الاتحاد

عربي ودولي

جنيـف عبـده: جــاذبيـة الإســلام الشــعبي بين النساء تشكل تهديداً للنظام وتحديا للعلمانيين


عرض- شهرزاد العربي :
بدأت الكاتبة جنيف عبده مؤلفة كتاب ' لا إله إلا الله'·· انتصار الإسلام ' بالحديث عن فضولها الذي لم يجلبه تردد الأذان خمس مرات في اليوم ولا أعداد المصلين إنما تقول:' كنت في الواقع مذهولة من حقيقة واضحة هي أن المصلين العاكفين على حصرهم لم يكونوا من نوع الناس الذين يألف المرء رؤيتهم في شوارع القاهرة ومقاهيها ، إذ كانت نظرة واحدة تكشف عن طبقتهم الاجتماعية·· فقد كانت الأقدام الناعمة في هذا الجمع المتأنق تتناقض تناقضا صارخا مع الجلد الغليظ الخشن الذي يغطي أقدام الكثيرين من المصريين الذين يضغطون كعوبهم العارية على حواف نعالهم التي لا تلائم أقدامهم '
وفي حقيقة الأمر إن هذه الملحوظة كانت هي الأساس في بناء فكرة الكاتبة عندما تطرح رؤيتها وتتعرف على الإسلام والمسلمين بنفسها مكونة نظرة شخصية، محاولة نقلها إلى الاميركيين وهي الإيرانية الأصل المسيحية الديانة، المراسلة لعدد من المجلات الأميركية، والمهتمة بشؤون الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وآسيا الوسطى· وفيما يلي أهم ما جاء في الكتاب:
تقر الكاتبة- من البداية ـ بأنها جاءت الى مصر وهي محملة بأفكار قرأتها عن الحركات الإسلامية ، تصف 'الانبعاث الإسلامي' على أنه حركة مقصورة على الفقراء، وبعدها تتعرض إلى الانعكاسات التي حدثت لدى الطبقة الغنية واعتزال الفنانات المشهورات التمثيل والعودة إلى حظيرة الإسلام في إشارة إلى الشيخ الشعراوي ودروسه·
تحديد الهوية
بالإضافة إلى هذا هناك دلالات كثيرة تشير إلى تغلغل الدين في كل قطاع من قطاعات المجتمع تقريبا، ثم تطرح سؤالا عن أثر الانبعاث الإسلامي وما يحدثه في نفوس الشعب العادي وفي قيمه، وتجيب عنه من خلال احتكاكها بطبقة معينة من الشعب المصري وهم سائقو سيارات الأجرة وكيف يتصرف معها سائق بجلابية يدير شريط لأحد المشايخ الشعبيين أو أناشيد دينية وبين سائق آخر يعلق صور نساء بالبكيني ويستمع إلى الأغاني الشعبية وكيف شعرت بالراحة مع الأول واطمأنت على خصوصياتها وعلى مقدار الأجرة التي ستدفعها·
إن هذا الانعكاس لمثل الإسلام وقيمه والهم الذي حمله المصريون لإنجاز إصلاح اجتماعي هو الذي جعل الصحوة الإسلامية ذات قاعدة عريقة تشمل المصريين من كل طبقة من طبقات المجتمع، وفي كل مسارات الحياة·
وفي عرض سريع للتغيرات السياسية في مصر تتعرض الكاتبة إلى فترة النكسة وترى أن المصريين لم يكن أمامهم أحد يلومونه غير أنفسهم لذا كان من الطبيعي أن يلتمسوا من جديد تحديد هويتهم الجماعية القومية لعلهم يشفون من جراحاتها وكانت هذه الهوية هي الإسلام ملخصا في أهم ركن من أركان العقيدة وهي' شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله' وكان هذا هو عنوان كتابها·
مدرسة الثورة
قضت الكاتبة عددا من السنوات تعيش في مصر متنقلة بين أحيائها الشعبية من امبابة إلى المنيا تجوب القطر المصري شرقا وغربا تبحث في الحركات الإسلامية محاورة زعماءها
