الاتحاد

دنيا

سركيس كيرازيان··· يصنع أحلاماً من فضة!

دمشق ـ عمّار أبو عابد:
كثيرون يبيعون الفضة، لكن قليلين منهم، من يبتكرون تصميمات أشكالها· وسركيس كيرازيان واحد من هؤلاء المصممين المبتكرين، والمسكونين بهم التجدد الدائم، للوصول إلى أشكال تراثية جميلة· وإذا كان بعض المصممين يبتكرون الشكل ثم ينتجون منه مئات النسخ، فإن سركيس يتفرد بأنه ينتج قطعة واحدة من التصميم المبتكر، ولا يكررها، بحيث يقدم لزبونه عملاً فنياً يدوياً مبتكراً ووحيداً· كما أنه يتميز بتلبية رغبة الزبون، بتجسيد الفكرة التي يريدها، وتحويلها إلى قطعة فضية فنية جميلة ومتفردة، مما يفرح زبائنه من هواة التفرد، ولا سيما من الجنس اللطيف·
فما هي قصة سركيس مع الفضة، وكيف تعلم هذه المهنة، وكيف يتعامل معها؟
في حي الشعلان الذي يتوسط أحياء الصالحية القديمة، وأبنية أبي رمانة الحديثة، تقع ورشة سركيس، وهي عبارة عن دكان صغير، ذي واجهة زجاجية تعرض قليلاً من التصميمات لقطع الفضة المشغولة يدوياً· طالعني وجه سركيس، الذي رغم شهرته الواسعة في دمشق، إلا أنه بدا لي متواضعاً وخجولاً، يخفض صوته عندما يتكلم عن إبداعاته الفضية، رغم أن الجميع يشهد له بالتفوق والتميز·
يقول سركيس: 'أعمل في هذه الحرفة منذ ثلاثين عاماً، وقد شدني إليها في البداية أخي ومعلمه، وهما من علّماني أصول العمل وأساسياته، فأحببته منذ الوهلة الأولى، لأني اكتشفت أنني أستطيع التعبير عن هوايتي في الرسم والتصميم من خلاله· وهكذا عملت مع أخي في تصميم المشغولات الذهبية، وأصبحت تصاميمي تنال الإعجاب من قبل الصاغة والجمهور، مما دفعني للتفرغ للتصميم فقط· وبعد ذلك عملت على تأسيس ورشتي الخاصة للعمل في الفضة·
من الذهب إلى الفضة
؟ ولماذا ذهبت إلى الفضة وتركت الذهب؟
؟؟ يجيب سركيس: انتقلت من الذهب إلى الفضة، لأن الذهب مرتفع الثمن، وأحتاج إلى رأسمال كبير كي أعمل فيه، كما أنه يحد من عامل الإبداع والابتكار، فليس هناك مجال للشغل على قطعة ذهبية، وجعلها قطعة فنية، أدخل فيها كل ما أرغب·
وفي النتيجة ـ يضيف سركيس ـ فإن قطعة الذهب تقاس بحسب وزنها أساساً، أما في الفضة فتقاس قيمة القطعة بفنها، وليس بوزنها! ولأني أحب الفن، وأحب أن يقتني ابتكاراتي أكبر شريحة من الناس، فقد اخترت العمل على الفضة، لا سيما أنني من خلال هذا المعدن الكريم، أستطيع أن ألبي طلبات الزبائن بسعر معقول ومناسب للجميع، بينما لا يتوفر ذلك في الذهب لارتفاع سعره·
هكذا أعمل
وشرح لنا سركيس مراحل تصنيع الفضة في ورشته الصغيرة، فقال: 'في هذه الورشة تتم عملية التصنيع من البداية وحتى النهاية، حيث أقوم أولاً بتذويب قطع الفضة الخالصة في النار لحوالي ساعة ونصف إلى ساعتين، ثم أحولها إلى قطع بمقاس معين، وأبدأ بالرسم على كل قطعة بأدوات خاصة، وأصنع منها (الموديل) الذي صممته مسبقاً، وبعدها أدخل عليها الخرز أو المواد الأخرى، أو أقوم بالكتابة على القطع، وفي النهاية أستخدم (حفارة النقش) لأضع لمستي الخاصة على القطعة، وبهذا تصبح جاهزة للاستعمال'·
وبما أن سركيس يعتمد على العمل اليدوي في تصنيع موديلاته، فإن قطعته الفضية تأتي فريدة، ولا يمكن تكرارها، لا سيما أنه يرفض استعمال القوالب، وصنع النموذج المكرر بشكل مطلق، ويقول: 'هذا ممنوع في ورشتي! فأنا أصمم وأصنع قطعة واحدة، ولا أنسخها، أو أكررها أبداً'·
ويضع سركيس تصاميمه من بنات أفكاره، مستوحياً التراث، ومستفيداً من جماليات الخط العربي، وهو يلبي رغبات زبائنه في تصنيع قطع فضية حسب اقتراحاتهم، لكنه يناقشهم فيما يقترحون، ويصل معهم إلى الصيغة الفنية المناسبة، يقول: 'الحمد لله إن زبائني يثقون بي، وأكبر شهادة أعتز بها، عندما يقول لي الزبون: (أتركها على ذوقك)· فهو بذلك يحملني مسؤولية أعتز بها· لكن من المفارقات أن بعض الزبائن يأتونني بأفكار لا مثيل لها قط، وكأنهم يحلمون، ويطلبون مني أن أنفذ لهم أحلامهم· وفي مثل هذه الحالات أشعر بالتحدي ـ وهو أمر أعشقه ـ فأبذل كل جهودي لتنفيذ أفكارهم وأحلامهم'·
