الاتحاد

دنيا

محمد عبدالعزيز:السينما ستنتفض في لحظة ما


القاهرة - سعيد ياسين:
ترصد ذاكرة المخرج السينمائي محمد عبدالعزيز أدق التفاصيل والمواقف والزوايا على مدى اكثر من نصف قرن من العطاء الفني المتواصل· وهو واحد من جيل الرواد في السينما المصرية وكان حلمه الاكبر ان يرى المخرج صلاح ابو سيف شخصيا وسرعان ما تتلمذ على يديه وساعده في الاخراج ثم اصبح استاذا للعديد من مخرجي جيل الوسط والشباب من خلال عمله كأستاذ في المعهد العالي للسينما وأعماله التي قدمها مع كبار النجوم والشباب محفورة في الذاكرة وهي رصيد هائل يبلغ 67 فيلما سينمائيا وعشرين مسلسلا تليفزيونيا وأربع مسرحيات·
وعن تركيزه خلال الأعوام الأخيرة على الإخراج التليفزيوني قال ان السينما وقع فيها انقلاب من حيث مفهومها وانتاجها وهيمنة بعض الشركات المحتكرة حيث جربوا فيلما كوميديا وحقق نجاحا ساحقا فتصوروا ان هذا هو الطريق لاسترداد رأس المال، ولم يفكروا في كسر هذه القاعدة وان يعيدوا للصناعة ملامحها الحقيقية في تنوع شكل الفيلم ما بين كوميدي وتراجيدي وغنائي واكشن وسياسي وغيره·
وظلوا على نفس الوتيرة ونفس البطل الذي يستنزف بمجموعة متواصلة من الافيهات والقفشات بدعوى ان الجمهور مثقل بأعباء اقتصادية ونفسية وليس لديه استعداد لأن يغامر بثمن التذكرة ليدخل ويرى فيلما فيه ملامح من التفكير ومناقشة قضايا مهمة أو يرى واقعه على الشاشة وتصوروا ان الفيلم تحول الى وسيلة تسلية بحتة ولهذا لم نعد نرى ملامح صناعة سينما حقيقية كما كانت من قبل·
اضاف: لقد شعرنا بغربة شديدة فيما يقدم حاليا من أفلام في الوقت الذي تعاظم فيه انتاج الفيديو وزادت ميزانيات المسلسلات وتطرقت لمناقشة نفس القضايا التي كانت تناقشها السينما منذ 40 عاما بشكل فيه جدية واصبحت دراما التليفزيون اكثر عمقا ونفاذا للعقول وامتاعا للوجدان· وهذا ما دفعني وأبناء جيلي من المخرجين للاتجاه إلى التليفزيون·
احتكار
ودافع محمد عبدالعزيزعن اتهام كبار السينمائيين بانهم لم يقاوموا المقاومة المطلوبة وتخلوا عن السينما وهربوا إلى التليفزيون وقال: لم يحدث الهروب، وكان هناك تضييق لفرص المقاومة لاننا إلى جانب ما كنا نعانيه في الماضي من سوء دور العرض والتوزيع والمعامل والتقنيات كنا نجاهد لنقدم فكرا معينا للفيلم المصري، وفي الوقت الذي تجددت فيه دور العرض والمعدات وأصبح الفيلم يحمض ويوضع له الصوت في الخارج صدر قانون في غفلة فرض ألا يقل رأس مال شركة الانتاج عن مئتي مليون جنيه بدعوى خلق الكيانات الكبيرة للصعود بصناعة السينما وتكونت هذه الكيانات وانتجت واستولت على دور العرض وسوق التوزيع السينمائي في الداخل والخارج وأصبحنا أمام ملامح احتكارية، ولم تقدم هذه الكيانات شيئا بل جذبت الفيلم المصري للخلف عشرات السنين بعد ان كان يحقق تفوقه وطموحه الفني من خلال كيانات انتاجية صغيرة وأتذكر في الفترة التي ظهرت فيها وأبناء جيلي في الستينيات من القرن الماضي كان جميع الفنانين والفنيين ينتجون وأذكر منهم رشدي أباظة وفريد شوقي ويحيى شاهين وأنوروجدي وماجدة الصباحي ومريم فخر الدين وكان ما يكسبونه من الفن يضعونه في الانتاج طموحا إلى فيلم سينمائي جيد وهذه الكيانات الصغيرة انتجت أفلاما لن ننساها إلى جانب كيانات انتاجية كانت واعية رغم إمكانياتها القليلة مثل رمسيس نجيب وآسيا وحلمي رفلة وعباس حلمي وهؤلاء كانوا يتسابقون على الروايات الأدبية بمجرد ظهورها ويقدمون كافة أشكال الفيلم السينمائي وكان حلمهم تطوير الفيلم وتحقيق نجاحات دائمة له ولم يكونوا ثروات بقدرما تركوا قيمة محفوظة حاليا في المكتبة السينمائية المصرية·
