الاتحاد

عربي ودولي

أوروبا وأميركا قوة الضعف وضعف القوة


تأليف - مارك ليونارد
ترجمة وعرض -عدنان عضيمة:
هذا الكتاب، الذي اختار له مؤلفه 'مارك ليونارد' العنوان المبهم 'لماذا ستخوض أوروبا القرن الحادي والعشرين؟' ونشره قبل أشهر قليلة، يحمل القارئ على تجنب النظر إلى أوروبا باعتبارها معقلاً لدكتاتورية حكم المكاتب 'البيروقراطية' والنظم القانونية العتيقة، بل باعتبارها نموذجاً ثورياً لصناعة القوة في المستقبل·
ويرى ليونارد أنه لا يجوز لأي إنسان أن ينسى للحظة واحدة أن أوروبا كانت وستبقى المعقل الأول والمتقدم لنشر الديموقراطية في العالم، ويمكن القول ان الكتاب يضع تصوراً واقعياً لمكانة أوروبا في العالم، ويلقي نظرة معمقة على الماضي والمستقبل ليخرج من ذلك بنتيجة مفادها: أن القارة الأوروبية سوف تسهم بشكل كبير في صياغة نظام عالمي جديد أكثر إشراقاً وانطواء على الأمل بالنسبة لشعوب العالم كافة·
ففي عصر جديد يوحي بتغير وشيك لموازين القوى الموروثة عن نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي وقت يشهد بروز دول قوية جديدة لم تكن قبل بضع سنوات ذات وزن عسكري يحسب له حساب كالصين والهند، أصبح المحللون العسكريون والسياسيون يضعون الكثير من علامات الاستفهام حول الإمكانات الراهنة والمقبلة لأوروبا الحديثة كقوة عالمية، وخاصة في أعقاب النجاح الذي تحقق في لمّ شمل معظم دول القارة القوية ضمن حلف موحد ناجح هو الاتحاد الأوروبي·
ليونارد: القوة بمفهومها المتحضر الحديث لم تعد تقاس بمكيال الميزانيات العسكرية
يقول المؤلف إن أولئك الذين يعتقدون أن أوروبا هي كيان ضعيف وغير مؤثر في لعبة صراع القوى العالمية، مخطئون· وهو يرى أن الشيء المهم الذي ينبغي الانتباه إليه يكمن في أن أوروبا أصبحت تنظر إلى العالم بمنظارها الخاص، وأنها لا تبدو 'قارة ميتة' إلا من خلال النظر إليها بأعين أميركية· ويصف ليونارد النظرة الأميركية لأوروبا بأنها سطحية وضيقة فيما تتميز النظرة الأوروبية للأمور الاستراتيجية الدولية باتساع الأفق وعمق التصور·
ولا يزال الأوروبيون يروجون بنجاح لقيمهم وأفكارهم الحضارية في كل مكان من العالم ··وقد نجحوا في اجتذاب الكثير من دول العالم إليهم وحمولوها على الدوران في فلكهم بدلاً من زجّ أنفسهم في موقع معاداة القريب والبعيد··ويضيف ليونارد: إنه حالما تقع بلدان العالم تحت تأثير القوانين والعادات الأوروبية فإنها تبقى أسيرتها إلى الأبد·
انتهاء عصر
ويمضي المؤلف في تقييمه للتغيرات التي طرأت على المواقف الاستراتيجية لكل من أميركا وأوروبا الموحدة فيشير إلى أنه ثبت خلال السنتين الماضيتين أكثر من أي فترة أخرى مضت، أن الإمكانات الحقيقية للقوة الأميركية محدودة··لقد انتهى عصر السيطرة الاقتصادية الأميركية على بقية العالم· ودليل ذلك أن الناتج القومي الإجمالي لأميركا كان في عام 1950 يعادل ضعف الناتج القومي الإجمالي لأوروبا الغربية كلها، وخمسة أمثال الناتج القومي لليابان، أما اليوم فلقد تساوى هذا الناتج مع الاتحاد الأوروبي وأصبح أقل من ضعف الناتج القومي لليابان·
كما أن القوة السياسية للولايات المتحدة تعاني من الانحسار والتقهقر المستمرين وخاصة بعد فشلها في الحصول على الدعم الأوروبي أو حتى من الدول التي تعتمد اقتصادياً على المساعدات الأميركية كالمكسيك والشيلي، وأكدت هذه الأحداث أن الثمن الذي يجب أن يدفعه كل من يتجرأ على الصراخ بكلمة 'لا' في وجه الولايات المتحدة أصبح منخفضاً جداً·
