الاتحاد

دنيا

عصابة «ماما»

(القاهرة) - فوجئ الرجل العجوز، وهو يقود سيارته بسرعة لا تزيد على الأربعين كيلومتراً في الساعة كعادته نظراً لضعف بصره بسيارة أخرى تضيق عليه الخناق وتقطع الطريق أمامه اعتقد أن قائدها في بداية علاقته بقيادة السيارات فانتحى جانباً ليفسح له كي يبتعد عنه ويمضي إلى حال سبيله إلا أن الآخر كان مصراً على تصرفه فكلما ابتعد العجوز عنه اقترب منه ويحاول أن يحتك بسيارته بما قد يؤدي إلى كارثة، حتى أن العجوز اضطر للتوقف تماماً ليضع النقاط على الحروف، فهو لا يريد أن تتعرض سيارته القديمة لخسائر ثم إنه أيضاً يريد أن يجنب ابنه الوحيد الصغير هذا الخطر إلا أن الأمر تطور على غير المتوقع، فقد توقفت السيارة الأخرى أمامه وخرج قائدها وشخص آخر يجلس بجانبه كانا ملثمين وهذا وحده يكفي لأن يجزم بأنهما يضمران شراً، ولكن بجانب ذلك كانا يحملان مسدسين وبسرعة فائقة وقفا بجواره وبنبرة حادة وآمرة طلبا منه أن يصمت وألا يتفوه بأي كلمة.
تابع الطفل الصغير كل ذلك وهو يحاول أن يخفي نفسه تحت المقعد ارتعد خوفاً وكاد يموت رعباً لا يعرف كيف يتصرف ولا كيف يستغيث فقد توقفت الكلمات في حلقه وحشرت الصرخة في حنجرته خاصة وهو يرى الأسلحة في أيديهما وتحولا إليه وبلا كلام قاما بجذبه من ذراعه بقوة وحمله ونقله إلى السيارة الأخرى وكأنه في كابوس وتم قيد لسانه وربط شفتيه حتى لم يستطع أن يقاوم وكاد يبول على نفسه من الرعب وهو يرتجف ألقوه في المقعد الخلفي للسيارة التي كانت جاهزة للانطلاق ولم يسمعا للأب الذي كان يعرض عليهما كل ما معه من أموال من أجل ترك ولده.
حبست أنفاس الرجل داخله وتوقف قلبه وهو يرى فلذة كبده في هذا المشهد الرهيب يقدم على الهلاك فما يحدث ليس مزاحاً وإنما عصابة مسلحة تخطف الطفل ولا يستبعد أن تلحق به أذى كبيراً أو ربما تقتله، خاصة وهو لا يعرف من هم ولا ماذا يريدون ولا ما هو السبب الذي دفعهم إلى ذلك إلا أن أحد الملثمين حذره من إبلاغ الشرطة وهذا ليس له إلا نتيجة واحدة وهي قتل الطفل وأنه لن يراه مرة أخرى وعليه أن ينتظر منهما اتصالاً هاتفياً. انطلق الرجلان بسيارتهما ومعهما الصغير، بينما انطلق العجوز وحيداً يقود سيارته بتهور لأول مرة في حياته عائداً إلى البيت ليخبر زوجته بما جرى ويفكران في كيفية التصرف كانت تجلس تشاهد التلفاز وبكلمات ناقصة الحروف متسرعة أبلغها بخطف ابنهما سألته عن التفاصيل وهي ملهوفة على فلذة كبدها إلا أنها بدلاً من التفكير في الخروج من المشكلة ومحاولة الاطمئنان على ولدها راحت تتهمه بالتقصير وتؤنبه لأنه لم يستطع الحفاظ على الصغير الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره إلا أنها في النهاية أكدت له ضرورة أن يلتزم وألا يبلغ الشرطة حفاظاً على حياة ابنهما ويجب حل الموضوع ودياً ولا يظل متمسكاً ببخله ويتسبب في ضياع ابنه وأن يتخلص من حبه للمال ويدفع الفدية بالتي هي أحسن لينقذ ابنه الوحيد.
وجاء أول اتصال هاتفي من الخاطفين وطلبا خمسة ملايين جنيه فدية لإطلاق سراح الصغير وأكدا مجدداً تحذيرهما له بعدم التفكير في إبلاغ الشرطة إذا كان يريد أن يعود إليه ابنه على قيد الحياة مرة أخرى وإلا سيتسلمه جثة هامدة لكن المبلغ المطلوب أصاب الرجل بالخرس فهو يحب المال إلى حد الإدمان رغم أنه يمتلك الملايين من الدولارات بجانب مصنع متخصص في انتاج الورق هو الوحيد من نوعه في الشرق الأوسط بناه بجهد وعرق السنين بعدما ورث عن أبيه أراضي وعقارات مع أموال قليلة واستطاع أن يضاعفها عدة مرات بما يعني أن المبلغ المطلوب لا يمثل نقطة في بحر ثروته وكانت النتيجة أنه رفض الابتزاز وقرر أن يبلغ الشرطة فهي الوحيدة القادرة على التعامل مع هذه العصابات وقد تعيد إليه ابنه وتوفر أمواله وضرب بنصيحة زوجته الشابة عرض الحائط.
