الاتحاد

دنيا

الأدوار النفسية تحرق الأعصاب

القاهرة - ماجدة محيي الدين:
الأدوار النفسية مادة ثرية للدراما، ورصدت العديد من الاعمال الفنية بعض الحالات النفسية التي تجسد معاناة فئة من المرضى والمعاقين· وحول مدى تأثر الفنان بهذه الشخصيات الدرامية وانسحابها على حياته وعالمه الخاص كان اللقاء مع مجموعة من الفنانين الذين برعوا في تجسيد ادوار غير سوية على الشاشة·
الفنان حسين فهمي استحوذ على مشاعر المشاهدين وتعاطفهم من خلال تجسيد شخصية المريض النفسي الذي يعاني صدمة عصبية أدت الى اصابته بمرض الزهايمر أو فقدان الذاكرة ضمن احداث مسلسل 'الشارد' وعن سر نجاحه في هذه الشخصية قال: هذه الحالات النفسية تثير شهية الفنان بشكل عام وتمثل عنصر جذب له لكنها ايضا تمثل قدرا من الخطورة وتحتاج لدراسة عميقة والاستعانة بمتخصصين حيث استعنت بالدكتور احمد عكاشة استاذ الطب النفسي لمعرفة الكثير من التفاصيل حول طبيعة مرض فقدان الذاكرة وتأثيره على المحيطين بالمريض وحياتهم·
ويضيف: الحالات المرضية الخاصة تستفز الفنان وتغريه بتجسيدها رغم صعوبتها وتحتاج الى التعمق والتأني في تناولها حتى لا تفلت الشخصية من الفنان ولا يقتصر ذلك على شخصية المريض الدرامية، بل اذكر انني في فيلم 'جري الوحوش' كنت اجسد شخصية جراح مخ واعصاب واستعنت بخبرة الدكتور سيد الجندي اكبر اساتذة هذا التخصص واستفدت منه في رسم الشخصية والتعامل بهدوء مع رد فعل المريض·
ويقول: هذه الشخصيات فرصة لاستعراض القدرات لكنها سلاح ذو حدين، الحالات المرضية الخاصة تستفز الفنان وتغريه بتجسيدها وهناك خيط رفيع بين الشخصية الدرامية والطريقة التي قد تحولها الى صورة كوميدية يسخر منها المشاهد، ولابد ان يكون الممثل واثقا ومقتنعا تماما بقدراته على تجسيد الشخصية· وفي بعض الاعمال بالسينما والتليفزيون أفلت الدور من بعض الممثلين وبالغ بعضهم في الأداء ليظهر امكانياته كممثل مما ترك اثرا سلبيا على العمل وتبدد تعاطف الجمهور مع الشخصية·
وعن تجربته مع 'الشارد' قال: 'الناس تعاطفوا تماما مع الشخصية وقد ارهقتني لانني تعايشت معها واعددت نفسي لها بصورة خاصة وجلست مع عائلات بعض الذين اصيبوا بهذا المرض'· وفيما يتعلق بانسحاب بعض المشاعر السلبية على حياة الفنان قال: الفنان يتأثر بهذه النوعية ومازلت اعاني وقد سببت لي اكتئابا شديدا جدا وحزنا ولمس هذا الاكتئاب كل من حولي لانني صدقت الشخصية وعشت معها وكنت اقول لنفسي ماذا يحدث لو حدث لي هذا المرض'·
تحد واستفزاز
وقالت الفنانة الهام شاهين انها تتعامل مع كل شخصية درامية باهتمام خاص وتدرس تفاصيلها سواء كانت مريضة أو سوية ولا يهمها ان تظهر دائما في صورة المرأة الأنيقة الجذابة بل يستهويها تجسيد شخصيات جديدة ونماذج غير عادية·
