الاتحاد

دنيا

اختلاف الرأي بين فقهاء الأمة يحمل في طيه التيسير على العباد

مما لا شك فيه أن الاختلاف في الرأي بين فقهاء الأمة يحمل في طيه التيسير والرحمة بعباد الله، وفي الوقت ذاته يعطي دلالات واضحة لأصحاب العقول والنهى كيف تكون مراعاة الأحوال لهذه الأمة من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة.
ويعلمنا كذلك أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وأن التباين في وجهات النظر ينبغي أن لا يمزقنا، أو يفرقنا فرادى وجماعات؛ لأنه مما يستقر في الوجدان أن فقهاء الأمة وأعلامها قد اختلفوا ومع اختلافهم، داروا في فلك المحبة، والألفة والأخوة، وكانوا في بناء الأمة بنياناً مرصوصاً يشد بعضه بعضاً. ولقد واتخذ الخلاف في الرأي عندهم عدداً من المظاهر التي يجب أن نتأسى بها في واقعنا المعاصر وعالمنا اليوم، منها:
أن فقهاء الأمة وأعلامها لسماحتهم وتواضعهم كان البعض منهم يترك مذهبه أحياناً ويقضي بمذهب غيره وعمله أو اجتهاده، فمثلاً ترك الإمام الشافعي رضي الله عنه القنوت في صلاة الصبح حين صلى في مسجد أبي حنيفة، وسئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن من رأى الإمام احتجم ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ أيصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف مالك وسعيد بن المسيب؟! مع مخالفة رأيهما لمذهبه.
متعصبو المذاهب
ومن فتاوى الإمام ابن تيمية أنه قد سئل عن عدد التكبير في الأذان والترجيع فيه، فقال: إنّ الصواب هو جواز كل ما ثبت من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يكره ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.
وعلى هذا فمن بلغ الحال به إلى التفرق والتشرذم لدرجة أن يوالي من وافقه، ويعادي من خالفه، فقد بين العلماء أن هؤلاء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، وأن الواجب عدم السير وراء متعصبي المذاهب، ومما يجب أن يعلمه الجميع أن الصحابة رضوان الله عليهم قد تفرقوا في الأقطار فكل روى ما شاهد، فإذا صحت الروايات بصفات متعددة كان ذلك دليلاً على أن الأمر واسع، ولكل سنة متبعة، ومن تمام السنة في هذا النوع: أن يفعل المسلم هذا تارة، وذلك تارة أخرى، وهذا في مكان وذلك في مكان آخر.
كذلك كان من أدب وورع العلماء في هذه الأمة ألا يجزموا أو يقطعوا بحكم مما يحكمون به على أنه حكم الله تعالى، وأن هذا الحكم هو مقصود الشارع دون غيره، وإنما كانوا ينسبون ذلك إلى أنفسهم، فإذا ما أخطأوا رجع الخطأ إليهم لا إلى الإسلام، ومن ثم كان الواحد منهم يقول: هذا رأيي، أو هذا ما أستحسنه، أو هذا ما أكرهه، أو هذا لا أخالفه، ويتحاشون القطع في المسائل الاجتهادية.
سماحة السلف
كذلك كان من سماحة سلف الأمة رضوان الله عليهم في اختلافهم أن الواحد منهم لا يحمل غيره من أفراد الأمة على الأخذ برأيه والالتزام بمذهبه، ولعل من أبرز ما يدل على ذلك أن إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه رفض أن يحمل الخليفة العباسي المنصور الناس على موطئه مع تحريه الصحة والدقة فيه ما أمكنه ذلك.
كذلك من أدب الاختلاف عند سلف الأمة رضوان الله عليهم أنهم كانوا ينهون الناس عن اتخاذ مذهبهم حجة على غيرهم، أو التعصب لهم، فقد روى عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم مآخذه من الكتاب والسنة وإجماع الأمة أو القياس الجلي في المسألة والجميع على أنه “إذا صح الحديث فهو مذهبي”.
كذلك من أدب الاختلاف عند سلف الأمة رضوان الله عليهم أنه كان يعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه دون تجريح أو تسفيه حتى أن عبد الله بن الإمام أحمد رضي الله عنهما قال لأبيه ذات يوم: أي رجل كان الشافعي؟ فإني أسمعك تكثر الدعاء له؟! فقال: يا بني كان الشافعي رحمه الله كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض؟! وقال الإمام أحمد رضي الله عنه إذا سئلت في مسألة لا أعرف فيها خبراً قلت فيها: يقول الشافعي، وذلك لإمامته وثقته وعلمه، ويقول الإمام الشافعي عن أستاذه مالك “مالك بن أنس معلمي، وعنه أخذت العلم، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم”، وكان يقول: إذا جاءك الحديث من مالك فشد به يديك، فلقد كان مالك بن أنس إذا شك في الحديث طرحه كله. لقد التزم سلف الأمة رضوان الله عليهم بذلك لأنهم فهموا مقصود الله سبحانه في كتابه، ووعوا ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه وسنته فأدركوا أن الحق سبحانه وتعالى أثنى على المجتهدين وإن أخطأوا ما داموا قد أخلصوا في اجتهادهم، وبذلوا الوسع والطاقة في سبيل إدراك الحق والوصول إليه.
يقول سبحانه (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) “سورة النمل”. ويقول صلى الله عليه وسلم “من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر”. ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم وقد صوب المختلفين في كثير من الأمور التي لها من التأويل محملاً ومن تعدد النظر مدخلاً، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يرى أن كل واحد من صحابته يخالجه شعور بأن ما ذهب إليه أخاه المسلم يحتمل الصواب كالذي يراه لنفسه، وهذا الشعور كفيل للحفاظ على احترام كل من المختلفين للأخر، والابتعاد عن التعصب في الرأي والغلو في القول، أضف إلى ذلك التزامهم بالتقوى وتجنبهم الهوى، وهذا من شأنه أن يغرس في النفوس تجرداً للحق حتى يكون هدفاً ترنو إليه أنظار المختلفين، فلا يهتم أي منهم على أي لسان ينجلي الأمر أو تظهر الحقيقة، أضف إلى ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم لدى اختلافهم قد التزموا بآداب الإسلام فانتقوا أطايب الحديث متجنبين الجارح من الكلام والألفاظ مع حسن استماع كل منهم إلى الآخر.
هذا هو شأن سلفنا الصالح في اختلافهم رقي في المبنى وفى المعنى، وفي الحجة والبرهان واللفظ والحديث ساقوه في أبهى حلل الجلال فكان اختلافهم يعبر عن نظرة تكاملية تسهم بإيجابية في تشييد صرح دولة الإسلام، وتدعيم أركانه وتحمل في الوقت ذاته الرحمة للأمة وترفع عنها الحرج والضيق.



د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

اقرأ أيضا