الاتحاد

عربي ودولي

ماذا وراء نصف التسوية في استجوابات ميليس؟!

بيروت - رفيق نصرالله:
ماذا في فيينا·· ماذا في دمشق، وماذا في بيروت؟، هل سيخلع الجنرالات قبعاتهم ليضعوها على الطاولة ليتبادلوا الابتسامات الموجعة مع مجموعة من المحققين الدوليين بعدما فضل ديتليف ميليس ان يبقى في بيروت ويبعث بكبار مساعديه، أم أنهم سيطلقون قسماتهم القاسية باعتبار انهم يعرفون طبيعة ما هو منتظر منهم في العاصمة النمساوية؟
شيء ما يخيف البعض في لبنان من ان تكون وراء خطوة فيينا تسوية او على الاقل نصف تسوية نجحت السعودية عبر الامير بندر بن سلطان في التوصل اليها· لكن هذا البعض يسأل ما هي أبعاد هذه التسوية؟· لماذا وافقت دمشق على فيينا؟· ولماذا تم تحديد عدد الضباط بالخمسة بدل الستة؟· ومن هو الذي أبعد وما هو ثمن كل ذلك؟· وما هي صحة المعلومات التي ترددت عن ان شيئاً ما له (بعده العراقي) سوف يظهر خلال الاشهر الثلاثة القادمة وهو على تقاطع مع ما جرى، خاصة وأن ثمة من أكد وجود ضمانات معينة حصلت عليها دمشق من موسكو التي ضمنت كما تردد عودة الضباط الخمسة؟ وهل صحيح ان دمشق وافقت من حيث المبدأ على ان تكون العاصمة الروسية هي المكان المفضل كمقر للمحكمة الدولية في حال تم الاعلان عن تشكيلها· وربما السؤال الأهم : ماذا سيقول ديتليف ميليس في ضوء كل ما جرى من تطورات مؤخراً في تقريره الذي سيرفعه الى مجلس الامن الدولي في الخامس عشر من ديسمبر الجاري؟·
ان ضربة موجعة وجهت لهذا التقرير ولميليس ولجنة التحقيق الدولية في افلات احد شهود اللجنة الرئيسيين وهربه الى دمشق وما نطق به ، ورغم ان البعض اعتبر هسام هسام انه مجرد (قناص جوائز) اراد اولاً الدخول على الخط للابتزاز او ربما للعب دور يستطيع النفاذ منه مادياً الى واقع آخر الا انه في النهاية ومع هربه من قبضة اللجنة سرعان ما لعب دوراً في المقلب الآخر من الصورة وهو ما سحب الكثير من مصداقية تقرير ميليس الاول الذي قدم الى مجلس الامن ، خاصة وانه سبق وان وجهت اتهامات لشاهد آخر هو محمد زهير الصديق الذي تعتقله السلطات الفرنسية وترفض تسليمه الى السلطات اللبنانية بعد ان ظهر انه (نصاب) ايضاً وانه تحول من شاهد الى متهم·
القضية المعلقة
اللافت ان كل ما احاط بالشاهدين ارتبط بأسماء لبنانية عديدة وجهت اليها اتهامات اعداد الشهود المزيفين ودفعهم الى لجنة التحقيق الدولية في المونتيفردي وهو ما دفع ببعض هذه الاسماء الى نفي ذلك مما ترك الساحة امام سجال واسع اعتبر انه يشكل مساساً بقضية استشهاد الراحل رفيق الحريري حيث تدنى مستوى التعاطي مع هذه القضية التي تحولت من قضية وطنية كبرى لها تقاطعاتها العربية والعالمية الى سجال بين القوى السياسية التي تريد توظيف هذه القضية لحساباتها·
اما هسام فقد تمكن ضمن حالة الضياع القائمة من لعب دوره في فصلين منفصلين: الأول: على خشبة لجنة التحقيق الدولية ومن معها· اما الفصل الثاني فلعبه على خشبة المسرح السوري، فيما فصول القضية كلها تتعقد وهي مرشحة لان تطول مع المعلومات المتداولة عن ان مجلس الامن الدولي سيمدد لمدة ستة اشهر للجنة التحقيق الدولية برئاسة ديتليف ميليس لان شيئاً حاسماً لن يظهر حتى بعد التحقيق مع الرجال الخمسة وان فصولاً مثيرة لا بد وان تتكشف فيما بعد خاصة في ضوء الانعطافة التي شهدتها القضية مؤخراً بما في ذلك فتح نافذة ولو محدودة في ترطيب العلاقة مع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة من قبل دمشق بعد العبارات القاسية التي وجهها الرئيس السوري بشار الاسد الى السنيورة معتبراً انه عبد مأمور لدى عبد مأمور·
