الاتحاد

دنيا

قصة جسدين ملتصقين


أحمد مصطفى العملة:
كل الآباء يتمنون ألا تتباعد المسافات بين أبنائهم··· إلا محمد إبراهيم، صعيدي من جنوب مصر، تمنى من الله أن يباعد قدر الامكان بين طفليه محمد واحمد··· وكان معه حق، لأن الصغيرين جاءا للحياة قريبين من بعضهما أكثر من اللازم·
لقد ولدا ملتصقين من الرأس بطريقة نادرة جدا، وكان الفصل بينهما يعني موت أحدهما أو كلاهما أو إعاقة خطيرة تبقى مع صاحبها طول العمر·
بصراحة، احتاج الأمر إلى حكمة سليمان وصبر أيوب وتسليم إبراهيم بقدر الله·· فقد كانت معضلة حقيقة بالنسبة لإبراهيم حارس المدرسة بسيط الحال· بدا الأمر أمامه وكأن عليه أن يختار بين واحد من الطفلين·· إما أحمد أو محمد· كان السؤال صعبا·· صحيح أن أحدا لم يطرحه عليه صراحة، لكن كلام الاطباء كان فيه من المعاني ما يشي بذلك·· وابراهيم على بساطة حاله، ذكي ولماح ويفهمها من بعيد· ومن حديثه معي ذات مرة فهمت أن الخاطر المربك تردد داخله ولو همسا·
تشجعت قليلا وسألت إبراهيم - كان الحديث قبل واحدة من الجراحات الدقيقة التي خضع لها الطفلان قبل أشهر ـ عمن كان يختار لو خير·· رفض الإجابة بصورة مباشرة، لكنه ألمح من بعيد إلى أن محمد هو الأكثر شقاوة ومرحا وصخبا، وانه يشبهه هو شخصيا ويذكره بوالده·· ومحمد كان ضعيف البنية واحتمالات وفاته أكبر· أما أحمد فقد كان أثقل وزنا· صورهما الأولى معا وقد التحمت رأساهما ربما تذكر بقصة نجيب محفوظ 'قسمتي ونصيبي' التي تحدث فيها بعمق فلسفي كبير عن صراع روحين جاءا للدنيا في جسد واحد·
وبعكس المعلم زينهم والست عنايات - بطلي محفوظ ـ لم يكن احمد ومحمد باكورة ذرية ابراهيم وزوجته الست صباح، فعندهما من الذرية اثنان· محمود وأسماء·
حسبة معقدة واحتمالات خطيرة غرق فيها إبراهيم مع الأطباء في القاهرة· في البداية تصور أن الطفلين اللذين اعتبرهما أقاربه وجيرانه في القرية 'بركة' لن يبقيا طويلا على قيد الحياة بعد مولدهما في يونيو ·2001
لكن الاطباء وجدوا أن 'الحالة' تستحق عناء المحاولة···
و'الحالة' من البداية كانت معجزة، كرت خلفها سبحة من المعجزات· فمن قرية صغيرة على بعد نحو 400 كيلومتر جنوبي القاهرة انتقل الصغيران بعد أيام من مولدهما في 2001 يونيو إلى مستشفى حكومي شهير في العاصمة المصرية ثم أمضيا عاما كاملا لا يدري الاطباء ماذا يفعلون معهما أو بهما· فهما شخصان حقيقيان لكل منهما قلب وعقل وأعضاء منفصلة تماما، لكن ثمة اتصالا وتشابكا والتصاقا معقدا عند الرأس في منطقة مليئة بالشرايين الدقيقة والخطيرة جدا·
وفجأة تلوح في الافق فرصة للسفر الى أمريكا· وهناك تعاطف مع 'الحالة' كينيث سالير أحد أشهر الاطباء الامريكيين في جراحات الجمجمة والوجه· وهو بالمناسبة كان ذاك الطبيب الشاب الذي حاول انقاذ الرئيس الامريكي الراحل جون كنيدي عندما نقلوه الى مستشفى بدالاس فور اطلاق النار عليه·
سالير اعتبر الطفلين تحديا جديدا لم يسبق أن واجهه·· فقرر خوض المغامرة· وبعد تعب وجهد وصبر من الجميع، الاب والأم والأطباء على مدار أشهر طويلة، نجحت جراحة الفصل بين التوأم وصارا جسدين حقيقيين لكل منهما استقلاله منذ نحو عامين·
وبعد الرحلة الطويلة في غرف العمليات وردهات المستشفيات واللون الأبيض المثير للقلق والتوتر وروائح الأدوية النفاذة عاد الاثنان إلى مصر قبل أيام· وكان الاستقبال غير عادي لان إبراهيم لم يتخيل يوما انه سيعود بالطفلين كل على مقعد منفصل·
وستبدأ رحلة جديدة مع العلاج الطبيعي حتى يستعيد الاثنان كامل لياقتهما ويستطيعان العيش بصورة طبيعية·
وقياسا بحالات أخرى مماثلة تعد نتيجة عملية محمد واحمد معجزة حقيقية، لان محاولات سابقة للفصل بين توائم ملتصقة أدى في بعض الأحيان الى كوارث انسانية·
وربما كانت حالة الفتاتين الإيرانيتين اللتين حاول الأطباء الفصل بينهما في سنغافورة عام 2003 نموذجا مأساويا للمصير الذي يمكن أن تنتهي اليه جراحات من هذا النوع·
ومثلما تطرح حالات التصاق التوائم هذه تحديات طبية، فانها في الوقت ذاته تفجر جدلا أخلاقيا وإنسانيا تتقاطع فيه الأراء والمواقف حيث تكون حياة الإنسان ومصيره وجسده على المحك دونما اختيار منه أو قرار·

اقرأ أيضا