الاتحاد

دنيا

الزوجة المغدورة


عمان ـ توفيق عابد:
لا نكتب من فراغ ولا ننسج قصصا من خيالنا بل نسجل أحداثا واقعية من مجتمعنا وعلى لسان أصحابها لكننا نتدخل فقط في طريقة عرض القضية مثار البحث حتى لا يتضرر احد على الاطلاق، ولا نخترع بطولات دون معارك ولا نشطح وراء واقعة مثيرة تلفت الانتباه بحثا عن اثارة في زمن الغرائب وانهيار القيم والمبادئ بقدر ما نوثق حادثة بعينها تكون عبرة وموعظة فقد يصدف وأن ننعطف ونجد أنفسنا في موقف مماثل·
الحادثة التي نحن بصدد الولوج في منعطفاتها قد لا تكون غريبة أو مستهجنة، فحياتنا الزوجية مصابة بفيروس الصمت وتجمد المشاعر الجميلة التي تجدد حياتنا صباح مساء· وتصور مأساة سيدة 'بنت أصول' أفنت شبابها في اسعاد زوجها وانجبت له طفلين هما الان في سن المراهقة، ووقفت معه براتبها ومعارفها وعلاقاتها ورصيدها العشائري حتى يقف على قدميه ويتقدم الى امام لكن يبدو أن هذه الجرعة الكبيرة من المساندة والدعم المادي والعاطفي لم تكن كافية ولم تشفع لها أو تؤمن لها حماية مشاعرها وكرامتها من الخدش·
جامعية تخرجت من جامعة الامارات العربية المتحدة بامتياز - كما قالت- وهو لم يستطع اجتياز الثانوية العامة الاردنية بنجاح، وبقي على حاله يترنح تحت وطأة انخفاض مستوى تعليمه ويلعن الظروف ويتذرع بصعوبة المناهج الدراسية ويزعم أن هدفها التعجيز وليس التعليم، فهي من وجهة نظره السبب الرئيس في عدم تمكنه من تعليق شهادة جامعية على جدران صالون منزله يتفاخر بها أمام ضيوفه وزملائه في العمل وبقي محاصرا بـ 'عقدة' نقص المستوى التعليمي·
تفاوت
الزوجة المنكوبة تتحدث بلغة لا يجيدها، وتطرح قضايا ومواقف في جلسات باسلوب راق وممتع؛ يتحلق الأقارب والجيران وأصدقاء الأسرة حولها كالمغناطيس ويعودون اليها في كل صغيرة وكبيرة، ويبقى هو على 'الحياد' يرمقها بنظراته ويهز رأسه انبهارا وربما يرثي لحاله فالسكوت ليس من ذهب احيانا·
ورغم هذا التفاوت ومرور 16 عاما على زواجهما بعد قصة حب دراماتيكية لم يصدر عنها اية ايماءة أو تلميح مباشر او غير مباشر، ولم توجه له أي عتب بوجود فوارق بينهما بل حافظت على كرامته وكبريائه وتعاملت معه باعتباره 'سي السيد' صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في القرارات المتعلقة بإدارة شؤون البيت والعائلة·
صحيح أنها وباعترافها كانت تهمس وتدندن في اذنه بما تريد وتملي عليه ما تخطط له في خلوتهما الزوجية بهدوء ودون ضجيج وخاصة في قضايا الأسرة، لكن إشهار القرار كان بيده أمام الطفلين وحتى الأهل والجيران مقتدية بوالدها ووالدتها التي قالت أن علاقتهما كانت قدوة للازواج و 'سمن على عسل'· الحياة لا تسير على وتيرة واحدة والبوصلة قد تخون احيانا القبطان ومؤشرها لا يعطي الاتجاه المطلوب كما يشتهي ربان السفينة، فتارة تكون مشوقة ومتجددة وجميلة يتمنى الانسان خلالها أن يتوقف الزمن ولا تغيب شمس الساعات الجميلة فلحظات السعادة في زمننا هذا كما يتفق الكثيرون معدودة جدا وقد لا تتكرر ثانية وتارة اخرى يتبدل الوضع ويصبح ما كان بعيدا هو الواقع المر·