وفي المنيا ـ كما هو في الفصل الخامس الذي حمل عنوان مدرسة الثورة ـ تكشف الكاتبة عن ذلك اللقاء الذي جمعها بـ'أبي العلا ماضي ' في حوار حاولت فيه أن تسبر أغوار شخصيته ' لترى انعكاساتها على - ما تسميه - بالفعل الثوري·· حيث بدأت البحث عن البيت الذي ولد فيه متبعة الطريقة الأميركية المألوفة في مثل هذه الظروف، وهذه الطريقة نفسها انتقدها ماضي قائلا لها:' لا تذهبي لرؤية أسرتي في المنيا، فهم أناس بسطاء، ولن يفهموا لماذا تريدين أن تعرفي شيئاً عن حياتي، أنا أعرف أنه اسلوب أميركي، فكلهم يذهب إلى آركنسا ليفهم السبب الذي يجعل بيل كلينتون يتصرف بالطريقة التي يتصرف بها، ولكن هذه مصر ونحن لا نفعل ذلك هنا وسوف تحسب أسرتي أنني أحاول التباهي ولن يروق لهم هذا'
غير أن هذا لم يمنعها من تطبيق الاسلوب الأميركي، وألقت نظرة خاطفةعلى بيت 'أبي العلا ماضي' وتحدثت إلى شيخه وتعرفت على بعض تفاصيل حياته وطفولته دون أن تثير انتباه أحد حفاظا على صورة 'أبي العلا' كما وضعها لها في الفقرة أعلاه·
جامعات·· وجماعات
تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى الحديث عن النشاط الطلابي السياسي منذ 1919 ودور الوفد ،واعتماده على الطلاب في تنفيذ توجيهاته ثم ما فعله حسن البنا من تجنيدهم في حركة الإخوان المسلمين لأنه كان يراهم ' القوة الضاربة' في تنظيمه (ص 207 )
وتذكر أنه من سنة 1952 إلى 1967 خف تأثير الحركة بسبب هالة عبد الناصر الساحرة وتأييد الطلبة ،على وجه العموم، للسلطات المركزية دون أن تنسى الحديث عن التطهير الذي قامت به السلطات في هذه الفترة في صفوف الطلبة ذوي التوجهات الإسلامية وتقويض النشاط السياسي داخل الجامعات·
وترى الكاتبة أن النشاط السياسي في الجامعات عاد إلى الظهور في فترة الرئيس السادات وتكونت الجماعات الإسلامية وبدأت تحضر لخوض انتخابات اتحاد الطلبة سنة ،1975 وفاز مرشحو الجماعة الإسلامية بالسيطرة على ثمانية من اتحادات الطلبة من أصل عشرة في جامعات البلاد في سنة 1976 ، ويؤكد الإسلاميون أن هذا الفوز يفسر عودة الجامعة إلى أصولها
تسرد الكاتبة أحداثا تاريخية عرفتها مصر وتتحدث عن النشاط الإسلامي بدءاً بالإخوان المسلمين إلى غاية الانشقاق بين طرف مؤمن بأن التغيير يأتي من خلال الدعوة وهي عملية تربية وتحويل اجتماعي وطرف يؤيد النهج الثوري المؤمن بالعمل المسلح الذي تم وتسمى باسم الجماعة الإسلامية وانبثق عنها جماعات أخرى منشقة مثل جماعة 'الناجون من النار'·
وعن أسباب ظهور الحركة الإسلامية ركزت الكاتبة أكثر من مرة على أن أحد الدوافع الأساسية لهذه الحركة هو الهزيمة أو النكسة في حرب 67 ، وذلك كنتيجة توصلت لها عبر ملاحظاتها ودراستها للموضوع ثم تؤيده بعد عشرات من الصفحات باسطر على لسان 'كمال حبيب' الزعيم السابق للجهاد( ص 230)·· ولا تسلم سياسة السادات من أن تكون هي الأخرى سببا لهذا التطرف الذي دفع حياته ثمنا له·
هجر'كريستين ديور'
في الفصل السادس، وجاء تحت عنوان 'ارتداء الحجاب' لتعود بنا الكاتبة إلى الفصل الأول في كتابها عندما أشارت إلى أن الحجاب والطرح الإسلامي بدأ يخرج من منطقة امبابة بفقرها وإهمال الدولة لها فأحكمت الجماعات سيطرتها عليها، ولأن الفكر الإسلامي أصبح يعم طبقة أخرى من الناس ،فالشيوخ هم الذين أثروا في الأرستقراطيين فنبذوا أزياء' كريستين ديور' و'كالفن كلين' وغيرهن وارتدت نساؤهم الحجاب، ومنذ بداية الفصل تعرض صورة امرأة - ابنة نائب في البرلمان من الحزب الوطني - التي تجعل من فيلا والدها مكانا للاستماع إلى درس في الدين يحضره طلبة من الجامعة الأميركية،وتؤكد الكاتبة أن هذه الفئة النخبوية في المجتمع المصري بعيدة كل البعد عن فهم الدين كممارسة أي عبادة وأيضا كفعل سياسي فاعل في المجتمع·