وعن الأرقام الفلكية التي تحققها الأفلام الحالية من ايرادات وما إذا كانت مقياسا للنجاح قال محمد عبدالعزيز: هذه الأرقام لا يمكن ان تكون مقياسا لقيمة جمهور يتعامل مع فن حقيقي، وصناعة السينما الأميركية التي هي أكبر صناعة سينما في العالم تسير على نفس النظام الذي كنا نتبعه، حيث نجد فيها الاكشن والدراما والسياسة والخيال العلمي ولكننا حصرنا كل شيء في زاوية واحدة وهذا نجاح زائف صاحبه تغير جمهور السينما فأصبح كله من الشباب، ودور العرض اصبحت مغرية بحداثتها وامكانيات الصوت والصورة والتكييف والشباب المصري حاليا وهو الممول الأول للفيلم يعيش محنة هروب بعد تحطم احلامه في عدم عثوره على وظيفة او وضوح رؤى المستقبل مما أحدث شرخا نفسيا جعل الجمهور يهرب ويحاول قضاء ساعتين من المتعة الحسية البحتة ويخرج من دار العرض ناسيا ما شاهده ويبحث عن فيلم آخر واصبح هناك نوع من الخواء الثقافي والفكري والنفسي· وهذا الوضع لا يمكن ان يستمرولابد أن ينتفض الفيلم في لحظة ما ويعوض السنوات المهينة التي قدمت فيها عشرات الافلام الهزيلة التي نراها كل يوم·
مقارنة
وعن اتهام مخرجي السينما بأنهم لم يحققوا نفس النجاح في أعمالهم التليفزيونية وأن أعمالهم جاءت اقل كثيرا من أعمال رواد الفيديومن امثال اسماعيل عبدالحافظ ومحمد فاضل ويحيى العلمي وآخرين قال: ارتباط مخرجي السينما بالشاشة الصغيرة قريب ولكن سيحدث التطورعند تعاملهم مع نصوص مهمة وعندما يعثر مخرج سينما على نص مثل 'رأفت الهجان' أو'ليالي الحلمية' سيبدع لأن لديه القدرة على التعامل مع الكاميرا الواحدة والاثنتين والثلاث وقدرة سريعة على هضم اسلوب الاخراج للفيديو·
وعن المقومات الواجب توفرها في المخرج الجيد والأسباب التي تجعل اعمال مخرج ما خالدة واخرى تمر مرور الكرام اكد محمد عبدالعزيز ان ارتباط المخرج بمجتمعه هو الذي يعطيه البقاء حتى لو كان يناقش قضايا محلية او يطرح عملا كوميديا، كما يجب على المخرج ان يدرك ان فنه رسالة ومحاولة لتغيير الواقع الى الافضل ونشر قيم الخير والحب والجمال·
واضاف: هناك مخرجون تأثرت بهم وشعرت بأنهم يشكلون جزءا من وجداني ومن هؤلاء صلاح أبوسيف وكان حلما لي ان اصبح مثله في يوم من الأيام ثم تتلمذت على يديه في معهد السينما لمدة أربعة أعوام كما كان لعدد آخر من الاساتذة فضل كبير عليّ ومنهم حلمي حليم الذي وجهنا ثقافيا بشكل كبير والدكتور لويس عوض الذي وضع أيدينا على الدراما بمعناها الحقيقي·
وعن أسباب اختياره اللون الكوميدي في أعماله السينمائية قال محمد عبدالعزيز: ساعدت صلاح أبو سيف في إخراج فيلم 'القاهرة '30 وسرت بعد ذلك في خط تراجيدي في فيلم 'صور ممنوعة' ثم 'إمرأة من القاهرة' ثم تحولت إلى الكوميديا بالصدفة البحتة وقدمت أول فيلم كوميدي لي 'في الصيف لازم نحب' وحقق نجاحا كبيرا وايرادات ضخمة وأعقبته بفيلم 'دقة قلب' و'عالم عيال عيال' ومجموعة أفلام كثيرة لكن كان في ذهني دائما وأنا أقدم الكوميديا أن أناقش قضايا اجتماعية فمثلا قدمت 18 فيلما كوميديا مع عادل إمام حملت جميعها مضامين شديدة الأهمية وفي فيلم 'المحفـظة معايا' كانت أول مرة يحصل فيها عادل إمام على جائزة وهو ما تكرر في 'خلي بالك من جيرانك' و'انتبهوا أيها السادة' و'البعض يذهب للمأذون مرتين' و'انتخبوا الدكتور سليمان'·
