الاتحاد

دنيا

إدمان النيكوتين يتحدى الإرادة


الاتحاد ـ خاص:
بعد عشرين عاماً من الإدمان على التدخين، قرر صاحبنا فجأة ذات يوم أن يتوقف عنه، ورغم إرادته الصلبة وقراره الحاسم، إلا أن المسألة لم تكن بالسهولة التي كان يتصورها· اليوم الأول بلا سجائر مرّ على خير، لكن المتاعب الحقيقية بدأت في الأيام التالية: اضطراب وتعكّر في المزاج، سرعة في الغضب وفورة الأعصاب بدون سبب، نقص في التركيز والانتباه، اضطراب في الشهية، نوبات وأرق في ليال سوداء يغالب فيها النعاس فيما جفونه عصية على النوم·· إلى أن عاد عن قراره وعاد إلى السيجارة!
حالة هذا الرجل ليست فردية، بل هي حالة كل مدمن يحاول الإقلاع عن التدخين، ونجاح البعض في الإقلاع لا ينفي السؤال الأساسي: ما هي أسباب صعوبة الإقلاع عن التدخين؟ وهل المشكلة في الانسان وتحديداً في مدى قوة ارادته، أو في التبغ نفسه؟!
لقد أصبح من الثابت علمياً أن نيكوتين التبغ هو من عائلة المخدرات، ومثله أيضاً العديد من المواد الطبيعية والصناعية الداخلة في صنع السجائر، وبهذا المعنى، وبإجماع العلماء والخبراء، لا يعود هناك أي فارق ما بين النيكوتين والكوكايين أو الهيروين أو الحشيشة أو الكحول· وبصفته التخديرية هذه، يولّد النيكوتين لدى المدمن حالة متأصلة من التبعية الجسمانية والنفسانية، فيصبح الجسم بحاجة الى جرعات منتظمة ومتواصلة منه، وأي نقص في تلبية هذه الحاجة يولد لديه عوارض الاضطراب التي قد تصل الى درجة الوقوع في انهيارات عصبية· هل يعني ذلك إعفاء المدمن نفسه من مسؤولية ما يفعله بنفسه؟!
رصاص وزرنيخ
في الحسابات العلمية انه عندما تشعل سيجارة وتسحب نفساً منها، فإنك تستنشق أكثر من 3 آلاف مركب كيميائي، كالزرنيخ والرصاص، ومن بين هذه المركبات الكيميائية وأخطرها، يبرز النيكوتين باعتباره المسؤول الأساسي عن الإدمان·
'إن كل نفس سيجارة توازي حقنة مباشرة في الدماغ مشحونة بمكونات التبغ'، يقول الدكتور 'ايفان برلين'، أخصائي مكافحة التدخين في مستشفى باريس الجامعي، مضيفاً أن الدماغ هو الهدف الأول لسموم التبغ· وكان العالم البريطاني 'جون نيوبرت' قد اكتشف ذلك من خلال أبحاث أجراها في العام 1950 على عضلات مسحوبة الأعصاب أظهرت أن جزيئات مادة النيكوتين تتراكم على الغلاف الخارجي للخلايا الدماغية·
منطقة اللذة
في السياق نفسه، أظهرت أبحاث أجراها الدكتور 'هنري دال' عام 1941 تميز الخلايا الدماغية والعصبية بشهية خاصة تجاه امتصاص مادتي الامانيت والنيكوتين المخدرتين، وهو الشيء نفسه الذي أظهرته الأبحاث المعاصرة والتي أمكن من خلالها تفسير ما هو معروف من تبعية جسم الكائن البشري تجاه الكوكايين أو الهيروين أو الالكولين والنيكوتين وغيرها من أنواع المخدرات· كما أظهرت وجود بقعة معينة من الأعصاب الدماغية هي التي تحدد مواقيت وكميات المخدرات التي يحتاجها الجسم، وهي البقعة نفسها المولدة لأحاسيس اللذة والاستمتاع الجسماني الغذائي أو الجنسي أو غيره، وهي تختلف عن بقعة عصبية مماثلة تختص باللذة الأدبية أو الفنية أو غيرها من اللذات الفكرية أو الروحية·
أما أسباب هذه الشهية العصبية للنيكوتين فهي ما تزال مجهولة علمياً· لكن الثابت أنها هي ما يفسر ظهور سيجارة الصباح الأولى 'أطيب' سجائر باقي اليوم كله!
ويأمل الدكتور 'جلبيرت لاجرو' آن يؤدي تفسير هذه الظاهرة الى إمكانية القضاء كلياً على الرغبة في التدخين، والتي تتسبب لأعصاب المدمن بما يسمى 'جوع الخلايا العصبية الى النيكوتين'·
معنى ذلك أن المدمن إنما يدخن رغماً عنه، بفعل بروز النيكوتين كحاجة جسمانية ملحة وليس مجرد نزوة نفسانية، ولهذه الحاجة الكثير من الإشارات الخارجية التي تؤججها: كفنجان قهوة مثلاً، أو جلسة مع أصدقاء أو نزهة جبلية أو غيرها، مع التركيز على اختلاف طبيعة ونوعية هذه الإشارات الخارجية من فرد الى آخر· وأخطر ما في جوع النيكوتين انه يقوى في أوقات الفرح كما في أوقات الحزن، إضافة إلى انه أخطر ما في السيجارة، كما يقول المدمنون: إنها شر لابد منه لتعديل المزاج ولإيقاظ الذاكرة وقوة الانتباه·· ومن هنا لا يكون قرار الامتناع عن التدخين وارداً لدى المدمن، إلا في حالات نادرة جدا·