ويقول الباحث الاستراتيجي دافيد كاليو: 'في وقت تنظر فيه أوروبا إلى العالم أجمع على أساس أن كل إنسان فيه هو صديق مقبل، فإن أميركا أصبحت تعيش في عالم تعتبر فيه كل قوة مستقلة عنها عدواً مقبلاً'· وكان من نتيجة هذا السلوك أن قدرة الولايات المتحدة على تحقيق الأهداف التي تسطرها لنفسها في مناطق نفوذها في العالم أصبحت تضعف كلما زاد اعتمادها على القوة لتحقيقها· وحتى نتمكن من فهم الشكل الذي ستكون عليه الأمور في القرن الحادي والعشرين، نحتاج إلى ثورة شاملة في الطريقة التي نفكر فيها بموضوع القوة العسكرية والسياسية والاستراتيجية·
ويقول المؤلف ان مصطلح 'الإمبراطورية الأميركية' الذي يحمل في طياته الكثير من المبالغة، يفتقر في مضمونه وإيحاءاته إلى الحقيقة التي تفيد بأن نظرة الولايات المتحدة إلى الأمور من النواحي السياسية والعسكرية أصبحت سطحية وضيقة، ويمكن للقوة الوحيدة أن تبتز أو تستأسد أو تفرض رغباتها في أي مكان من العالم، ولكنها عندما تدير ظهرها تضعف هيبتها وينعدم تأثيرها·
وأما قوة الاتحاد الأوروبي فهي على النقيض من ذلك لأنها تستند إلى نظرة أعمق وأكثر شمولاً للقضايا الدولية، وعندما تقع البلدان في نطاق تأثيرها فسوف تبقى تحت هذا التأثير إلى الأبد إلى أن تكون قد تغيرت تماماً، وكانت أوروبا خلال فترة تربو على خمسين عاماً قضتها تحت مظلة الحماية الأمنية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعمل بدأب ومثابرة على خلق أسس 'المجتمع الديموقراطي'، وكانت تستغل إمكاناتها التجارية والاقتصادية لإعادة تشكيل مجتمعات الدول الأخرى من الداخل·
وفيما تمكنت دول نامية مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وحتى الصين، من تحقيق تطورها الاقتصادي المنشود وبدأت في البروز على المستوى السياسي الدولي، فإن النموذج الأوروبي كان يحرص على تدعيم الإنجازات الذاتية لتلك الدول وحماية أمنها، ولا شك أن هذه الدول سوف تحرص دائماً على المشاركة الفعالة في بناء أوروبا القرن الحادي والعشرين·
بقعة الحبر··والورق
إذا قمت بتحميل محرك البحث في موقع 'جوجل' على الإنترنت بالكلمتين المتتاليتين 'أزمة أوروبا' ،َّىَّىْ مُِِّْ وطلبت منه أن يبحث لك عن عناوين البحوث ذات العلاقة بهذه العبارة، فسوف يقدم لك أكثر من أربعة ملايين مدخل· وكثيراً ما كانت الصحف السيّارة تستخدم هذا التعبير إلى أن أصبح مألوفاً· ولم تتوقف هذه الصحف خلال السنوات الخمسين الماضي ليوم واحد عن التطرق لقصص تتعلق بالانقسام الأوروبي والفشل في تحقيق الأهداف والخلافات السياسية بين دول القارة، ولكن لدى المؤرخين المنهجيين قصصاً أخرى تختلف عن تلك التي يرويها الصحفيون، فهم يصفون القارة الأوروبية بأنها تحتكم إلى السياسات الخارجية الأكثر نجاحاً وفعالية عبر التاريخ، وهم يخبروننا أيضاً أنه خلال السنوات الخمسين الماضية، تمكن الأوروبيون من جعل فكرة الحرب بين البلدان المختلفة في القارة أمراً مستبعداً تماماً، وأن أوروبا تمكنت من تخليص موجات متتالية من شعوب العالم من ربقة الدكتاتورية، وقادتها إلى الديموقراطية·
