة التجارة ؟ لماذا لا تضع قوانين للبيع تحدد هامش الربح المعقول للتاجر وتحمي المستهلك من الاستغلال بدلا من أن يمد التاجر 'يد الطمع' إلى كل جيب لإفراغه مما فيه؟
هذا فيما يخص التاجر أما على الجانب الآخر، أي المستهلك، فينبغي أن يعرف المرء ما يحتاجه وما يلائمه لا ما يلائم التخفيضات التي يحكي عنها الإعلان، ومن الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها البعض أحياناً أن يتبعوا مؤشر التخفيضات من أجل الاستفادة منها، وهكذا يقعون ضحايا لهوس الشراء الذي يدفعهم إلى شراء ما يحتاجون وما لا يحتاجاون في لهاثهم وراء التخفيضات المزيفة·
غش واستغلال
انتصار آل ربيعة ـ نائبة مديرة العلاقات العامة بوزارة الصحة، ترى أن هذه التخفيضات تؤثر على بعض الفئات أكثر من غيرها، وبصراحة أكثر، تشير إلى أن هذه التخفيضات تجذب أبناء الطبقة الوسطى، الذين تغريهم هذه التخفيضات وتجذبهم من دون تفكير ووعي فيشترون البضائع لأنها تحمل أرقاماً خيالية تصل أحياناً إلى (50%) أو (70%)، وهو أمر يستحيل أن يكون حقيقياً، ومن هنا أعتقد أن هذه التخفيضات أقرب إلى الخداع منها إلى الحقيقة إلا في حالات نادرة، رغم ذلك، تضيف انتصار آل ربيعة، لا يزال هناك طبقة واعية لا تنساق إلى هذه الدعاية التي تأتي في أزمان محددة· كما أن عملية التخفيضات تبين مدى استغلال المتاجر للمشترين لأن الاسعار الأساسية (قبل التخفيضات) تكون عالية وهذا لا يعدو أن يكون غشاً واستغلالاً للمستهلك ليس أكثر'·
أما راشد خميس ـ رب أسرة و أحد المترددين على محال التخفيضات يقول: إننى لا ألوم النساء، ولا ألوم المحال التجارية، لان تصديق العنصر النسائي للإعلان يجعلهن يركضن نحو التخفيضات وينجذبن ويصدقن بهذه السهولة، ورغم علم الجميع أن هذه التخفيضات هي في الواقع مجرد خداع إلا أن الجميع يهرول إليها·
وحين سألنا راشد هل يشترى من هذه التخفيضات قال: أنا دائما لا أستطيع الشراء من هذه الأماكن نظرا للزحام الدائم في هذه الفترة، فالزحام يجعلني أجد صعوبة في البحث عما أريد أو حتى تفقد الموديلات المعروضة برغم علمي أنها موجودة في المخازن وموضتها قد انتهت، لكن بنات راشد يختلفن معه، فهن يختزن أماكن معينة يقمن بالشراء منها في هذه الفترة، وهى تنحصر في المراكز التجارية الكبيرة ذات الأسماء اللامعة، وذلك في رأيهن، لان مستوى الذوق والرقى الموديلات فيها أفضل·
لعب على المستهلك
عندما نتحدث عن موسم التخفيضات يجب علينا ألا نغفل أن هناك بعض الأسر كبيرة العدد تنتظر موسم التخفيضات بل وتحتاجه لشراء كل ما يلزمها، وغالبا ما يتم ذلك من الأماكن المتخصصة في عرض الموديلات ذات الأسعار المنخفضة·
تقول أم فهد (فاطمة الهاجري): 'عادة ما أدخر مبلغاً من المال طوال العام يساعدني في شراء ما يحتاجه أبنائي الثمانية، وحين يأتي موسم التخفيضات أحاول أن استبعد ما لا يحتاج إليه الأبناء من الملابس أو الأحذية، لأشتري ما يحتاجون إليه بالفعل، من حيث عدد القطع، والألوان المطلوبة رغم علمي أن هذه التخفيضات هي لعب على المستهلك، ولكن ما العمل عندما تكون الأسرة كبيرة، والأسعار مرتفعة، أعتقد أن المجال الوحيد أمامنا هو التخفيضات لأننا لا تستطيع تلبية احتياجاتهم إلا من هذه المحال التي نجد فيها اختلافاً واضحاً في الأسعار مع أن البضاعة نفسها'·
صاحب محل: نبيع أحياناً بخسارة و'السوق يوم لك ويوم عليك'
ولكي تكتمل الصورة، كان لا بد من الذهاب الى أصحاب المحال التجارية لاستقصاء آرائهم، وعرضنا لهم ما لمسناه لدى الجمهور من أن هذه التخفيضات غير حقيقية وليست سوى نوع من الخداع فماذا قالوا؟
جابر عبد اللطيف ـ صاحب متجر متنوع ـ يقول: 'إن قدوم رمضان والأعياد، وبداية العام الدراسي، هي أبرز أوقات التخفيضات التي قد يتعرض المستهلك خلالها إلى حالة خداع في المنتجات· إضافة إلى أن معظم التجار يلجأون للتخفيضات قبل بداية الموسم بفترة بسيطة ليتسنى لهم تحضير سيولة مالية كبرى قبل بداية الموسم المقبل، حيث يمكن الإعداد والتجهيز لما يستجد من الموديلات والأشكال الحديثة، وفي بعض الأحيان يضطر التجار للبيع بخسائر وبأقل من رأس المال، تفاديا لمشاكل تخزين أو التلف في المنتجات وهو ما يخلق في بعض المواسم نوعا من المنافسة الحادة بين الشركات يستفيد منها المستهلك في النهاية·
كما أن' التخفيض' بالنسبة لنا نحن التجار يمثل متنفساً للشركات تستطيع من خلاله بيع بضاعتها والبحث عن الجديد'·
ويضيف: 'وهذا هو حال السوق، فإن لم يكن هناك تنزيلات أو تلاعب في الأسعار فأصحاب المحال لن يربحوا، ومع ارتفاع أجور المحال وغلاء المعيشة، ارتفع كل شيء، وهذا هو حال السوق 'يوم لك ويوم عليك' وما يقوم به التجار هو على أساس جذب المشترين بمثل هذه الوسائل مع علم الكثير بهذا 'الغش' إلا أن أغلبهم ينخدعون بهذه التخفيضات ويهرعون إلى هذه المحال، والكثير منهم لا ينظرون إلى ذلك، وإنما يأخذون ما يلزمهم خاصة في أيام المناسبات والأعياد'·

اقرأ أيضا