وعن أقرب أفلامه الـ 67 التي أخرجها الى قلبه قال: غالبية أفلامي حققت نجاحا جماهيريا وحصلت على جوائز لكن أكبر فيلم ترك تأثيرا كبيرا هو 'انتبهوا أيها السادة' وكان من انتاجي أيضا وحصلت من خلاله على جائزة الدولة في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، كما حصل مؤلفه أحمد عبدالوهاب وبطلاه حسين فهمي ومحمود ياسين على نفس الجائزة وقام ستة من الباحثين بعمل رسائل دكتوراه عن الفيلم سواء في مصر أو الخارج، كما اعتز بفيلم 'خلي بالك من عقلك' الذي كان يناقش قضية اجتماعية نفسية رقيقة من خلال جو رومانسي كما أحب فيلم 'الحكم آخر الجلسة' الذي كان يناقش قضية الاجهاض وأيضا 'الجلسة سرية' و'منزل العائلة المسمومة' و'بريق عينيك' و'رحلة الشقاء والحب' الذي كان أول فيلم يدور حول محاولة الشباب الحصول على فرص عمل في الخارج·
وحول تجاربه المسرحية القليلة التي لا تتوافق ومشواره الفني الطويل وهي 'شارع محمد علي' لفريد شوقي وشريهان و'بهلول في اسطنبول' لسمير غانم والهام شاهين و'عفروتو' لمحمد هنيدي واحمد السقا وهاني رمزي ومنى زكي قال: كنت ضيفا على المسرح رغم انني احبه كثيرا ودرست تاريخه والسينما أخذت من المسرح كل الدراما في بدايات تكوينها ثم عاد المسرح وأخذ من السينما وعملت في بدايتي لفترة قصيرة في مسرح التليفزيون وعندما أخرجت مسرحية 'شارع محمد علي' وجدت مقاومة شرسة من نقابة المهن التمثيلية وحدثت مشاكل كثيرة لأنهم اعترضوا على أن يتولى مخرج سينمائي إخراج مسرحية وكان كلاما غريبا يعود بنا للخلف عشرات السنين وتحديت الجميع وقدمت العمل الذي يعد من أهم مسرحيات القطاع الخاص ثم انشغلت في السينما الى أن أعجبني موضوع يدور حول قضية الانتماء للوطن والأرض من خلال تهريب الآثار في مسرحية 'بهلول في اسطنبول' ثم مرت سنوات طويلة الى أن قدمت معظم الجيل الجديد في 'عفروتو' واستمرت سنوات طويلة ناجحة والمسرح الآن في مشكلة ويكاد يعاني نفس مشكلة الفيلم وكان موسم المسرح في الماضي ثمانية شهور والآن اصبح شهرين فقط·
وعن رأيه في نجوم الكوميديا الشباب قال: كان الراحل علاء ولي الدين واعدا وتعاونت معه في فيلم 'حلق حوش' ومحمد هنيدي موهوب وهاني رمزي طاقة ضحك كبيرة جدا وتحديدا على خشبة المسرح وهؤلاء لفتوا نظري ولكنني أخشى عليهم لأنهم حاليا أجزاء من تروس في عجلة الاحتكار الضخمة ولابد أن ينتبهوا لأنفسهم ويحققوا بقاءهم المتواصل وليس المرتبط بتحقيق المنتج الملايين فقط لأنه قد يتخلى عنهم في لحظة وهو ما فهمه عادل امام جيدا وطبقه·
وعن إحساسه تجاه الزمن قال محمد عبدالعزيز: عشت وأنا أذهب لأوركسترا القاهرة السيمفوني بتذكرة ثمنها خمسة قروش وكنت اشتري كتبا من سور الأزبكية لأقرأ في السياسة والأدب والمسرح وعشت زمنا جميلا من خلال معاصرة المبدعين في تاريخ مصر الحقيقي وعشت فرص نجاح كبيرة حققتها في عملي وفرحة تلاميذ لي نجحوا وأثبتوا وجودهم بعد أن تسلمتهم وهم لا يعرفون ماذا تعني العدسة او زاوية الكاميرا وكل ما أتمناه ان أظل لآخر لحظة موجودا في الاستديو وأشم رائحة الديكور والخشب والكاميرا واحتك بالعمال وهذه هي حياتي ومتعتي التي أتمنى ان التصق بها طوال عمري·

اقرأ أيضا