الاتحاد

دنيا

كيف يفكر المهاجـــرون بعد أحداث فرنسا؟


باريس- نايلة ناصر:
كيف يعيش العربي في فرنسا بعد الأحداث الأخيرة؟ ما هي برأيهم أسباب تلك الأحداث··· وهل انتهت؟ ما هي الحلول التي يرونها مناسبة لمشكلة الضواحي؟ وكيف عاشوا هذه الأحداث؟
ثلاثة لقاءات أجريناها مع مقيمين في تلك المناطق تعبر عن وجهة نظر مختلفة كثيرا عن تلك الشائعة في وسائل الإعلام· أصول المتحدثين مغربية -عربية ويتراوح تاريخ هجرتهم بين اقل من عشر سنوات والميلاد في فرنسا· تقدم دنيا-الاتحاد هذه الشهادات مع الإشارة إلى أنها تمثل شريحة من المهاجرين، وهي ليست الأكثر تضررا فلكل سيرته ونظرته·
خديجة مولودة في مدينة 'لومان' في غرب فرنسا· حائزة على دبلوم في العلوم الاقتصادية والاجتماعية· تعمل في التدريس في إحدى الضواحي·
تقول: كنت السنة الماضية في مدرسة في ضاحية 'بوندي' شرق باريس وهي من الاحياء التي كانت مسرحا للأحداث الحالية· وهذه السنة أيضا ادرس في احد الأحياء 'الصعبة'· أتفهم معاناة شبان الضواحي وأزمتهم دون أن أؤيد أعمال العنف التي قاموا بها· وأتفهم اضطرابهم، فأهل الضواحي محصورون في شقق تعرف في فرنسا ب 'أقفاص الأرانب' ولأن جنحة 'السحنة' ( التمييز على أساس العرق واللون) موجودة في المجتمع الفرنسي· من المؤكد أن هناك أزمة عند هؤلاء الشبان وان هذه الازمة تتفاعل من جيل إلى جيل وتشتد من وقت إلى آخر·
عندما جاء أهلنا ـ الجيل الأول للهجرة ـ إلى فرنسا كانوا يعرفون لماذا أتوا وماذا خلفوا وراءهم· أتى والدي بداية بمفرده سنة 1971 أو بالأحرى جاؤوا به إلى فرنسا حين كانوا بحاجة إلى اليد العاملة الرخيصة· عندما يحكي لنا كيف جلبوه من قريته الريفية حيث لا ماء ولا كهرباء مع غيره من العمال وكيف تم اختيارهم أقول في نفسي انه لا يمكن التصرف على هذا النحو حتى مع قطيع من الحيوانات·
يحكي لنا والدي كيف كانوا يقفون صفاً واحداً يتفحصونهم واحداً تلو الآخر يقيسون حجم أياديهم ويختارونهم تبعا لأهليتهم للعمل اليدوي· عمل والدي في مشاريع البناء العامة كان عمله شاقا ومضنيا· وعلى كل حال كل عمال هذه الحقبة عاشوا التجربة نفسها وخضعوا للشروط ذاتها وسكنوا معاً في مراكز خاصة بالمهاجرين دون أن يختلطوا مع الفرنسيين ولم يختاروا ذلك· كان رب العمل ينقلهم من مدينة إلى أخرى وفقا لحاجته· بالنسبة لي كل الآباء يشبهون أبي·
بعد ثلاثة أو أربعة أعوام لحقت به والدتي برفقة ثلاثة من أخوتي بفضل قانون جمع الشمل العائلي الذي كان معمولا به قبل صدور قرار إغلاق باب الهجرة سنة ·1974 عائلات مغاربية كثيرة جاءت بهذه الطريقة وصارت تتجمع وتتجاور في السكن مما خفف عنهم معاناتهم وغربتهم خصوصا أن النساء كن متشابهات من حيث انتمائهن للأرياف وجميعهن أميات· تخبرنا والدتي نوادر من حياتها· تخبرنا مرارا أنها لم تكن تعرف كيف تستخدم المصعد، وكيف وضع لها والدي إشارة لتتعرف على الطابق حيث نقيم· وكيف كانت تضيع أحياناً بين طابق وآخر بعد أن وضع احد الجيران الإشارة نفسها لزوجته· كنا نضحك ونحن صغار حين نستمع إليها ولكن لم تكن الأمور مضحكة لنساء تلك الأيام···كن غريبات في عالم لا صلة لهن به· لم يكن حال الرجال أفضل بكثير سوى أنهم كانوا يتصلون بالخارج من خلال عملهم في الوقت التي كانت النسوة يقبعن في المنازل تنفذن ما يرضي أزواجهن كما كانت عادات تلك الأيام· هكذا تشكلت نواة ما يعرف اليوم بجماعات الهجرة وهنا تكمن بالنسبة لي بداية الخطأ وأساس العلة·