في مهب الريح
فجأة تبدل الحال وخيم على عشنا الزوجي الصغير اليباس واليأس والعطش العاطفي، وأخذ زوجي يحدق في سقف منزلنا رائحا غاديا يذرع الصالون ويتحسس نافذته ويسرق بين الخطوة والأخرى نظرة سريعة الى نافذة مفتوحة؛ يتحاشى النظر أو الحديث معي الا للضرورة القصوى وينهض مغادرا بسرعة محدثا أول شرخ كبير للمألوف في حياتنا ومحرمات علاقتنا المقدسة التي لم يخدشها شيء على الإطلاق·
ترى ما الذي تغير وأي ريح عاتية تقترب من منزلنا تكاد تعصف به فالمرأة تشتم رائحة المرأة على الدوام عندما تفتر علاقتها مع رجلها سواء أكان زوجا أم حبيبا أم مجرد صديق تشرئب له العيون وتهفو اليه القلوب، فالمرأة في نظر المرأة قابعة في قفص الاتهام حتى ولو كان الأمر لا يعدو مجرد وهم عابر أو سوء في تفسير سلوك طارىء ليس الا· شقتنا مظلمة بعد أن خلدنا الى النوم جميعا واستسلمنا الى سلطانه باستثناء غرفة المعيشة التي بقيت مضاءة فأنا موظفة يتحتم عليّ الاستيقاظ مبكرا أسوة بالموظفين؛ صمت يعم المكان الا من همسات خفيفة تنبعث عبر الهاتف مع خيوط الفجر؛ مشيت كما يقولون حافية على رؤوس أصابعي أسترق السمع؛ لأكتشف ما يجري بالضبط من حولي؛ لم يشعر بوجودي أبدا فهو منبطح على الأرض ومندمج في شرح احواله وحاجته الى حبيبة تقف معه في مواجهة الصعب وان الحب هو الذي يلهمه في عمله الإبداعي اليومي وغيابه أفقده الرغبة في الحياة·
بقيت متسمرة في موقعي أستمع لأكاذيبه وغزله الجميل 'أعطاني الله تعالى قدرة غريبة على ضبط اعصابي'، فقد كان يتحدث وكأنه يقرأ من ورقة مكتوبة فلم اتعود حتى أيام الخطوبة على سماع حديث من هذا القبيل فهو كما كان يقول لي لا يجيد الكلام بل يؤمن بأن الحب يأتي من خلال الفعل الملموس والمعاشرة وليس الكلمات المعسولة التي قد تكون تمثيلا وخاصة أيام الخطوبة حيث يتفنن الرجل في تقديم نفسه لترغيب فتاته والاستيلاء على قلبها من خلال سعيه لبناء قصور من السعادة وضمان حياة كريمة ورغيدة·
غزل آخر الليل
واسترسل يقول: أنا أشكو من الوحدة وظلمة الأيام وجفاف العواطف، وأبحث عن الحب والجنة المفقودة· ظروفنا واحدة نبحث عن شيء جميل نفتقده معا فزوجتي مقعدة وعاجزة حتى عن القيام بواجباتها الزوجية وباردة لأنها مريضة بمرض غريب عجز عنه الطب وأنها تنتظر ساعتها المحتومة وأنه لم يقترب منها منذ سنتين لسوء حالتها الصحية فإلى متى يطول صبري؟!
