صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

اقتصاد اليابان المزدهر يخالف مقاييس منحنى «فيليبس»

عندما ينخفض معدل البطالة، يرتفع التضخم، هذه العلاقة التي يطلق عليها اسم منحنى فيليبس، لم تثبُت صحتها خلال السنوات الماضية في عددٍ من الاقتصادات العالمية. أما في اليابان، فقد ثبت أن الواقع يناقض تماما افتراضات هذه النظرية الاقتصادية، وهذا ما سيضطر محافظو البنوك المركزية في كل مكان لمواجهته خلال الأعوام المقبلة.
اليابان، على نحو غير معهود، تشهد ازدهاراً اقتصادياً. فقد نما الناتج بنسبة 1.9% في العام الماضي، وعلى الرغم من انكماش هذا النمو خلال الربع الأول من العام الحالي، فمن المنتظر أن تشهد اليابان نمواً بنسبة أكثر من 1% في نهاية العام المالي الحالي. ويعد هذا أسرع معدل نمو للاقتصاد في اليابان على المدى الطويل منذ الحرب العالمية الثانية.
من خلال تطبيق المقاييس الاقتصادية العالمية، فإن الاقتصاد الياباني يزدهر بشكل مطرد. فقد بلغ إجمالي النشاط التجاري الآن 1.5%، وهو أعلى من المعدلات العادية، وذلك حسب تقديرات البنك المركزي في اليابان. أما معدل البطالة، فيبلغ حالياً 2.5%، بالإضافة للقدرة الاحتياطية للشركات، وهما يعدان أقل مما كانا عليه منذ عام 1993، عندما كانت فقاعات العقارات وأسواق الأسهم ما زالت متأثرة بالانكماش الذي شهده العالم في ثمانينيات القرن الماضي.
ويقول ماساتسوجو أساكوا، نائب وزير المالية الياباني: «من الواضح أن كل هذا يعني وجود طلب أكثر بكثير من العرض، فكل مؤشر تقريباً أظهر أن الأمور تسير بشكل جيد. الغموض الوحيد يكتنف الأداء الضعيف للأسعار».
وفي تحدٍ لمنحنى فيليبس القياسي، فإن ما يمكن أن نطلق عليه عنق الزجاجة ليس له سوى تأثير محدود على الأجور، وليس له تأثير يذكر على الأسعار. كان معدل التضخم خلال العام المالي الذي انتهى في أبريل الماضي 0.4% فقط، إذا ما استبعدنا الطعام الطازج والطاقة. وهذا أفضل من الانكماش الصريح، الذي ساد بشكل عام من 1998 إلى 2012، ولكن ليس أفضل بنسبة كبيرة، وهو بعيد كل البعد عن هدف البنك الياباني البالغ 2%. وتكمن المشكلة هنا في أنه إذا انحسر التضخم عند الصفر أو دونه، فإن أسعار الفائدة تتعثر أيضاً عند الصفر، مما يسلب البنك المركزي قدرته على تحفيز الاقتصاد من خلال خفض أسعار الفائدة.
لماذا يحدث ذلك؟ يدعى منحنى فيليبس بهذا الاسم نسبة إلى آلبان ويليام فيليبس، وهو خبير اقتصاد نيوزيلندي المولد، والذي كشف لأول مرة عن العلاقة بين التضخم والأداء الاقتصادي خلال الخمسينيات من القرن الماضي. وتشير النظرية الاقتصادية إلى أنه إذا كان الطلب على العمالة والسلع يتجاوز العرض، فذلك سيدفع الأسعار والأجور إلى أعلى. لكن لدى الاقتصاديين أيضاً نظرية موازية، وهي تعتمد على مدى التأثير النفسي فيما يتعلق بتطبيق هذه النظرية خاصة فيما يتوقعه الناس من التضخم. فإذا لم تتغير التوقعات، فيمكن أن يبقى التضخم منخفضاً. هناك طريقتان لدفع التضخم إلى أعلى: الطريقة الأولى هي تغيير توقعات الناس. الطريقة الثانية هي إدارة الاقتصاد لفترة طويلة بحيث ترتفع الأجور والأسعار، بغض النظر عن التوقعات.