هناك سبب تاريخي آخر لمشكلة ضواحي المدن· أهلنا لم يطالبوا الدولة الفرنسية بشيء انطلاقاً من أنهم كانوا يعتبرون أن أقامتهم مؤقتة وأنهم جميعاً كانوا يفكرون بالعودة إلى بلادهم· كانوا يعتقدون أنهم سيبقون في فرنسا لسنوات عدة يجمعون بعض المال ويعودون إلى ديارهم· ثم أنهم أتوا من مناطق معدمة ولم يكن لديهم أية معرفة تمكنهم من طلب أي شيء· أتوا لتحصيل بعض الرزق وكان ذلك كافيا· لم يتطلعوا إلى المستقبل ولم يكن بامكانهم التخطيط لأكثر من غدهم· كانوا يشقون طوال السنة لتوفير بعض المال الذي يسمح لهم بالعودة خلال العطلة الصيفية إلى البلاد وبناء منزل في موطنهم· وسنة بعد سنة كان حلمهم الوحيد هو ذاك المنزل ولا شيء آخر·
المشكلة طرحت في وقت لاحق مع أبناء الجيل الثاني عندما كبرنا· بدأنا ندرك أننا لن نعود أبدا إلى هناك· وبالطبع فهم أهلنا أيضا أننا باقون هنا لا بل أدركوا أنهم هم أيضا باقون· أهلي متقاعدون الآن ويمضون بين 4 و 6 اشهر في المغرب ويرجعون· لا مشكلة لديهم حول انتمائهم إلى المغرب· أتوا إلى فرنسا لأسباب اقتصادية بحتة·
جيلنا هو المعني بالمشكلة· نعاني نحن الذين ولدنا هنا من الجنحة التي ترتكب يوميا بحقنا انطلاقاً من أن لوننا وسماتنا ووجوهنا ليست أوروبية بالإضافة إلى أننا ما زلنا قابعين داخل الجماعات نفسها التي تشكلت مع قدوم أهلنا·
هوية ضائعة
في الواقع القسم الأكبر من أبناء جيلنا لم يعد يعرف من هو· من المؤكد أن هناك أزمة هوية· كنا حين نرجع إلى البيت بعد المدرسة نخال أنفسنا في المغرب بعاداته وتقاليده· كنت أشبه أية مغربية ريفية مع أنني أعيش في فرنسا وأنا مثل أية أوروبية· وعلى سبيل المثال لم استطع أبدا البوح لوالدتي إنني اجلس داخل قاعة الدراسة قرب صبي من رفاقي· كنت أترجى والدتي لكي تسمح لي بالمشاركة في الرحلات المدرسية· وهذه كانت حالة كل الفتيات من حولنا· لم يكن مسموحا أن نتحدث في مواضيع كهذه وكان معروفا أن الفتيات لا يخرجن وان الصبية كالملوك أحرار في سلوكهم تربوا منذ الصغر تبعا لطرق التربية الذكورية في المغرب· ربما لهذا السبب انصرفنا نحن الفتيات إلى الدراسة من دون أن نعي تماما ذلك في حينه، لم يكن مسموحاً على أية حال أن نفعل غير ذلك وربما لهذا السبب أيضا نرى الشبان الآن وحدهم في الأحياء المشتعلة·
مشكلتنا أن أهلنا لم يعوا أهمية انخراطنا في الحياة هنا إلا حين كبرنا، حين بدا لبعضهم أن نجاح أبنائهم في الدراسة يمكن أن يحولهم إلى أطباء ومهندسين ومحامين وان مستقبلهم هنا في فرنسا· طبعا هناك من فاته القطار وبقي على قارعة الطريق·
إشكالية الجيل الثاني أننا نطالب بحقنا في عدم التمييز عن الفرنسيين··· حقنا في المساواة بينما يطالب أهلنا بحقهم في التمييز عن الفرنسيين· أهلنا سعداء بجوامعهم، بأصدقائهم المهاجرين، بحوانيت السمانة المتوفرة بأحيائهم· هم سعداء في فرنسا حيث يتوفر الضمان الصحي والقانون والديموقراطية· أهلنا سعداء بمحيطهم الذي يذكرهم بموطنهم يمنحهم ما يريدونه من هذه الدنيا· ولكن هذا لا يناسبنا نحن أولادهم· نحن نريد أن نقارن ب 'بيار' و 'بول' و 'جاك' حين نبحث عن شغل وان تلقى سيرتنا الذاتية، الاهتمام نفسه من قبل أرباب العمل· نريد أن نسكن بيوتا لائقة تكون ملكا لنا· لا أن نبقى مكدسين في مجمعات سكنية مثل الأرانب·