فتاة وطلب معجز!
وكمثال على طلبات الزبائن، يذكر سركيس أن فتاة جاءته منذ فترة، وطلبت تصميم قطعة دائرية ذات أرضية فضية، وفوقها بلور، وفي الوسط زهرة ياسمين مجففة، وحول البلور نقش لآية الكرسي بشكل دائري، ومكتوبة بخط صغير دقيق· ورغم تعقيد الموديل، إلا أنني قبلت التحدي، وقررت أن أنفذه لها، وعندما أصبح جاهزاً 'طارت' الفتاة من الفرح، وشعرتْ بسعادة كبيرة، ليس لأن القطعة كانت جميلة وحسب، بل لأنها شاركت في صناعتها، وكان حالها كحال كل زبائني الذين يشترطون علي مائة شرط، وفي النهاية يحصلون على ما يطلبون، ويعتزون بأفكارهم·
ويستدرك سركيس قائلاً: 'لكن بعض أفكار الزبائن النظرية، لا يمكن تطبيقها عملياً، ولذلك أقترح عليهم ما يتناسب مع طريقة الصنع، وما أراه مناسباً وجميلاً، لا سيما أنني لا أصنع إلا ما أقتنع به، وبهذه الطريقة فإن الزبائن يلهمونني بكثير من الأفكار الجديدة للتصاميم، وينمون خيالي، ويساعدونني على الإبداع من خلال التفاعل معهم، والاستماع لمقترحاتهم'·
أنواع الفضة
ويتابع سركيس كشف أسرار مهنته فيقول: 'إن للفضة أشكالاً وألواناً وأنواعاً مثل: الفضة المعتقة، والروديوم، والمت، وأما أكثرها رواجاً وقد ساد في السنوات الماضية، فكان الروديوم اللّماع، لأنه يشبه الذهب الأبيض، وبعض الناس يحبون المظاهر، ويدّعون بأنهم يتزينون بالذهب الأبيض، ولكن بالنسبة لي، فأنا أنصح الزبائن بالفضة (المت) أو العادية، لأن الروديوم يتغير لمعانه ويزول بسرعة، ويفقد رونقه إزاء أي مادة كيميائية أو ملحية، ومن الصعب إعادته كما كان· وأضاف: 'في الحقيقة إن كل أنواع الفضة يتغير لونها مع الوقت و(تسودّ)، وهذا في رأيي أمر جميل، لأن جمال القطعة في كونها معتقة'· ويقول: 'أحياناً يطلب مني الزبائن فضة إيطالية، ويصرون على طلبهم، لاعتقادهم أن هذه الفضة لا (تسودّ)· لكن هذا غير صحيح، والبعض يعتقد للأسف أن كل ما هو أجنبي أفضل من الوطني، وهنا أحب أن أوضح بأن الفضة الإيطالية عيارها (9,15) من (10) وهي غير مطلية، لكن البعض بإصرارهم على الفضة الإيطالية لا يشجعون الصناعة الوطنية'·
ويذكر سركيس أن النحاس يدخل في تركيب كل من الذهب والفضة، ليمنحهما التماسك، لأن كلا المعدنين رقيق جداً ويحتاج إلى تقوية، كما أنه بالإمكان إعادة الرونق للفضة بدعكه بمعجون الأسنان، أو حمض الليمون أو مواد أخرى موجودة في السوق·
استلهام التراث الحضاري
يتابع سركيس الاطلاع على الفضيات الموجودة في المتاحف من خلال الإنترنت، وهو معجب بالفضيات القديمة التي تعبر عن تراث الشعوب، ويقول: 'إن هذه الأعمال تشبع عين الفنان، كي يبتكر منها كل ما هو جديد'· وهو قد اقتبس من التراث الفرعوني، كما استخدم الأحرف الصينية واليابانية واللاتينية في بعض تصاميمه، لكنه يفضل استلهام تراث بلده والاقتباس منه· يقول: 'إن حضارة بلادنا رائعة، وخطوطنا العربية تشكل لوحة فنية رائعة، ولم يشعرني أحد بمدى جمالها وروعتها، إلا دهشة الأجانب الذوّاقة عندما يبهرون بالكتابات العربية'· وهو يستخدم الحروف العربية في نقوشه على الفضة، كما استخدم الحروف المسمارية التي تشكل أول أبجدية في العالم·
ونسأل سركيس ما هو سر تفردك بين صانعي الفضة في دمشق؟ فيجيب: ربما لأنني أعشق المهنة، وأخلص لها، وأعتبرها هواية وليست مجرد مهنة، فأنا دخلت إليها من باب الفن والمزاج، وأشعر بسعادة عندما أصنع تصاميم جميلة، وأتحدى نفسي، لكي أبتكر الجديد· ولهذا فقد فضلت العمل اليدوي الذي يميز كل قطعة عن الأخرى، مما يكسب أعمالي الفنية ميزتها، وقد استبعدت العمل بالقوالب قطعياً، لأن اللجوء إليها يخلو من الفنية والإبداع· وأنا أفرح كثيراً عندما يأتي السياح الأجانب لورشتي، لمراقبة كيفية صنعي لقطع الفضة· وهم يعجبون كثيراً، لأني أبتكر (موديلاتي) الخاصة، وأصنعها بيدي· فهم يقدرون العمل الفني اليدوي كثيراً·

اقرأ أيضا