وعندما ينظر الأوروبيون إلى خريطة العالم فإنهم يشيرون بابتهاج إلى المناطق التي أصبحت تنعم بالسلام في قارتهم والتي تزداد انتشاراً كبقعة الحبر عندما تنسكب على الورق النشاف· وهي تمتد من الشاطئ الغربي لأيرلندا حتى شرق البحر الأبيض المتوسط، ومن الدائرة القطبية شمالاً حتى مضيق جبل طارق·· وما زالت هذه القوة التي تدعى الاتحاد الأوروبي تضم بلداناً جديدة إلى عضويتها· ويضاف إلى ذلك أن بقعة الحبر هذه التي تمثل دول الاتحاد ذات الـ450 مليوناً من السكان، بدأت تصبغ بلداناً مجاورة تضم 350 مليوناً من البشر، وتحيط بهذه المنطقة ذات الاتساع الهائل، بلداناً مجاورة تضم 900 مليون نسمة وكلها تتعامل مع الاتحاد الأوروبي باعتباره الشريك التجاري الأكبر والمصدر الأكثر أهمية للاستثمارات والمساعدات المالية والتقنية، وهذا العدد الهائل من السكان الذي يبلغ 2 مليار نسمة أو ما يساوي ثلث عدد سكان العالم، يستوطن القارة الأوروبية وما يجاورها مما يجعل هذه القارة مركز الثقل العالمي الحقيقي·
وبما أن الأخبار المتعلقة بالقوة السياسية والعسكرية لأوروبا والتي نطالعها كل يوم، غالباً ما تكون من صنع الصحفيين بدلاً من المؤرخين، فلقد خرجت على الشكل الذي يوحي بأنها قارة ضعيفة، ولكن عندما تحرص دولة قوية مثل روسيا على توقيع معاهدة كيوتو التي تهدف لحماية الجو من انبعاث المزيد من غازات البيت الأخضر التي تسبب احترار الأرض، من أجل إرضاء الأوروبيين، وعندما تعمد بولندا لأول مرة في تاريخها إلى إصدار القوانين التي تضمن حماية الأقليات العرقية في البلاد تنفيذاً لأحد شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي، وعندما تلجأ تركيا إلى تغيير الكثير من قوانينها حتى تنسجم مع القوانين السائدة في أوروبا، فسوف يكون من الضروري إعادة النظر في مفاهيمنا العفوية لكل من القوة والضعف·
دولة بلا رئيس
ويمكننا أن نرى الآن كيف نشأ هذا المفهوم الجديد للقوة التي لا يمكن أن تقاس بمكيال الميزانيات العسكرية، ولا بمدى تطور تكنولوجيا الصواريخ الذكية العابرة للقارات، وهذه القيمة الاستراتيجية من النوع الذي لا تظهر فعاليته إلا على المدى البعيد، وهي توشك على إعادة تشكيل العالم بدلاً من سعيها لمجرد تحقيق انتصارات زائفة في معارك هامشية، وعندما نكفّ عن النظر إلى العالم بأعين أميركية فسوف نتمكن عندئذ من الاستنتاج بأن كل عنصر من عناصر 'الضعف الأوروبي' هو في حقيقة الأمر عنصر قوة من النوع الذي لا يزول·
ولقد اعتاد الأوروبيون على نبذ عادة التفاخر بقوتهم أو حتى الحديث عن 'نموذج مستدام منفرد للتطور'، بل عمدوا بدلاً من ذلك إلى العمل عن طريق شبكة صلبة من التراكيب السياسية التقليدية على تحقيق التطور والنمو والرفاهية، ولهذا السبب بقيت كافة المؤسسات القانونية والمدنية في بريطانيا كما هي، ولكنها أصبحت جميعاً مجرد وكالات تعمل تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، وهذا الإجراء ليس عارضاً أو استثنائياً بل إنه مقصود، فعندما يتم تبني مجموعة من المعايير العامة التي تسهم في مكاملة نصوص ومرامي الدساتير المحلية لكل دولة مع الدول الأخرى المشاركة في الاتحاد، فسوف يكون في وسع أوروبا أن تنشر تأثيرها إلى مدى أبعد من دون أن تعرض نفسها للعداء من قبل الآخرين·
وفيما أصبحت كل الشركات والسفارات والقواعد العسكرية الأميركية هدفاً للإرهاب، فلقد كانت المؤسسات الأوروبية المشابهة تزداد انتشاراً في العالم دون أن تتعرض لمثل هذا الخطر الداهم، وهناك حقيقة مهمة أخرى تكمن في أن أوروبا الموحدة هي دولة بلا رئيس أو قائد، وبدلاً من ذلك فإنها تدار بواسطة شبكة من مراكز القوى تعمل جميعاً تحت مظلة مجموعة من السياسات والأهداف الواضحة·· ويعني ذلك أن هذا الكيان المنظم كخلية النحل، قادر على التوسع والانتشار عن طريق ضم المزيد من الدول الجديدة إلى عضويته دون قيام أي احتمال لتصدعه أو تفككه، وما زال هذا النظام ذو الرباط المتين يقدم لأعضائه مجموعة كبيرة من المزايا والفوائد من بينها أنه يمثل أضخم سوق لترويج السلع والمنتوجات والخدمات في العالم أجمع·
