الاتحاد

دنيا

الشريعة تراعي الحاجة والمصلحة في قواعدها الفقهية

(القاهرة) - تراعي مراتب المصالح في الشريعة ثلاثة أقسام: الأول الضروريات وهي الحالة من المشقة التي معها يخشى فوات إحدى الكليات الخمس، والثاني، الحاجيات وهي الحالة من المشقة التي معها لا يخشى فوات إحدى الكليات الخمس، لكن يوجد معها الضيق والحرج الشديد، والثالثة، التحسينيات وهي الحالة التي لا توجد معها مشقة، لكن يقصد من فعلها نوع من الترفه دون الخروج عن الحد المشروع.
ومثال الأولى حالة الجوع الشديدة التي يخشى معها الموت، ومثال الثانية حالة الشبع التي تتحقق من نوع واحد وإن كان من رديء الطعام، ومثال الثالثة حالة الشبع التي تتحقق من ألوان الطعام المختلفة.
ومن قواعد الفقه المهمة والمشهورة قاعدة «الحاجة تنزل منزلة الضرورة» وقال عنها الدكتور حلمي عبدالرؤوف الأستاذ بجامعة الأزهر إن الحاجة في هذه القاعدة هي ما يفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة، فهي مرتبة وسط بين الضروري والتحسيني، أي بين الأشياء المهمة والكماليات، فهي أدنى من الضرورة وفوق التحسين - الكماليات، وكثيرا ما تستعمل بالمعنى الأعم، فتطلق ويراد بها ما يشمل الضرورة.
ومعلوم أن الضرورة هي الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وهي حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال. أما التحسينات أو الكماليات فهي الأمور التي لا تدعو إليها ضرورة ولا حاجة، ولكنها تقع موقع التحسين والتيسير ورعاية أحسن المناهج في المعاملات والعادات.
ومعنى القاعدة أن التسهيلات التشريعية الاستثنائية لا تقتصر على حالات الضرورة الملحة، بل تشمل حاجات الأمة التي هي دون الضرورة سواء كانت عامة أم خاصة، ومعنى كون الحاجة عامة أن الناس جميعاً يحتاجون إليها في تجارة أو زراعة أو صناعة أو غير ذلك من مصالح الأمة، ومعنى كونها خاصة أنها يحتاج إليها فرد أو أفراد محصورون أو طائفة خاصة، كأرباب حرفة معينة.
القواعد العامة
وعلى أساس هذه القاعدة شرعت أحكام من قبيل الاستثناء من القواعد العامة للاحتياج إليها، فقد صح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه «نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم»، فالترخيص في بيع السلم، مع أنه يبيع شيئا معدوما، ولكنه موصوف في الذمة إنما كان لحاجة كثير من الناس إلى بيع منتوجاتهم واستلاف أثمانها قبل إنتاجها للاستعانة على الإنتاج.
ومن الفروع المخرجة على هذه القاعدة، والتي تعتبر من الحاجة الخاصة وبها كثير من اللطائف: الأكل من طعام غير المسلمين في دار الحرب، فإنه جائز للقائمين رخصة للحاجة ولا يشترط أن يكون معه طعام آخر، بل يأخذ قدر كفايته. ومثله أيضا: جواز لبس الحرير للرجال بسبب مرض الجرب أو الحكة، وكذلك اقتناء الكلاب للحراسة وحفظ الزروع والمواشي واكتساب الصيد. ومراعاة “الحاجة” في هذه القاعدة مقصد الشريعة، فالحاجة مفتقر إليها من حيث التوسعة والتيسير ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج واليسر ورفع المشقة، والحرج في الأحكام الشرعية من مبادئ الشريعة والتكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، ومصالح الدنيا والآخرة ثلاثة أقسام كل قسم منها في منازل متفاوتة.
أما مصالح الدنيا فتنقسم إلى الضرورات والحاجات والتكميلات، فأقل المجزئ من المأكل والمشرب والملابس والمساكن والزواج وغيرها ضروري، وما كان من ذلك في أعلى المراتب كالمآكل الطيبات والملابس الناعمات والقصور الواسعات فهو من التتمات والكماليات، وما توسط بينهما فهو من الحاجات.
وأما مصالح الآخرة ففعل الواجبات واجتناب المحرمات ضروري، وفعل السنن المؤكدات من الحاجات، وما عدا ذلك من المندوبات فهي من الكماليات والتتمات. والحاجات وإن كانت أدنى رتبة من الضرورات، باعتبار أن الضرورات هي الأصل، إلا أن الحاجات مكملة لها، والمحافظة عليها وسيلة للمحافظة على الضروريات، كما أن ترك الحاجات يؤدي في النهاية إلى ترك الضرورات، ولذلك قصد الشارع المحافظة على هذه القواعد الثلاث الضرورية، والحاجية والتحسينية.
لبس الحرير
وللتوضيح فيما جاء بخصوص الحرير: استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم لبس الحرير: عن عبدالله بن زرير يعني الغافقي أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرًا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا، فجعله في شماله ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي».

اقرأ أيضا