فرنسا الملونة
الآن نسمع عن ضرورة 'تلوين فرنسا' وتسهيل وصول أبناء المهاجرين إلى إدارات وقطاعات الدولة المختلفة· كان جهاز الشرطة من الأوائل في فتح أبوابه للملونين من أفارقة وعرب· طبعا هم لا يحتلون المراتب العليا 'مفوض أو مقدم'· كذلك في مجال التعليم نحن الآن متواجدون بأعداد أكثر من ذي قبل· وهذا يغير المشهد المعتاد في المدارس· صرنا نسمع الأولاد ينادون معلمتهم فاطمة وخديجاتو( خديجة عند الأفارقة المسلمين) ولم يعد يقتصر الأمر على الأسماء الفرنسية· وهذا تقدم كبير قياسا بالوضع السابق·
أنا لا اطرح حتى السؤال عن هويتي· اعرف تماما أين مكاني· اشعر بتوازن بين أصول أهلي وبين هويتي الفرنسية· عندما أكون وسط أهلي افهمهم وعندما أكون لوحدي افهم ذاتي· كوني فرنسية لا يعني أنني لا أريد لأولادي أن يتكلموا اللهجة المغربية أو أن ينسوا أصولهم· الإسلام ديني ولا ينتابني أي شك بذلك· ولكن علي أن أقول إنني لو بحثت عن عمل في القطاع الخاص لربما صادفتني صعوبات أكبر حيث تدخل اعتبارات الشكل والاسم لا الكفاءة وحدها في سوق العمل· لهذا أتفهم معاناة الشباب الذين يعجزون عن الخروج من أفق الضواحي المسدود· حين يكون اسمك كريم أو ليلى أو مامادو ولا احد يرضى بتشغيلك لن تتمكن من شراء البيت اللائق بعائلتك ولا إرسال أولادك إلى المدارس الذائعة الصيت ولا تحقيق أي من المشاريع التي حلمت بها، وستبقى أسير شقق المجمعات البائسة·
ومن الضروري هنا التفريق بين من يعانون من التمييز والتفرقة وبين أولئك الذين أشعلوا الحرائق وخربوا المباني والمؤسسات· كان اغلب المشاغبين من الأولاد والصبية الصغار الذين لم يعبروا عن أي مطلب أو يرفعوا أي احتجاج· أستغرب كيف لم يكونوا في مدارسهم بدلاً من افتعال الحرائق في السيارات· وهنا أشدد على دور المدارس العامة في فرنسا التي تمنح الفرص نفسها لكل التلاميذ مهما اختلفت أصولهم وأعراقهم حتى المرحلة الثانوية· فيما بعد تتعقد الأمور ولا تتساوى الحظوظ· تبرز العنصرية واضحة خلال البحث عن العمل خصوصا خلال الازمات الاقتصادية كما هي الحال اليوم· هنا مكمن المشكلة· ثم علينا أن نتساءل لماذا أحرقوا سيارات الغير ولم يحرقوا سيارات أهلهم· هذا ما يدفعني إلى الاعتقاد بأن مفتعلي أحداث الشغب بحاجة الآن إلى أطباء نفسيين لفهم تأزمهم ومساعدتهم على وعي ذاتهم وهويتهم· المهم أن يعرف الواحد منهم من هو إن كان فرنسيا أو مغربيا أو سنغاليا لا فرق· المهم أن يجد لنفسه الهوية المناسبة له·
الرجوع إلى المغرب
ليلى مولودة في الدار البيضاء في المغرب ومقيمة في فرنسا منذ سبع سنوات، تقول: عمري 25 سنة· جئت لمتابعة الدراسات العليا وما زلت أحضر شهادة الدكتوراه· أعمل في مصرف فرنسي كبير في مجال الاستثمار·
لن تحملني الأحداث على مغادرة فرنسا· لست معنية بما جرى· معنى الأحداث ليس شاملا للجميع وهي تعني فئة من الناس· أنا جئت إلى فرنسا للدراسة وليس للعمل· وربما في هذا فارق بيني وبين كثيرين ممن جاءوا للعمل· أرى فرقا كبيرا بين من ولدوا في فرنسا وبين الوافدين المغاربة الذين تربوا في بلادهم واتوا للدراسة·
