الاتحاد

دنيا

القدس والصندوق ··· يوميات طفل فلسطيني في مسرح جوّال

رسول محمَّد رسول:
في غضون أكثر من نصف قرن مرَّ على معاناة الشعب الفلسطيني كان المسرح أحد الأدوات التي عبَّر الفلسطينيون من خلالها عما واجهوه من مصاعب التشريد والاعتقال والقتل الفردي والجماعي واحتلال الأرض، ومن عقبات كثيرة خلقها المحتل الإسرائيلي لسلب الهوية الثقافية والمجتمعية والفلكلورية الفلسطينية خصوصيتها التاريخية· إلا أن المبدعين الفلسطينيين دأبوا على ترسيخ هويتهم الثقافية والتاريخية والفلكلورية من خلال أعمال فنية متعددة الأشكال ومنها الفن المسرحي الذي وجد فيه الفلسطينيون الوسيلة الأكثر تعبيرية لكونها تجمع بين الصورة المرئية المتحركة، والصوت المسموع، فضلاً عن اللون والضوء، وحيوية المكان والزمان·
وابتداء من 26/ 11/ 2005 وحتى العشرين من الشهر الجاري، تُعرض في العاصمة الإماراتية أبو ظبي مسرحية 'القدس والصندوق'، وهي مسرحية دمى جوّالة دخل كادرها الفني إلى عدد من مدارس أبو ظبي لتعريف جمهور الطلاب فيها على شجاعة الطفل الفلسطيني الذي يقاوم الاحتلال وعوائق الاحتلال، ويتعرَّف فيها الجمهور على رحلة طفل فلسطيني قام بها منطلقا من مدينة غزة الباسلة إلى مدينة القدس المحتلة، مرورا بالمدن والأحياء الفلسطينية الأخرى·
قدمت العرض فرقة (مسرح الطنطورة للدمى)، وكانت هذه الفرقة التي تعد من أبرز مسارح العرائس في فلسطين، قد تأسست عام 1995بمدينة الخليل ومن ثم انتقلت إلى مدينة رام الله· ومنذ ذلك الحين عرضت الفرقة لنحو 4500 عرض مسرحي للدمى في داخل فلسطين وخارجها، وكان من بين العروض قد قُدِّم في مهرجان طرطوشا بإسبانيا· وهي الفرقة التي تحمل عرائسها اليوم في عروض بمدينة أبو ظبي، وتسنى لـ 'الاتحاد' حضور أحد عروض الفرقة في مبنى إدارة الأنشطة التابع لنادي تراث الإمارات·
أُسرة فنان
في هذا العمل ثمة أسرة فنية واحدة تقف وراءه، كاتب نص المسرحية ومخرجها ومؤدي أدوارها الفنان الفلسطيني نضال الخطيب، تشاركه زوجته الفنانة ميسون أبو عين، وزميل لهما هو الفنان أحمد العرب· قام هؤلاء بأداء أكثر من ثلاثين دورا شاركت فيها 34 عروسة أو دمية من الدمى المشاركة، بحيث يحرك كل واحد منهما نحو 12 دمية في كل مشهد من مشاهد المسرحية·
بداية، تساءلنا عن نشأة مسرح الدمى في فلسطين؟ أجابنا الخطيب بأن الفضل في ذلك إنما يعود إلى الفنان الفلسطيني الريادي راضي شحادة الذي كان يعيش في مدينة الخليل، والذي تعلَّم الخطيب على يديه فنون تحريك الدمى ومسرحتها أمام المشاهدين· وصار هذا الفن هاجساً في حياة نضال الخطيب، الذي قال: منْ يتعلَّق بالدمى سيدمن عليها!!
ولكن لماذا مسرح الدمى؟ يعتقد الفنان الخطيب أن الدمى قريبة من شكل الإنسان· كما أن الدمى قريبة لعالم الأطفال، وهي متنفس لهم بشكل عام، لكنها تكتسب أهمية أكثر بالنسبة للأطفال الذين يعيشون في أجواء غير طبيعية مثل الأجواء الذي يعيشها أطفال فلسطين· وقال في هذا الصدد: أنا أسعى لمساعدتهم لكي يحبوا الطبيعة والأرض والحياة· هؤلاء الأطفال يستطيعون عبر مسرح الدمى الاتصال بالوطن الممزق حيث الحصار والجدار، الاتصال بالضفة الغربية أو القدس أو مناطق 48 من خلال حكايات مسرح الدمى، وهي حكايات الأجداد، وحكايات الأحلام·
الشهيد فارس عودة
في خلال العرض، كان بطل المسرحية (فارس) قد استيقظ على حلم، وقال الخطيب إن شخصية فارس في المسرحية هي تجسيد لشخصية (فارس عودة)، الطفل الفلسطيني الذي جسَّد بطولة فريدة في وجه الاحتلال عندما واجه الدبابة الإسرائيلية واستشهد، وهو نموذج معقول ليمثل فلسطين·
المسرحية، كما قال الخطيب، تعتمد على الحلم بأشياء يرغب الطفل بتحقيقها، فالطفل (فارس) في هذه المسرحية يسافر من خلال الحلم من مدينة إلى أخرى من مدن فلسطين، وكلما مرَّ بمدينة فلسطينية يأخذه حلمه فيها إلى ما تتميز به هذه المدينة من عادات وتقاليد اجتماعية ومنتوجات زراعية، وأغانٍ شعبية ودبكات فلكلورية· ويدخل فارس وأسرته، في صراع مباشر مع المحتلين الإسرائيليين، لكن الحلم يستمر، ليعود إلى تاريخ الأمجاد في فلسطين، فلقد لجأ مخرج المسرحية إلى ديكور واسع على العكس مما هو معروف عن مسرح الدمى بأنه صغير الحجم، وهذا ما مكنه من تجسيد أسوار القدس السبعة، ودخول القائد صلاح الدين الأيوبي على فرسه بعد أن قضى على الصليبيين، وأدى الصلاة مع بطل المسرحية (فارس) معرِّفا بأحياء القدس التي ولدت أمه في أحد أحيائها·
لقد لجأ مخرج المسرحية إلى توسيع خشبة مسرح الدمى، وكانت هذه تجربة جديدة، وهو الأمر الذي وفر له إمكانية استخدام تقنيات الصوت والصورة والألوان المائية والزيتية وتحريك مشاهد المكان حتى ظهور وجه القدس الحقيقي بأسوارها المعروفة·
حضر الأطفال عندما حضرت القدس أمامهم بألوانها الزاهية وبفرحها الذي لم يشاهدوه سابقا، وهنا قال المخرج نضال الخطيب: لقد أحضرتُ فلسطين غير الباكية إلى أبو ظبي، فلسطين المليئة بالفرح والقوة·

اقرأ أيضا