وبعد مكالمته طلب اليها أن تقف على شرفة المنزل برهة حتى يرى وجهها مع خيوط الصباح ليستبشر بها ويودعها بإشارة من يده والناس يغطون في نوم عميق؛ نفذت ما طلب منها واشاحت له بيديها فبادلها التحية دون أن يشعر بأن هناك من يرصد حركاته ويحفر في ذاكرته كل كلمة تفوه بها وسيحاسب عليها بعد حين·
لا أدري كيف تحملت تغزله بعشيقته حوالي نصف ساعة فقد هددني غير ذات مرة أثناء مناقشاتنا الحادة بأمرأة أخرى، لكنني كنت أجزم بأن ما يقوله مجرد كلام انفعالي لن يطبقه على الاطلاق، فهو ثرثار يخترع قصصا خيالية كمن يخرجها من تحت ابطه لإغاظتي ليس إلا، كما أنني لم اقصر في أي واجب من واجباته رغم أنني موظفة مثله انفق على البيت كما ينفق وأشقى كما يشقى؛ وكنت على قناعة بأنه لن ينظر خارج العلاقة الزوجية أبدا لكن يبدو أنني كنت واهمة تماما واتخيل أشياء مثالية بعيدة عن مجريات الحياة·
كتمت غيظي وتسللت الى سريري وتصنعت الاستسلام للنوم كما يحدث في فيلم عربي، وبالغت قليلا لدرجة أن شخيري بدا عاليا على غير عادة حتى يكون على قناعة بأنني لا أعرف ما يجري لكن الافكار والأوهام كانت تتناطح في رأسي؛ تمدد إلى جانبي ؛ افتعلت الاستيقاظ على حركته وسألته عن سر سهره حتى ساعات الصباح فأجاب: كنت قلقا ولم يداعب النوم عيوني فخرجت الى الشرفة أشم هواء الصباح·
ذهبت إلى عملي كالمعتاد لكنني كنت متعبة وقلقة لدرجة أن زميلاتي لاحظن دمعة عزيزة تترقرق بين الأهداب تأبى المغادرة؛ طلبت من مديرتي اجازة طارئة لمراجعة طبيب اختصاصي في الأمراض النسائية بينما في واقع الأمر كنت اخطط لمعرفة المرأة التي تحاول سرقة زوجي واستطاعت التسلل الى قلبه على النحو الذي سمعته، المرأة التي تريد هدم أسرة لتبني سعادتها·
لقد عاندت أهلي وتمردت على رفضهم له بحجة الفارق التعليمي والثقافي فكيف أظهر أمامهم الأن مذلولة مجروحة بسكين من حاربت من أجله ووقفت الى جانبه؟ لست ممن يفشلن، ومن هنا يجب التحرك وحيدة لمعالجة الحالة الطارئة التي زعزعت الثوابت في قلبي·
شيفرة الهاتف
وفي الليلة التالية لم يهدأ هاتفه الخلوي، رنة واحدة وتنقطع المكالمة، وكأنها 'شيفرة' ثنائية ولا يرد في حضوري مما عزز شكوكي وهو لا يدري كيف يتصرف ينظر الى الرقم على الشاشة ويتأوه من ازعاجات الهواتف الخلوية فأنا لا أرد على مكالماته وهو كذلك احتراما لخصوصية كل واحد ولكن هناك سر غامض·
راقبت بكيد المرأة الشرفة التي أطلت منها غريمتي فهي قريبة وتجولت بسيارتي قرب العمارة استكشف المكان وتشاء الصدفة أن التقي بواحدة من طالباتي تسكن العمارة ذاتها؛ سألتها عن والدتها التي تعرفت عليها أثناء اجتماعات مجلس الآباء والأمهات فأخبرتني بأنها أجرت عملية جراحية في القلب وهي في البيت تتعافى فطلبت منها ترتيب زيارة فوافقت على ذلك·