حالات فردية
يبقى أنه، ورغم سعة انتشاره، لا يصل إدمان التدخين إلى مستوى الظاهرة البشرية الكاملة الشاملة، فالناس ليسوا سواسية تجاه آفة التبغ· هناك من يقضون كل حياتهم بدون تدخين ولو سيجارة واحدة، هناك من يدخنون لفترة ثم يتوقفون تلقائياً· وهناك من يدخن قليلاً أو كثيراً· وهناك فئة من العلماء تميل إلى ربط هذه المسألة بعوامل جينية وراثية، حيث يلقون بالمسؤولية بصورة خاصة على عشرين جين وراثي تم كشفها حتى الآن كمسؤول عن إدمان التدخين وعن تبعية الانسان له· في المقابل، يرفض الدكتور 'جاك بول تاسان' وجود تبعية طبيعية للجسم تجاه النيكوتين، مضيفاً، إن النيكوتين ليس السم الوحيد المرتبط بالتبغ، فدخان السيجارة يحتوي أيضاً على مواد مخدرة أخرى 'كالهرمان' و 'النورهرمان' و 'الاسلتاديد' وغيرها· ولهذه المواد تأثير مباشر في إضعاف إنزيم 'مونوامين اوكسيداز' الخاص بالمقاومة، والذي يتحول بفعل غزو سموم التبغ له الى مدمر للرسائل الكيميائية المتبادلة بين الأعصاب الدماغية، مما يعزز سيطرة آفة التدخين على الجسم·
الرغبة والإرادة
* وماذا عن دور الإرادة في إدمان التدخين؟
الخبير الفرنسي في سيكولوجيا التدخين، 'فونيك نويل' يجزم بعدم كفاية الإرادة لمقاومة التدخين· فوصول الفرد الى مرحلة الإدمان يعني انه قطع مراحل طويلة ومتعددة على طريق آفة السيجارة· وهي مراحل تختلف من فرد إلى آخر ومرتبطة بعوامل متشابكة جسمانية ونفسية في وقت واحد·
العلاج الممكن الوحيد هو بالسيكولوجيا التطبيقية، التي تجري بإشراف أطباء اخصائيين، أو حتى بمجرد قرارات فردية خاصة: كأن يعقد المدمن اتفاقيات خاصة مع نفسه منها مثلاً لن أدخن السيجارة التالية إلا بعد ساعة (بامكانه أن يزيدها لاحقاً) أو بعد خروجي من المكتب أو بعد وصولي الى محاذاة ذلك المبنى!
العبرة من ذلك، يقول البروفسور 'نويل'، أن المدمن يعالج من مشكلة الإدمان تدريجياً ومن خلال متغيرات في محيطه الخارجي أو الشخصي، بامكانه أن يبدأ مثلاً بالتفكير بالضرر الذي يلحقه دخان سيجارته بالأولاد أو الأقارب أو الأصدقاء، فيقرر عدم التدخين على الأقل طالما هو جالس معهم·· وبهذه الطريقة يكون قد بدأ بإحداث تغيير فكري فعلي تجاه التدخين·· وفي الإطار نفسه، بامكانه أن يفكر بعد ذلك بالضرر الذي يلحقه دخان سيجارته بالناس الآخرين، ثم بصحبته هو نفسه··· وهذا ما سيجعله يفكر لاحقاً: لماذا لا أتخلص من السيجارة نهائياً بدل السعي للحد من أضرارها على أطفالي وعليَّ وعلى الآخرين؟!
بذلك يكون المدمن قد دخل في صراع داخلي مع نفسه، ولا يبقى أمامه في النهاية سوى القيام بالخطوات التنفيذية·· وعند هذه المرحلة يكون المدمن قد توصل على الأقل الى تخفيف معدل استهلاكه اليومي من سموم السجائر·· وبامكانه في هذه المرحلة التعويض عن السيجارة بأنشطة أخرى كمزاولة الرياضة أو غيرها·· وهذا ما سيجعله يهتم أكثر بسلامة جسمه، ومن المستحسن جداً أن يبدأ هنا بالخوف الكبير من احتمال تسبب التبغ له بأنواع السرطانات!
صمود مؤقت
المؤسف في هذه الطريقة العلاجية، على أهميتها، أنها ليست مضمونة النجاح نهائياً، فهي قد تنجح لدى مدمن وتفشل لدى آخر·· والثابت إجمالا أن هناك من يصعد بواسطتها لمدة أسابيع أو أشهر يتوقف خلالها عن التدخين أو يقلل منه، لكنه سرعان ما يعود الى سابق عهده في الإدمان لدى حصول أدنى مبرر·· وبالإجمال، وبحسب أبحاث أجراها الأميركي 'جوزيف كربونيري' منذ مدة، تبين أن فرص نجاح المدمن في التحرر من التدخين قد تصل الى 58 في المئة، وهي نسبة مشجعة جداً بالتأكيد لكنها تبقى تحت رحمة التراجع السلبي والعودة الى الإدمان·
'أورينت برس'

اقرأ أيضا