ولا يبدو الأوروبيون شديدي الاهتمام بسياسة مناطق النفوذ 'الجيوبوليتيك' عندما يتحادثون مع سياسيي الدول الأخرى· وهم يفضلون استهلال الأمور من النهاية الأخرى للموضوع مثل التساؤل عن الأشياء التي تدعم وجود الدولة، وماذا عن طبيعة دستورها وأطرها التنظيمية؟·· وطالما أن أوروبا الموحدة تعمل بوحي من نظام متكامل من الأطر القانونية فإن في وسعها أن تغيّر تماماً من السياسات التنظيمية لكل دولة تنشد التعاون معها بدلاً من مجرد تغيير الأطر السطحية·
ولا شك أن الولايات المتحدة تمكنت من تغيير نظام الطالبان في أفغانستان دون أن تتمكن من تغيير أسلوب الأفغان في الحياة· وخلافاً لذلك، نجح الاتحاد الأوروبي في تغيير المجتمع البولندي برمته، من سياساته الاقتصادية إلى قوانينه البائدة المتعلقة بالملكية الشخصية وحتى أساليب التعامل مع الأقليات العرقية·
التعاون بدلاً من الترهيب
ويمضي ليونارد في عرضه المسهب لأسس ومضامين السياسات المتوازنة التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي في علاقاته الخارجية ليشير إلى أن أوروبا لا تفكر أبداً في تغيير أنظمة أو سياسات البلدان الأخرى، كما أنها لا تلجأ إلى التهديد بغزوها إن لم تستجب للشروط التي تفرضها لإقامة العلاقات معها، وأقصى ما يمكن لأوروبا أن تفعله مع دولة لا تستجيب لرؤيتها الخاصة حول سياسة الإصلاح هو أن تنفض يدها من التعامل معها، وفيما ينشغل الاتحاد الأوروبي بشكل كبير في إعادة بناء صربيا وتحقيق رغبتها في 'إعادة التأهيل' كدولة أوروبية، فإن الولايات المتحدة ضنّت على حليفتها كولومبيا حتى بالقليل التافه من المساعدات المادية لإخراجها من محنتها الاقتصادية والسياسية·
ومع تأسيس أكبر سوق داخلي منفرد في العالم أجمع، أصبحت أوروبا عملاقاً اقتصادياً وفقاً لكل المقاييس التي تحدد هذا المصطلح· وبناء على حسابات وإحصائيات حديثة يمكن القول ان السوق الأوروبية أصبحت الأضخم في العالم دون منازع، ولعل الأهم من ذلك كله هو أن الطابع الخاص الذي يميز السوق الأوروبية المشتركة هو الذي يجعل منها نموذجاً يحتذى، من ذلك مثلا الانخفاض الشديد في مستويات التمييز بين شعوب الدول المشاركة فيها·
كما أن سياساتها الدقيقة والمدروسة بعناية في ميدان الطاقة تحمي كل الدول الأعضاء من أخطار الركود الاقتصادي والتضخم بسبب الارتفاع المفاجئ للأسعار· وبلغت دقة التنظيم الاجتماعي أن وضع المسؤولون عن توزيع العطل وساعات العمل في اعتبارهم أن يوفروا حيزاً كافياً من الوقت للموظفــــــين والعمال للبقاء إلى جانب عائلاتهم وأبنائهم·
وتحتكم شعوب أوروبا الموحدة إلى مزيج مركب من الشعور بالنشاط والحيوية والحرية والاستقرار والرخاء، وهي المشاعر التي نبعت أصلاً من تطبيق الديموقراطية الاجتماعية·
ومع تزايد معدلات الثراء في العالم، وتخطي معظم الشعوب لمشكلة تحقيق الحاجات الأســـــــــاسية كالماء والغذاء، فسوف تصبح الطريقــــــة الأوروبيــــة في الحياة أمراً لا يمكن مقاومتــــه بالنسبة للكثير من الدول·

اقرأ أيضا

سريلانكا تنهي حالة الطوارئ بعد 4 أشهر على "الهجمات الدامية"