الاتحاد

دنيا

إدارة الفشل

قرأت حواراً مع المخرج السينمائي الأميركي سيئ السمعة جون ووترز. اتهمه الصحفي المحاور بالانحلال الأخلاقي والفساد.. قال جون ووترز ساخراً، إن الانحلال ليس بهذه السهولة، وهو قد جرب أشياء كثيرة حتى يستحق أن يفوز بلقب المنحل هذا.. بمعنى آخر: هو مضى في طريق مفعم بالأشواك إلى أن استحق سمعته السيئة..
فكرت طويلاً في هذه الكلمات الطريفة ووجدت أنها لا تخلو من الحقيقة. مثلاً طلبت السباك كي يصلح عطلاً في مغطس الحمام. أعطاني موعداً بعد يومين.. بعد يومين انتظرته في موعده فلم يظهر. اتصلت به مراراً لكن هاتفه مغلق.. هكذا ضاع اليوم بكامله..
في اليوم التالي نجحت في الاتصال به فوعدني بأن يأتي لي خلال ساعة لا أكثر.. أقسم بقبر أمه أنه سيأتي في الموعد.. لم يأت طبعاً، وفيما بعد عرفت أن أمه حية...
بعد ثلاث محاولات على مدى أسبوع قبل وتنازل كي يأتي لداري. أخيراً فحص المغطس وطلب بعض قطع الغيار، ثم أعلن أنه أصلح المغطس. بعد ساعتين عادت المياه تغرق الحمام وتفيض..
اتصلت به فوجدت الهاتف مغلقًا...
أرسلت بعض ثيابي للمغسلة، ثم ذهبت في الموعد لأستلمها، فوجدتها لم تغسل بعد. أعطوني موعداً في المساء.. ذهبت في المساء فقالوا لي:
ـ»سوف نبدأ الغسل حالاً.. سوف تستلمها صباحاً!»
أي أنهم لم يكونوا قد بدأوا بعد وهم يعطون الوعود.
انقطعت خطوط الإنترنت في شقتي فاتصلت بالشركة المعنية. وعدوني بأنهم سيحلون المشكلة خلال ساعة.. بالطبع أنت تعرف أنني ما زلت أنتظر منذ أسبوع، وأنني أرسل هذا المقال من عند صديق لي.
سئمت هذا الجو العام من التراخي وانعدام المسئولية وعدم الالتزام. ثم فطنت إلى أن الأمر صعب فعلاً وليس بالبساطة التي تتخيلها أنت.. هؤلاء الناس يتعبون .. تصور الجهد الذي يبذله السباك وهو يعطي الوعد الكاذب تلو الآخر... ثم يتجاهل غضبي.. ثم يأتي ليتلف الحمام والمغطس.. ثم يتلقى اللوم، ثم يتجاهلني تمامًا. كل هذا جهد شاق جدًا.. إن تخلفنا لم يأت بسهولة.. لقد اقتضى الأمر الكثير جدًا من العمل الشاق المتواصل حتى نستحق اتهامنا بالتخلف.
قديمًا قال توفيق الحكيم، إن كل شيء في مصر يتم بطريقة خطأ.. ولا توجد مصادفات كأن يتم الشيء بشكل صحيح مرة واحدة مثلاً. لهذا بدأ يعتقد أن هناك إدارة صارمة دقيقة جدًا مهمتها عمل كل شيء بطريقة خطأ. أفراد هذه الإدارة لا يتكاسلون ولا يرتشون ولا يتعبون.. إنهم يعملون كل أيام الأسبوع ولا يضيعون وقتهم.
هل هناك يابانيون أو ألمان في الأمر؟.. غالباً هذا هو ما يحدث.. الدقة والأمانة في العمل يوحيان بأن مدير هذه الإدارة ياباني. يمكنني أن أرى هذا المستر «ياكاماوا»، وهو جالس إلى مكتبه يراقب كل شيء.. يتأكد من أن أحداً لا يحترم المواعيد.. يتأكد من أن الحرفيين لا يعملون بإتقان.. يتأكد من أن السيارات لا تحترم إشارات المرور.. يتأكد من أن المدارس لا تعلم شيئًا. هذا الرجل مرهق احمرت عيناه من فرط إرهاق وسهر، لكنه لا يتهاون ولا يمزح..
عندما يأتي وقت تقاضي الرواتب فإن هؤلاء القوم يتقاضون رواتب عالية جداً.
لكن مع الوقت بدأ أفراد هذه الإدارة يتكاسلون ويتأخرون عن العمل.. بدأت الأعمال تتراكم.. بدأوا يكذبون في تقاريرهم.. هكذا بدأت الإدارة تفشل، والنتيجة أن بعض الأشياء تنجح في مصر.. هناك من يوفون بوعدهم ومن يحضرون في مواعيدهم.. إلخ ..
هذا يذكرنا بنكتة الرجل النحس الذي جاء به الحانوتي ليعمل عنده.. كان يعتمد على هذا النحس كي يروج العمل ويموت أناس أكثر. النتيجة هي أن النحس أصاب الحانوتي فلم يعد الناس يموتون.
إن التخلف تهمة صعبة.. وليس من السهل أن تنالها.. لهذا أعتقد أن هؤلاء الناس يكافحون كثيراً جداً حتى تناسبهم بجدارة.


د. أحمد خالد توفيق

اقرأ أيضا