توجه العجوز إلى المباحث الجنائية المتخصصة في مثل هذه القضايا وحرر محضراً بالواقعة وأدلى فيه بكل تفاصيلها وقال إن عمره تجاوز الثمانين وكان في طريق عودته من النادي بعد أن قضى بعض الوقت مع ابنه الذي رزق به بعد طول انتظار وعناء فقد سبق له الزواج عندما كان في الأربعينات من عمره واستمرت زيجته حوالي ربع قرن لم يرزق خلالها بأطفال واضطر بعدها لتطليق زوجته من أجل الزواج مرة أخرى لإنجاب ولد يرث كل هذه الثروة، لكنه وجد نفسه في مأزق كبير إذ أنه كان حينها في الخامسة والستين من عمره وليس من اليسير أن يعثر على فتاة أو زوجة مناسبة له واصطدم بالواقع المر ولم يفكر في هذا الأمر بهذا الشكل فقد اعتقد أنه سيجد العشرات بل المئات طوع إشارته، لكن ما لم يحسب له حساباً أن من يمكن أن تقبل الزواج منه لا بد أن تكون مقاربة له في العمر، وتلك لن تكون صالحة للإنجاب، فكل الأطباء يؤكدون أن فرص الحمل عند المرأة بعد الخامسة والأربعين تكاد تكون معدومة.
ظلت المشكلة تؤرقه لأكثر من خمس سنوات إلى أن التقى فتاة فقيرة مجرد عاملة لديه في المصنع الذي يملكه وهي في الثلاثين من عمرها تزوجها وهو في السبعين والهدف الوحيد هو الإنجاب وحدثت المعجزة، فقد حدث الحمل في الشهور الأولى من الزواج لتتحقق أغلى أمنيات حياته على الإطلاق ورزق بهذا الولد الوحيد الذي بلغ الآن العاشرة من عمره وفقده في لحظة ويخشى أن يتعرَّض لمكروه على أيدي هذين الشريرين ولم يتعرف على أي منهما ولم يستطع أيضاً أن يلتقط أرقام السيارة التي كانا يستقلانها لأنها كانت مطموسة عن عمد بوضع لاصق أسود عليها.
البلاغ جد خطير فالطفل معرض للموت في أي لحظة ولا بد من استباق الزمن قبل أن تقع الواقعة ويفوت الأوان، لكن السؤال الطبيعي الآن أين الأم؟ وتم استدعاؤها لعلها تدلي بأي معلومات قد تفيد في التوصل إلى الجناة قالت إنها تزوجت زوجها هذا رغم أنه يكبرها بأكثر من أربعين سنة أي أن عمره ضعف عمرها وهي في سن أحفاده، لكن الفقر دفعها إلى ذلك بجانب أنها أصبحت عانساً وليس لديها أمل في أن تتزوج من شاب في مثل عمرها ولم لا وهي مقبلة على الزواج من «كنز» سيحقق لها كل الأماني والأحلام ولعلها تعيش ما تبقى من عمرها معه فتعوض كل ما فاتها وتودع الحرمان إلا أن الخلافات عرفت طريقها إليهما من اليوم الأول الذي دخلت فيه بيته فهو رجل شحيح بخيل يعيش على هامش الحياة ولا يتمتع بأي شيء فيها رغم ثرائه الفاحش وسيارته ماركة قديمة جداً أكل عليها الدهر وشرب يتولى قيادتها بنفسه حتى لا يدفع أجر السائق ولا يخشى الموت أثناء القيادة وهو ضعيف البصر حتى عندما يخرجون في نزهة أو إلى النادي فإنه لا يكلف نفسه شراء زجاجة مياه غازية أو قطعة شيكولاته لها أو لابنهما الوحيد ويعودون، كما خرجوا، لذا فإنها توقفت عن الخروج معه وأصبح يخرج مع ابنه وحدهما وكثيراً ما تعرضت لمواقف محرجة فكل من يشاهدها معه يعتقد أنها ابنته.
في نفس الوقت كان العمل في جمع المعلومات عن الخاطفين يسير على قدم وساق فمن خلال رقم الهاتف الذي اتصلا منه تبين أن أحدهما كان عاملاً في مصنع الزوج وترك العمل منذ فترة لخلافات معه وتم وضع خطة لمجاراته بأن يدعي أنه وافق على دفع المبلغ، ولكن على دفعات إلا أن الخاطفين رفضا فتم الاتفاق على دفع المبلغ كاملاً بعد تخفيضه وفي المكان والزمان المحددين للتسليم والتسلم ألقي القبض على الخاطفين وتحرير الطفل المخطوف سالماً والذي أكد أنه لم يتعرَّض لأي أذى أو سوء وإنما لقي معاملة طيبة.
أما المفاجأة التي ألجمت الجميع، فقد اعترف المتهم الأول بأن أم الطفل هي زعيمة العصابة وأنها دبرت كل ذلك فقد اتصلت به واستغلت خلافه مع زوجها وطلبت منه أن ينتظره أثناء خروجه من النادي ومعه الصغير واستعان بأحد أصدقائه واستعد للتنفيذ إلى أن اتصلت به وأخبرته بوجودهما في النادي في ذلك اليوم على أن يطلبا منه مبلغ الفدية الكبير وسيكون له منه نصيب جيد والمفاجئ أيضاً أنها لم تحاول أن تنكر وإنما اعترفت بكل التفاصيل، وقالت إنها أقدمت على الجريمة لأنها تعرف أن ابنها لن يصيبه مكروه، كما فعلت ذلك انتقاماً من زوجها وبخله، أما المفاجأة الثالثة فقد تنازل الزوج عن الاتهام حرصاً على ترابط الأسرة ووعد بالإنفاق على الأسرة، لكن لا بد أن يأخذ التحقيق مجراه.

اقرأ أيضا