الاتحاد

دنيا

ضد التحرش

التحرش في كل مكان.. من الصعب اليوم أن تنعم فتاة بحياة هانئة هادئة.. تحرش لفظي وبدني وبالعينين وبالأفكار.. تحرش الأفكار مؤذ فعلاً، تصوري يا آنستي أن تمري بشاب فلا ينطق بحرف ولا ينظر لك ولا يحرك ساكنًا، لكنك تدركين جيدًا الأفكار المشينة التي تجول في ذهنه، هناك تحرش أحلام كذلك.. كل فتاة تعرف هذا النوع من التحرش عندما تراقب فتى شارد الذهن. تلتفت لصديقتها وتقول لها:
ـ«تصوري أن هذا الــــ يحلم بكذا وكذا ...»
فيشحب وجه صديقتها وتطلق السباب.
مصطفى صحفي شاب متحمس في جريدة (البعوضة) قرأ كثيرًا عن التحرش، وقرر أن يكتب تقريرًا ساخنًا يكشف أبعاد الظاهرة وأسبابها، سوف يلتقي – ككل التقارير المماثلة – بعالم نفسي يقول له إن المشكلة اقتصادية، ثم يلتقي بخبير اقتصادي يؤكد أن المشكلة أمنية، ثم يقابل عالم اجتماع يؤكد أن التربية هي السبب، ثم ينتهي المقال بأنه يجب تضافر الجهود من أجل حل هذه المشكلة.. كلمة (تضافر) جميلة جدًا وأنيقة وتدل على أنه لا يوجد حل للمشكلة، سوف يتفرق دمها بين القبائل، قليلة هي المشاكل التي لا تحتاج لتضافر جهود.. لو وجدت واحدة منها فأنت محظوظ.
هكذا خرج ومعه الكاميرا الرقمية الصغيرة ووقف على الكورنيش يراقب صفوف الفتيات.. لاحظ أنه ما من شاب يمر بهن ولا يقول شيئًا أو يأتي بحركة مضحكة. التقط مصطفى الكثير من الصور لهذا المشهد.
بعد هذا قرر أن يركب وسيلة مواصلات ركب الميكروباص.. وجلس جوار فتاة جميلة، وراح يسجل ردود أفعال الناس الجالسين، ورأى كيف أن أحد الشباب تعمد أن يتثاءب ليصطدم ذراعه بكتف الفتاة، بينما تظاهر آخر بالنوم ليسند رأسه على خصلات شعرها المنسدلة على مسند المقعد أمامه.
عندما ترجل مصطفى من الميكروباص، خطر له أن يراقب فتاتين جميلتين تمشيان في الشارع.. قرر أن يمشي خلفهما بالضبط ويتخيل أنه فتاة منهما..
هكذا راح يراقب أغرب مجموعة من ردود الأفعال.. لم يمر بهما شاب دون أن يقول شيئًا أو يلقي نكتة أو يتظاهر بأنه سيفقد وعيه .. الشباب الأكثر فظاظة مدوا يدهم ليلامسوا البنتين كما يفعل الإسبان. الخلاصة أن مسيرة فتاة متوسطة الجمال عادية الثياب في شوارع القاهرة مهمة انتحارية فعلاً. يجب أن تكون عمياء صماء وباردة جدًا لا تغتاظ ..
ظل يمشي وراء الفتاتين لمدة ربع ساعة وهو يدون في ذاكرته كل شيء ليستعين به فيما بعد.
اتجهت الفتاتان لتركبا المترو فنزل معهما .. لم تركبا عربة السيدات وهذا سلوك معتاد لأن عربة السيدات تعج بالرجال المتحرشين. لا توجد فيها سيدة واحدة ... بالفعل وجود هذه العربة قلل من التحرش كثيرًا لأنه جمع المتحرشين في مكان واحد.
ركب مصطفى العربة معهما وراح يراقب ردود الأفعال...سيكون مقالاً ممتازًا بالتأكيد. سوف يسر رئيس التحرير عندما .. ..............
الفتاة تصرخ:
ـ «أنت وقح عديم الحياء !.. لم نرد ركوب المترو لكن ملاحقتك لنا جعلتنا نفعل ذلك» وقالت الفتاة الأخرى بصوت عال كأنها سرينة سيارة إسعاف:
!.. أليست لديك أخوات ؟»
وهنا أدرك أنه هو الذي يتلقى السباب.. الفتاتان تلاحظانه منذ فترة إذن، والشيء الثاني الذي لاحظه هو أن العالم يعج بالشرفاء.. كل من في عربة المترو غلى الدم في عروقهم وثارت كرامتهم واعتبروا الفتاتين أختين لهم. هكذا راح كل واحد يوقع على قفا أو خد مصطفى بصفعة أو بصقة، مع سبة بذيئة .. ولا يعرف كيف تلقى ركلة قذفت به من باب المترو عندما انفتح في المحطة التالية، ولا كيف راح يركض والدم يسيل من أنفه وأسنانه.
لم يستطع كتابة التحليل على كل حال لأن عينيه كانتا متورمتين ولأن كل عظامه تؤلمه، لذا سره أن وجد جريدة (الزلابية) قد نشرت عدة صور له وهو يمشي وراء البنتين، وكذلك وهو يلتقط صورًا على الكورنيش .. وقد كان العنوان هو: «يوميات متحرش!»
وتحت التعليق: «مراسلنا يراقب لكم أحد الشباب المتحرشين، وهو يلتقط صورًا خفية للبنات . ويركب الميكروباص. لم يترك فتاة دون أن يمشي وراءها إلى درجة أنه ركب المترو مع فتاتين.” ثم كان هناك لقاء مع خبير نفسي وأستاذ في علم الجريمة ولواء شرطة متقاعد وعالم دين .. كل هؤلاء يناقشون مشكلة مصطفى. وكلهم يرون أهمية تضافر الجهود.
تحسس مصطفى خده المتورم وشعر برضا. مسيرة الصحافة مستمرة بمصطفى أو من دونه . هناك من قام بالمهمة كاملة وتكلم عن التضافر. إذن الحياة ما زالت باسمة مليئة بالأمل.

د. أحمد خالد توفيق

اقرأ أيضا