يمكنني أن أتفهم دوافع الشباب الذين قاموا بهذه الأعمال لكن ليس كل الدوافع· يمكن أن افهم أن هؤلاء حرموا من فرص تحسين أوضاعهم وشعروا أنهم مهملون وبالتالي قاموا بما قاموا به ليعبروا عن غضبهم، لكن من ناحية أخرى هم أيضا لم يقوموا بكل ما يجب القيام به من أجل تحسين أوضاعهم· هناك كثيرون ممن نجحوا من سكان الضواحي وهناك آخرون لم ينجحوا لكنهم لا يمارسون أعمال الشغب وبالتالي يجب ألا نعمم ما حصل·
مسؤولية مشتركة
حتى ننجح لا بد من الإقلاع عن تمضية الوقت في الحقد على النظام والشكوى منه لكن من جهة أخرى هناك شبان حرموا من العمل والفرص وشعروا بعزلة لأن إدارات المحافظات التابعين لها لم تبذل استثمارات كافية لإيجاد وظائف لهم·
لا أقارن وضعي هنا بوضعي في بلدي المغرب· يمكنني هناك أن أعيش وان أجد عملا وهنا أيضا· لم تصادفني أعمال عنصرية أبدا· أحيانا كنت أصادف بعض العنصرية في دائرة الحصول على الإقامة حيث كانوا يفتعلون الصعوبات بالنسبة لهذه الورقة الثبوتية أو تلك بقصد تأخير الحصول على الإقامة· على الدولة أن تتخذ مبادرات تجاه هؤلاء الناس، عليها أن تساعدهم· وعلى الشبان أن يبذلوا جهودا لحل مشاكلهم· ويجب أن نقول أيضا إن البعض منهم لا يبحث حتى عن الشغل ويشعرون بارتياح لوضعيتهم· لقد تحدث أحدهم على التلفزيون وقال إنه لا يريد أن يعمل· هناك مشكلة إضافية وهي أن بعض هؤلاء الشبان ضائعون· لقد فقدوا هويتهم ولم يعد للواحد منهم مرجع يلجأ إليه·
استدراج الفشل
أسامة مهندس في المعلوماتية في التعليم العالي الخاص، مقيم في فرنسا منذ 20 سنة·
الأحداث التي شهدناها في الأسابيع الماضية تعبر عن أزمة في الهوية عند المهمشين الذين استبعدتهم الجمهورية من أطرها وإنجازاتها· هناك إرادة غير مقصودة في فرنسا بعزل هؤلاء الناس· في الضواحي البطالة مرتفعة والمدارس فيها لا تلقى الاهتمام ولا تحظى بالتقديمات الحكومية كمدارس الأحياء الغنية في باريس أو في بعض المدن الكبرى· غالبا ما يرسل إليها أساتذة شبان تخرجوا للتو ولا يملكون أية تجربة عملية في المجال التربوي· هناك سبب آخر للأحداث هو أن الشرطة المحلية التي أنشاها وزير الداخلية السابق جان بيار شوفنمان وكانت عامل تهدئة داخل الأحياء ألغاها اليمين· كذلك ألغت الحكومة اليمينية الحالية برنامج ما كان يعرف ب ' خطة تشغيل الشبيبة' كانت الحكومة اليسارية السابقة قد أرست قواعدها مما سمح للعديد من الشابات والشبان بالحصول على عمل والانخراط في الدورة الاجتماعية بشكل مفيد ولائق·
ومن الأسباب أيضا غياب الخدمات، فهي معدومة في الضواحي أو سيئة للغاية· البيئة العمرانية أيضا تبعث على التوتر حيث تكثر المباني التي ترتفع إلى عشرة وخمسة عشر طابقا وأكثر وحيث وسائل التسلية شبه معدومة· كل ذلك يؤدي إلى الضيق والاختناق وهذا يستدرج العنف والفشل والفشل يستدرج الفشل·
قبل أن أتزوج بحثت عن شقة سكنية وزرت مناطق في تلك الضواحي· بصراحة الذي يعيش فيها يمكن أن يحرق فرنسا كلها وليس السيارات فحسب· السياسات الفرنسية المتعاقبة مسؤولة عن خراب الضواحي· طبعا هذا لا يعني أن سكان الضواحي لا يستفيدون من الحقوق المعتمدة كما يتخيل للبعض· إنهم فرنسيون ويتمتعون كغيرهم من الفرنسيين بالضمان الصحي وتعويضات البطالة والمساعدات العائلية والمدرسة المجانية الخ···
