الاتحاد

دنيا

قيل وقال...


قيل: «ضع ضفدعاً على كرسي من الذهب، سيقفز الى المستنقع»، وهو قول صادق حرفياً كاذب معنوياً، بالتأكيد سيقفز الضفدع إلى أقرب مستنقع، حيث سيجد الأصدقاء والطعام المناسب، ناهيك عن القدرة على ممارسة النقيق الجماعي وابتلاع الحشرات عن طريق اللسان المقلوب.
يريد أصحاب هذا القول أن يوصلوا للسامع فكرة أن هناك من لا يستحق العز ولا الاحترام ولا الثراء، ولا ما يشابهها من الأفعال، التي ينبغي أن تنحسر وتنحصر في طبقات، لا بل في شرائح اجتماعية محددة، ينبغي عدم الاعتداء على امتيازاتها، أو محاولة الوصول إليها في عليائها، من قبل آخرين من طبقات وشرائح اجتماعية أدنى.
الضفدع كائن ينتمي إلى المستنقع، وهذه بيئته الطبيعية التي لا يستطيع العيش بدونها، ولا ينفعه كرسي الذهب ولا أساور الألماس، ولا أرقام الحسابات البنكية في سويسرا وجرز الباهاما، يريد أن تحلوا عنه، وأن تتركوه في المستنقع.. بيته الأليف وبيئته الصديقة.
أما الإنسان، فهو لا ينتمي إلى البؤس أبداً، والذي جعله في مستوى أقل من الآخرين هو الصراع الاجتماعي، وهو صراع دائم الحركة ودائب البحث عن المتميزين. الإنسان الذي يبذل الجهد يحق له اعتلاء كراسي الذهب، والوصول إلى مستويات أرقى، وهو بالتأكيد لن يقفز في المستنقع، بل سوف يتمسك بكرسيه، ويحاول أن يستخدمة سلماً للوصول إلى مستويات أعلى.. وهذا سر التقدم البشري والطموح الإنساني، ولولا هذا النزوع، لكان الإنسان لا يزال قرداً «يتنطنط» على الأشجاز مثله مثل غيره من الحيوانات.
من يطلق هذا القول ينوي تثبيت الواقع والتمسك بامتيازاته، والإيحاء بأن الآخرين لا يستحقونها، ولا يستحقون الحصول عليها، ولو منحتهم إياها على سبيل الهدية، فهم سيقفزون إلى وحل مستوياتهم الأدنى.. وهذا قول غير صحيح إطلاقاً، وتكذبه جميع وقائع التقدم البشري.

???
قال أحد التلاميذ لرجل حكيم لديه الكثـير من الأتبـاع والمريدين والمؤيدين:
- إن كلامك بسيط أيها المعلم، غير أن كلام الذين يتحدثون باسمك، ليس بسيطاً.
وهي عبارة جميلة تختصر جميع حالات الفصام في المعنى والمبنى بين الأفكار البسيطة التي وضعها العباقرة، وبين من يحولونها إلى متاهات لفظية ومعنوية يضيع الإنسان في ثناياها، ولا يفهم شيئاً، لكنه يتبعها حسب قوانين القصور الذاتي.
نعم يا سادة يا كرام، فإن البساطة هي عبقرية بحد ذاتها، أن توصل للناس فكرتك بأقل قدر ممكن من التعقيد والفذلكات اللغوية، وأكبر قدر ممكن من السهولة التي توصل الفكرة كاملها للخفير كما للوزير. وكما يقول الشاعر السوفييتي العظيم رسول حمزاتوف: «أجمل الجرار تصنع من الطين العادي وأجمل الأشعار تصنع من الكلمات البسيطة».
يا ليت أننا نستطيع أن نبقي دائماً على بساطة وطهارة النصوص الحكيمة والكلمات العظيمة، سواء كانت حكماً أو نصوصاً فلسفية أو نصوصاً دينية، إذ لو فعلنا ذلك لما اختلف الناس على شيء، فمنبع الحكمة البشرية واحد، وهو خدمة الإنسانية وتنظيم المجتمعات، وبالتأكيد لم يقصد الأسلاف أن يكتبوا لنا وصايا وتعاليم تؤدي إلى تأجيج الصراع البشري بشكل دائم، وتحويل الذبح باسم الأفكار السامية إلى ممارسة يومية مشروعة.
???
قال الخشب للمسمار:
- لقد كسرتني
فقال المسمار:
- لو رأيت الضغط فوق رأسي لعذرتني.
سأترك هذا الحوار بدون نقاش ولا تبرير، وأتمنى على القارئ العزيز أن يحمله إلى مغائره الداخلية، لعله يجد بعض الأعذار لأناس أساءوا إليه رغماً عنهم، ذات يوم.
يوسف غيشان
ghishan@gmail.com

اقرأ أيضا