وتضيف الكاتبة قائلة ' أن جاذبية الإسلام الشعبي بين النساء المثقفات والموسرات تشكل تهديدا ماكرا للنظام وتحديا فكريا مربكا على ما يبدو للعلمانيين في الداخل وفي الخارج' (ص 247 )
وفي هذا الفصل أيضا تتعرض للحركة النسوية المصرية مقتنعة أن المرأة المصرية اختارت طريقها على وعي وتصف حجابها بأنه حريتها، دون أن تنسى جنيف عبده الحديث عن الناشرين الأميركيين الذين أرادوا لها أن يكون كتابها عن المرأة المصرية وكيف هي مقيدة بقيود الدين من جهة وبقيود الرجال من جهة أخرى رافضين الاقتناع أن المرأة المصرية وصلت إلى حد القدرة على التمييز بين أمور حياتها بجلاء، وأنها وحدها تأخذ قرار تبني هذه القناعة التي وصفها أو أرجعها الأميركيون - حسب رأي الكاتبة - إلى : أن المرأة المسلمة والمصرية بالتحديد قد تعرضت لعملية غسل الدماغ من قبل زعماء الحركة الإسلامية·
الحسبة ·· والعلمانيون
تضيف الكاتبة : أن حجاب المرأة استعمل فتيلا لصراع واسع بين الجماعات الإسلامية وأصحاب التيار الإسلامي عموما والدولة التي كانت تحاصره بقوانين ورسوم مثل منع الطالبات المنقبات من الدخول الى الحرم الجامعي، ثم منع التلميذات في المدارس الابتدائية من ارتداء الحجاب ،الأمر الذي أدى إلى صدام بين الأهالي والمدرسة،كما رفض بعض أولياء الأمور دعاوى ضد وزير التربية؛ وضد السلطات لأنها ألغت صورا لنساء متحجبات من الكتب المدرسية، وأدى هذا الصراع إلى تدخل الأزهر، وأجبر الوزير على الإذعان وتعديل القرار·
من ناحية أخرى قدمت الكاتبة عرضا مفصلا لسلطة الاتجاه الإسلامي، وسطوته بالتحديد ، والكلام كان عن رفع الدعاوى ضد الكتاب الذين يسيؤون في كتاباتهم للإسلام مبتدئة بالحديث عن الدكتــور'نصــر حامــد أبو زيد ' والدعــوة التي رفعــها ضــده عبد الصبور شاهين ويوسف البدري ومن ثم الحديث عن ' الحسبة' التي أثارت ضجة في مصر، ثم تدخل العلمانيين مطالبين بعدم استخدام ' الحسبه' واستجابة مجلس الشعب لهذا النداء بمنع استخدام الحسبة في المحاكم المدنية لفسخ العلاقات الروحية للكتاب والمفكرين المتهمين بالزندقة·
الشوارع الخضراء
تبقى هنا مسألة أخيرة من الضروري الإشارة إليها هي : أن الفصل الأول من الكتاب حمل عنوان 'الوجه الجديد للإسلام' والثاني 'الشوارع الخضراء'،والثالث ' ينبوع الإسلام' والرابع المهنيون·· الخ ،هذا التسلسل في العناوين يوضح منذ البداية المدار الإسلامي في مصر، وما تبعته من إنجازات ضمن شريحة واسعة في المجتمع المصري، تباينت طبقاتها الاجتماعية إلى أن أصبحت تملك وسائل التغيير ضمن هذا المجتمع ، وهذا ما أرادت الكاتبة أن توضحه منذ البداية ، مع إجراء مقارنات عابرة بين مصر وإيران، إلى أن تأتي في آخر الكتاب لتفرد عنوانا أخيرا هو 'إلى إيران والعودة منها ' في بضع صفحات تجري مقاراناتها بين تغيير بدأً من القمة إلى القاع ،وآخر بدأ من القاع ليبلغ القمة ·
لقد أعطت' جنيف عبده' الصورة التي رأتها في مصر إلى الأميركيين الذين أشارت إليهم في كتابها أكثر من مرة إلى أنهم مشبعون بأفكارهم حول الشرق الأوسط، ولا يريدون تغييرها، فهل يمكن أن يجد كتابها هذه الفرصة لتغيير نظرة الغرب عنا ،والتي كونها عبر ألف ليلة وليلة قديما ويدعمها اليوم بمواقف عابرة، أم أن قدرته على الوصول إلى الحقائق موجودة، لكن الرغبة في ذلك معدومة ؟

اقرأ أيضا