البؤس الاقتصادي وتردي الحالة الاجتماعية هما المسؤولان عن العزلة وإحساس المهاجرين بأنهم مهمشون· وأكبر مثال على ذلك في فرنسا هي أحياء المهاجرين من أصول آسيوية-الفيتناميين- التي تتمتع بالرخاء وتصنف من ضمن المعالم السياحية في باريس·
المشكلة معقدة
إذن المشكلة معقدة وليست بسيطة وتقع مسؤولية أحداث الشغب على الجميع· اليمين واليسار والمهاجرين أنفسهم لأنهم لم ينجحوا في الإمساك بزمام أمورهم و فرض أنفسهم وحمل الدولة على الاعتراف بوجودهم ومساواتهم بالآخرين· هم يحملون الجنسية الفرنسية ولكن لونهم وأسماءهم يمكن أن يشكل حجر عثرة أمام تقدمهم·
بالنسبة لسوق العمل أستطيع القول انطلاقا من تجربتي الشخصية انه عندما يكون الطلب كبيرا فان الجميع يحصل على عمل بغض النظر عن لون بشرته أكان عربيا أو صينيا أو أفريقيا، أكان ابيض أو أسود· العنصرية تبدأ بالظهور عندما يتراجع الطلب في سوق العمل ساعتئذ يمكن ل ' ميشيل' أن يتقدم على محمد و لا تتساوى الفرصة بين الاثنين· في مجال المعلوماتية على سبيل المثال عندما كان الطلب مرتفعا في العام 2000 تمكن كل من يعرف كيف يطبع على الحاسوب من الانخراط في السوق·
هناك جانب آخر يجب ألا ننساه وهو ان الدولة الفرنسية تساهلت مع الجنوح الموجود في الضواحي وأهملته منذ 30 عاما· ضمن معادلة اعملوا ما تريدون لكن لا تعبثوا كثيراً· منذ 2002 أراد ساركوزي ـ لأنه وزير للداخلية ولأنه يفكر في رئاسة الجمهورية ـ تغيير هذه المعادلة· قال انه يريد ضرب قادة العصابات وإنه ينتظر الفرصة المناسبة لذلك· هو يعتقد أن التصدي لهذه المشكلة يمكن أن يجلب له ناخبين·
أعتقد أن العنف الحالي عنف غبي ومجاني· هذا العنف يخدم الحكومة بمعنى انه يقدم لها ذريعة إضافية للتحكم بهجرة غير الأوروبيين· المشكلة الأساسية في الحركة الأخيرة التي عشناها أنها بلا قيادة· ولو كان لها زعيم لكان نظم تظاهرة في باريس من اجل رفض حالة الضواحي المزرية والمطالبة بالحقوق نفسها التي تتمتع بها بقية الأحياء والمناطق· ما حصل ينم عن غباء لأننا شاهدنا أولادا يحرقون السيارات صباحا في طريقهم إلى المدرسة· ما نفع حرق المدارس وحرق الملاعب ومن تخدم أعمال كهذه؟· ما معنى أن نحرق سيارة الجيران؟· علما أن العابثين ليسوا عربا وأفارقة فقط بل هم فرنسيون أيضا· في مدخل البناية حيث أعيش كانوا يتجمعون لشرب الكحول وتعاطي المخدرات· كان زعيمهم يدعى 'جان ميشال' وهو فرنسي وكان معه سود وعرب وآخرون· تخاصمت معهم خلال أربعة اشهر إلى أن حملتهم على الإقلاع عن تدخين الحشيش وشرب الكحول في مدخل البناء· هم خليط من الزعران· أنا أيضا اسميهم كذلك· بالنسبة لي الجانح هو الجانح بغض النظر عن عرقه· و لو صادفك جانح يحتاج إلى النقود لشراء المخدرات لحطم وجهك سواء كنت عربيا أو فرنسيا·
ما حصل عائد أيضا إلى اتقار هذا المجتمع إلى مرجعيات صلبة وأساسية· من هو المثال الأعلى لهؤلاء الشبان اليوم ؟ زين الدين زيدان ؟ ستار أكاديمي؟ صار الحصول على المال بوسيلة سهلة هو المرجع والاتهلاك السريع هو الغاية الوحيدة· وأعتقد أن موافقة أكثرية الفرنسيين على قانون الطوارئ ناتج عن الحالة المتردية في الضواحي كما شهدنا· يجب أن تسكني في هذه النواحي حتى تعرفي لماذا قال الناس نعم لقرار وزير الداخلية·

اقرأ أيضا