ولعل احد بنود التوافق الذي توصلت اليه تسوية الامير بندر هي اتخاذ دمشق خطوة هادئة باتجاه السنيورة وتعبيد الطريق امام حوار قد يؤدي قريباً الى قيام السنيورة بزيارة العاصمة السورية·
بل ان بعض المتفائلين يتوقعون مفاجآت اكبر في حال سارت امور (نصف التسوية) التي قادها الامير بندر خاصة بعد خطاب وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في برشلونة حيث اشار الى ان مزارع شبعا لبنانية·
ان هذا البعض المتفائل لا يستبعد ان تكمل السعودية تسويتها بعد نجاح الجزء الاول منها باجراء مصالحة ما بين النظام السوري ورئيس كتلة المستقبل سعد الدين الحريري الموجود في الخارج، لكن خطوة كهذه تحتاج الى ايضاحات عديدة تسبقها، منها حسم قضية التحقيق سواء بما يتعلق بالضباط الخمسة او غيرهم، كذلك حيال ملفات اخرى·
وخطوة كهذه ايضاً تعني ان دمشق ربما دخلت فيما يمكن تسميته صفقة كاملة لا تنحصر في البعد اللبناني بل ستصل حتماً الى وضع ما في العراق وما تردد عن طلب أميركي بأن ترسل دمشق ضمن قوة عربية ثلاث فرق عسكرية سورية للانتشار في منطقة الانبار السنية تحديداً واتخاذ الاجراءات المطلوبة على طول الحدود السورية-العراقية·
لكن هذا المنطق التفاؤلي يواجهه آخرون بالتأكيد على ان كل ما جرى هو حركة التفاف سورية وان السعودية دخلت على الخط لتجميد المأزق وليس لايجاد حل كامل مع صعوبة هذا الحل الآن، كما انه لا يمكن اغفال ما يريده الاميركيون من دمشق ليس حيال لبنان فقط بل الملف العراقي والوضع الفلسطيني وقضايا اخرى، وربما لا يمكن القول الآن ان كل هذه الملفات قد جرى بحثها الآن بالفعل وانه تم التوصل نهائياً الى حل يرضي الاطراف المعنية والتي ستصل في النهاية الى مصالحة سورية مع آل الحريري·
ولعل ثمن كل ذلك هو ضياع الحقيقة التي سعى الجميع الى معرفتها وتركها ضمن المهل الزمنية الطويلة التي سيمدد من خلالها لميليس وللجنة التحقيق الدولية وهذا سيترك انعكاسات كبيرة على اكثر من مستوى داخل لبنان وخارجه خاصة مع احتدام الجدل الداخلي حول قضايا عديدة حيث لا تزال المعادلة القائمة التي تقول ان كل الملفات ستظل عالقة حتى الانتهاء من التحقيقات وهو ما بدأ يثير قوى سياسية عديدة ترى انه من الضروري فصل قضية التحقيقات عن مسار الدولة التي يجب ان تواجه المشاكل القائمة·
الانقلاب السياسي
جهات موثوقة في بيروت تتحدث عن انقلاب سياسي يتم التحضير له في وقت قريب اذا ما بقيت الامور على ما هي عليه وبالاتجاه الذي تأخذه·
وتقوم الخطوة الاولى للانقلاب على قيام 43 نائباً من المجلس النيابي بتقديم استقالاتهم الجماعية الامر الذي يعني حل هذا المجلس الذي تتمتع به كتلة المستقبل وحلفاؤها بأغلبية 72 نائباً من اصل ·128
وفي حال نفذت هذه الخطوة سيتم تحديد موعد جديد للانتخابات النيابية· وتعتمد بعض القوى على ان هذه الانتخابات لن تعود الى اغلبية كتلك التي حصلت عليها كتلة المستقبل والحلفاء لاعتبارات عديدة اهمها تبدل الظروف والمناخات حيث تمت الانتخابات الاولى بعد اغتيال الحريري مباشرة· وكانت ثمة معطيات عديدة مختلفة قد برزت بسبب ذلك، فيما تبدلت ولو جزئياً هذه المعطيات الآن خاصة بعد ان واجهت لجنة التحقيق ما واجهته والشكوك التي تحوم حول ما قامت به·