وتعترف بان الحالات النفسية الخاصة تمثل عنصر تحد للفنان، وتستفزها جدا خاصة اذا كانت من خلال معالجة درامية متماسكة تقدم قصة انسانية واقعية بحيث يحمل العمل قيمة وكلمة يريد ان يوصلها الى الجمهور، سواء كانت ادانة لسلوك البعض الذي قد يؤدي الى اصابة اخرين بمشاكل نفسية كما حدث في فيلم 'أيام الغضب' الذي قدمته منذ سنوات وجسدت فيه دور فتاة صغيرة اصيبت بحالة نفسية بسبب سلوك اهلها العنيف معها واكراهها على الزواج من رجل اكبر من والدها وكيف ربطها والدها مثل 'البهيمة' في حبل وسحبها الى مستشفى الامراض العقلية أو كما ظهرت في شخصية 'جميلة' في فيلم 'خالي من الكوليسترول' وهي امرأة جميلة شكلا ومضمونا تعاني تخلفا ذهنيا ولكن ذلك لم يمنعها من ان تربي ابنها الوحيد على القيم النبيلة والمثالية التي لم يعد لها وجود في عالمنا مما يؤدي لاصابتها بازمات نفسية وصحية نتيجة احتكاكها بعالم الماديات والاعلانات الكاذبة·
وعن مدى تأثرها بالشخصية الدرامية التي تؤديها قالت: المسألة تحتاج الى تركيز شديد لدخول الشخصية وبمرور الوقت والخبرة يصبح الخروج من الشخصية اكثر سلاسة واحيانا يظل تأثير بعض المشاهد مصاحبا للفنان عدة ساعات وقد يجد الفنان نفسه حزينا بلا سبب ويستمر هذا الاحساس ايام التصوير واحاول تغيير الجو الخاص بالعمل اذا كان من هذه النوعية بمشاهدة فيلم كوميدي أو احاول الاندماج مع اسرتي·
'خالي من الكوليسترول'
ويرى الفنان اشرف عبدالباقي ان كل شخصية درامية لها دوافع نفسية تحركها سواء كانت سوية أو مريضة وجزء اساسي من عمل الممثل ان يبحث في خلفيات الشخصية وظروفها ليعبر عنها بصورة صحيحة وبلا مبالغة أو تسطيح والتعامل مع هذه النوعية من الشخصيات غير السوية يحتاج الى قدر كبير من الاهتمام والتركيز في كل لقطة ومشهد·
وعن تجربته في فيلم 'خالي من الكوليسترول' يقول: لم يكن مخرج الاعلانات مريضا نفسيا، وإنما ظروف نشأته مع أم معاقة ذهنيا جعلته يعيش في عالم يتسم بالبراءة والنقاء ويبتعد عن الواقع الى حد ما، ورغم ذكائه ونجاحه في عمله لم تكن لديه خبرة في التعامل مع بعض السلبيات الاجتماعية لذلك يتعرض لصدمة وانهيار نفسي وكأنه طفل وجد نفسه في عالم الوحوش·
ويضيف: ساعدني المخرج محمد ابوسيف على فهم الشخصية وكنت اناقشه في كثير من التفاصيل واعجبتني جدا رؤيته لعالم المعاقين حيث قدمهم بصورة انسانية مختلفة عما هو شائع فقد رأينا الأم المعاقة نظيفة وجميلة ومظهرها متناسق رغم اختيارها لازياء غير مناسبة احيانا وقدمت شخصية الشاب المصاب بعقدة نفسية ويتعلق بسيدة في عمر جدته ويحبها ويتزوجها ويرى فيها عالمه ولا يشعر بالامان والسعادة إلا معها من خلال فيلم 'سيداتي انساتي' ورغم انه دور صغير فإن الشخصية مازالت عالقة بذهن الجمهور وحققت نجاحا كبيرا وهو شاب على قدر من الذكاء رغم العقدة التي يعانيها·