عندما أصبح هاروهيكو كورودا محافظاً لبنك اليابان المركزي في عام 2013 ممنوحاً كل الصلاحيات من أجل إنهاء الانكماش، اختار الطريقة الأولى. وحدد التضخم عند 2% خلال عامين، على أن يتم تحقيق هذه النسبة من خلال برنامج طموح يعتمد على «التخفيف الكمي والنوعي، وشراء كميات هائلة من السندات الحكومية بالأموال المطبوعة حديثاً». والهدف من ذلك كان خلق حالة من الصدمة في أوساط أصحاب الأعمال والشركات، وكذلك العمال بسبب توقع ارتفاع التضخم، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع الأجور، وهذا يساعد كثيراً في حدوث توازن في الأسواق، وذلك طبقاً لمنحنى فيليبس.
ولكن هذه الخطة لم تنجح بسبب فرض ضريبة الاستهلاك في عام 2014، ثم انخفاض أسعار النفط. فقد دفع كلاهما معدل التضخم للارتفاع. ولهذا اضطرت اليابان إلى اللجوء للأسلوب الثاني للسيطرة على التضخم، وذلك عن طريق زيادة النشاط الاقتصادي بشكل متعمد، بحيث تضطر الشركات إلى دفع أجور أعلى مع الحصول على أرباح أعلى. ومع ذلك، وكما اعترف كورودا في الآونة الأخيرة، فإن علم النفس أحبط هذا الهدف: «لقد أصبح من الواضح أن أسلوب التفكير الراسخ والذي يبدو أنه يفوق التوقعات بالنسبة للشعب هو الميل للانكماش».
وتشير إيزومي ديفالير المحللة الاقتصادية في بنك أوف أميركا، ميريل لينش، إلى أن اليابان فعلت كل شيء تقريباً لضبط الأداء الاقتصادي عدا خفض الأسعار. من المعروف أن اليابانيين يحصلون على خدمات أفضل مما يحصل عليها الأميركيين، وهم أيضاً يدفعون مقابل أعلى نظير هذه الخدمات. والآن، الشركات اليابانية تقلل من جودة الخدمة فبعض سلاسل المطاعم لم تعد تبقي أبوابها مفتوحة 24 ساعة، وبعض المتاجر الكبرى تغلق أبوابها نصف ساعة مبكراً عن مواعيدها المعتادة. ومن غير المرجّح حالياً أن تقدم الفنادق اليابانية الأطعمة لنزلائها في الغرف أو أن تقدم خدمة تنظيف الغرف بشكل يومي.
في العام الماضي، رفعت ياماتو هولدينجز، شركة تسليم الطرود الكبيرة، أسعارها ورفعت أيضاً أجور العمال. ويعد ذلكم أمر غير مألوف في اليابان، حيث اضطرت الشركة إلى نشر إعلان على صفحة كاملة في عدد من الصحف في اليابان للاعتذار. وتقول ديفالير «لقد كانت اليابان ناجحة بشكل لا يصدق في تثبيت التوقعات عند الصفر».
ويشير المستشار الاقتصادي لمورجان ستانلي، روبرت فيلدمان، إلى أن الشركات اليابانية تقوم بنشر الأتمتة بشكل أكثر إبداعاً. وربما هذا أثر في زيادة البطالة، حيث تستخدم المطاعم، على سبيل المثال، شاشات تعمل باللمس وأحزمة ناقلة لتوصيل الطلبات لرواد المطعم، كما تستخدم المتاجر الصغيرة آلات الدفع الذاتي للخدمة بدلاً من صناديق الدفع المعتادة. وهذا عمل على دفع نمو الإنتاج، مع الحفاظ على غطاء الأسعار.
وفي الوقت نفسه، تتصدى الشركات لضغوط الأجور من أسواق العمل الضيقة من خلال توظيف المزيد من العمال المسنين والأجانب ذوي الأجور المنخفضة.
الازدهار الذي تشهده اليابان ليس قصة خيالية اقتصادية، فهي تحمل في طياتها الكثير مما يثير القلق والغموض عند البنوك المركزية على مستوى العالم.

* الكاتب: جريج إيب