كذلك بعد نصف الفشل الذي تواجهه الاكثرية الجديدة التي ورغم انها تمثل فعلاً الاكثرية (72 نائباً) الاّ انها لم تستطع الامساك جيداً بمفاصل الدولة وتحقيق ما ترغبه وهو ما صدم بعض السفراء الغربيين، كما ان وجود بعض القيادات في الخارج ومنها سعد الحريري ساهم في عدم اعطاء قوة دفع لهذه الاكثرية· كما ان المطلب الذي رددته هذه الاكثرية لدفع رئيس الجمهورية الى الاستقالة قد سقط بعد ان عارض رئيس التيار الوطني الحر ميشيل عون ذلك وهو يترأس اكبر كتلة برلمانية مسيحية·
كما ان البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير قد شكل غطاء للمانعة حال دون المضي بعيداً في المطالبة باسقاط الرئيس حيث بدا الاخير ايضاً انه يملك كماً كبيراً من العناد والرفض معتبراً ان ثمة مصالح ضيقة لدى بعض القوى تقف وراء المطالبة باستقالته اكثر مما هي مطالب وطنية محقة خاصة وانه لم يقم بخرق الدستور ويعتبر التمديد له انه كان شرعياً طالما حظي بموافقة المجلس النيابي·
موقف جنبلاط
ان مفاجآت عديدة قد تشهدها الساحة السياسية اللبنانية من الآن وحتى اعداد التقرير الثاني لميليس· كما ان انظار البعض تراقب عن بعد ما جرى بين واشنطن ودمشق وما قامت به السعودية وايدته مصر ايضاً لان كل ذلك له انعكاساته على الداخل المرشح ايضاً لأن يشهد خضات امنية معينة وفق ما حذر منه رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط الذي اعتبر ان دمشق تعطي انطباعات خارجية بالتعاون فيما هي تعد لخضات امنية في الداخل·
وكان لافتاً خلال الآونة الاخيرة التصعيد الذي حكم مواقف زعيم المختارة الدرزي والذي حمّل دمشق المسؤولية عن كل ما تواجهه قضية اغتيال الحريري·
وتكشف بعض المصادر في بيروت النقاب عن ان جنبلاط اتخذ هذا الموقف التصعيدي بعد ان فشلت كل الوساطات بينه وبين العاصمة السورية والتي قام بها وسطاء كثر منهم عزمي بشارة وامين عام حزب الله السيد حسن نصرالله ووساطة مصرية واخرى عربية وأفرقاء كثر بما فيهم وساطة روسية ايضاً·
وكان رد دمشق الاستعداد لاستقبال اي شخصية لبنانية من الجنرال عون الى سعد الحريري لكنها ترفض وبشدة ما اسمته فتح اي باب في دمشق لجنبلاط الذي تحمله ووفق ما تقوله مصادر مقربة من العاصمة السورية المسؤولية عن كل ما واجهته سوريا في لبنان مؤخراً من تبعات بل ومن اهانات رغم ان جنبلاط بعث باشارات عديدة خلال الاشهر القليلة الماضية والتي أوصت باستعداده لفتح صفحة جديدة مع العاصمة السورية وردد عبارات ود مختلفة لكنه لم يحظ بأي رد ايجابي من العاصمة السورية مما دفعه مؤخراً الى التصعيد العنيف الذي تميزت به تصريحاته بعد ان (كسرت كل الجرار) بينه وبين عاصمة الامويين وبات يردد عبارة نحن على علاقة مع الشعب السوري ولسنا على علاقة مع النظام الذي يتوقع له ان يسقط قريباً·
وبالمقابل اثر هذا الوضع على علاقة جنبلاط بحزب الله حيث يسود فتور واضح بين موقفه وحزب الله حيث صعّد الاخير من لهجته مؤخراً ضد بعض الافرقاء ممن هم على تحالف مع جنبلاط·
ولعل من المتوقع اذا ما بقي الوضع على ما هو عليه ان تزداد الهوة بين جنبلاط وحزب الله خاصة وان ثمة مؤشرات على وجود تفاهم واضح بين حزب الله والجنرال ميشيل عون وهو ما يعني خلط الاوراق من جديد على الساحة الداخلية· فهكذا تحالف سياسي رغم تناقض المواقف والمواقع يعني انقلاباً كبيراً في لبنان سيتم على حساب جنبلاط الذي سيجد نفسه بلا حلفاء اقوياء باستثناء تيار المستقبل مع الاخذ بعين الاعتبار طبيعة علاقة جنبلاط الحساسة بالقوى المسيحية لاعتبارات عديدة، وكذلك خسارته لدمشق ولحلفاء داخليين وهو ما يفسر حالة الغضب في هذه الايام والتي ترتسم على ملامح جنبــــــلاط ومواقفه·

اقرأ أيضا

واشنطن ستسمح بالاحتجاز غير المحدد بوقت لأطفال المهاجرين