وحول تأثره بهذه النوعية من الشخصيات يقول: الفنان يتأثر بأي شيء حوله فما بالك بشخصية يجسدها ويقرأها ويدرسها ويستعد لها قبل التصوير، ثم يعيش معها اسابيع اثناء التصوير؟ وبالتأكيد هناك درجة من التأثر والتفاعل ولكن لابد ان يعتاد الفنان التخلص من اي شخصية بمجرد خروجه من الاستديو وإلا اصبح اسيرا لشخصية واحدة ولا يستطيع العمل بصورة طبيعية·
حالة خاصة
الفنانة حنان ترك حققت نجاحا في مسلسل 'سارة' الذي جسدت فيه شخصية الفتاة المعاقة ذهنيا· وتقول انها ضد التعميم بمعنى انه لا يمكن وصف الحالات النفسية أو المرضية بانها نوعية تجذب الفنان وتؤكد ان اختيارها لأدوارها يعتمد على احساسها الداخلي·
واضافت: علاقتي بالمعاقين بدأت منذ فترة وقبل تصوير المسلسل حيث كنت حريصة على التردد عليهم في بعض الجمعيات الاهلية واقضي معهم اوقاتا طويلة وانا مقتنعة بانهم فئة تستحق منا كل العناية والاهتمام ولكن وجود اعمال فنية تطرح قضايا المعاقين بشكل جيد عملة نادرة· وحول استعدادها لشخصية 'سارة' قالت: بعد مشاركتي في فيلم 'تيتو' الذي جسدت فيه شخصية اخصائية اجتماعية للمعاقين، اصبح لدي حنين للجلوس مع المعاقين والتحدث معهم وقبل تصوير المسلسل بدأت اقرأ كثيرا واجلس مع متخصصين واذهب لبعض المنازل التي بها معاقون واعيش مع اقاربهم واعرف كيف يتم التعامل معهم وكيف يتصرف المعاق·
وحول انتقاد البعض لطريقتها في الكلام والمبالغة في الحديث بطريقة الاطفال قالت: حالة 'سارة' يطلق عليها الأطباء 'العودة الى الجنين' وسارة توقف نموها العقلي عند سن الرابعة، ورغم ذلك كان نموها الجسدي مستمرا، ولفت الاطباء نظري الى اهمية ان يظل اسلوب 'سارة' في الحديث مثل طفلة عمرها اربع سنوات· وتجسيد الأدوار النفسية يمثل قدرا من الصعوبة خاصة ان التصوير استمر ستة اشهر وكان لابد ان اتعامل واتحدث فيها كطفلة، ورغم ذلك تعايشت مع الشخصية واصبحت جزءا مني وانا اسعد دائما بتقديم الادوار الصعبة· المخرج السينمائي محمد ابوسيف كشف عن سر اهتمامه بالحالات النفسية في بعض افلامه مثل 'النعامة والطاووس' و'خالي من الكوليسترول' وقال انه تخصص في دراسة علم النفس قبل دراسة السينما، وكان لديه اهتمام خاص بدراسة الشخصية الانسانية ومعرفة اسرارها، وانعكس هذا الاهتمام بطريقة غير مباشرة على اعماله مما جعله ينجذب لنوعية معينة من الافلام التي تهتم بالقضايا الانسانية وبعض العقد النفسية التي تنعكس على سلوك الاشخاص· وحول المحاذير التي يجب مراعاتها عند تناول هذه النوعية من القصص الدرامية يقول: لا توجد محاذير في الفن، لكن المهم هو الصدق بمعنى انه لا يكفي ان نطرح مشكلة لمريض نفسي دون معرفة طبيعة المرض من الناحية العلمية، وليس المطلوب ان يكون المخرج أو المؤلف دارس علم نفس ولكن على الأقل لابد ان يجتهد ويسأل أهل العلم لان تأثير السينما كبير على المتلقي واشاعة معلومات خاطئة في الدراما لها تأثير سلبي على العمل الفني كله حتى لو كان ذلك من خلال كلمة واحدة·

اقرأ أيضا