الصدفة تلعب دورها للمرة الثانية وكأن ما يجري 'قدري' فأثناء تناول فنجان من القهوة في منزل والدة طالبتي المريضة حضرت سيدة متوسطة الجمال قالت المضيفة أنها مطلقة وعانت من صلف الرجال وعنجهيتهم وحمدت الله تعالى على أنها لم تنجب أطفالا؛ وأن أهلها يحاولون تزويجها حتى تتخلص من وصمة 'المرأة المطلقة' التي لا يرحمها المجتمع الاردني وتلاحقها الالسن في ذهابها وإيابها لكنها لم تشف بعد من مرارة التجربة السابقة·
جاملتها كثيرا دون أن أعي أنها المرأة التي أبحث عنها، توحدت معها في مصيبتها وتعلقت بي كثيرا لدرجة أنها أصرت أن أشرب في شقتها فنجانا آخر من القهوة فلبيت دعوتها لتقع المفاجأة عندما جلسنا في نفس الشرفة التي أطلت منها سيدة وأشاحت بيديها لزوجي الذي خرج الى الشرفة ليشم هواء الصباح كما زعم·
ارتبكت قليلا لكنني ضبطت أعصابي وتنقلت بنظري بين شرفتها وشباك صالوننا دون أن تشعر بذلك وتبادلت معها مجاملات 'من غير نفس' وأخذت أفكاري تتقارب وتبتعد دون أن تتولد فكرة محددة لأعطي الزوج الذي يهفو لمغادرة عشه درسا في الوفاء الى أن قفزت فكرة بعينها وهي دعوتها للغداء وتقوية العلاقة من خلال 'العيش والملح'، رحبت بذلك وحددنا موعدا تعمدت أن يكون زوجي خلاله في البيت· لم استبعد موافقتها السريعة فهي تتعافى من تجربة فاشلة وتستعد لدخول تجربة أخرى وعليها مخالطة الناس وتنفس هواء جديد لكي تنسى وتعزف أوتار قلبها المعطوبة من جديد·
مواجهة
حانت المواجهة مع الزوج الخائن؛ فقد حضرت في موعدها·· بالغت في احترامها وتبادلنا النكات وأثنت على الأكل اللذيذ، ومدحت نفَسي الطيب في الأكل، وأثناء تناول فنجان من القهوة دعوت زوجي للتعرف على ضيفتنا فدخل بعد أن تهندم قليلا فهو يحب 'قعدات الستات' لتقع المفاجأة فالسيدة التي ملكت عليه قلبه موجودة برفقة 'أم العيال' وهي صديقتها فكيف يتصرف!
هول الصدمة لم يكن سهلا عليه فقد صافحها بشكل لا يوحي بأنه يعرفها ولاذ بالصمت وحاول الاستئذان على غير عادته لكنني أمسكت زمام المبادرة وسألتها: هل أنا قبيحة؟ وهل أنا مقعدة أو مريضة انتظر الرحيل عن الدنيا؟
وانفجر الوضع، فقد فهمت ضيفتي الرسالة سريعا وتصدت للاجابة فباحت بالمستور وقالت له: 'حاولت خداعي والكذب عليّ فزوجتك انسانة رائعة لا ينقصها جمال وليست مريضة· أنت إنسان كذاب، عيب عليك، اتق الله، العيوب فيك انت، شوف حالك، أنا أريد رجلا وليس ذكرا، كيف تسعدني وهذه السيدة راضية وساكتة، ادعيت أنها مقعدة وها هي ذات قوام جميل كالغزالة، ظفرها أحسن منك'·
لم ينطق بكلمة واحدة واستمع لكلماتها الجارحة وهو مطرق في الأرض يتلون كالحرباء واعتذرت لي عن انتهاكها لأصول الضيافة وتفوهها بكلمات خارج الذوق السليم فالوضع كان صعبا عليها فهي ليست من النساء اللاتي يسرقن الأزواج لأنها شربت الكأس نفسه وهمت بالمغادرة وقالت قبل أن تودعني: الله يعينك على بلواك·
بصراحة كنت مبسوطة على 'بهدلته' فهو بحاجة لأن يصحو من شططه لكن عاصفة قوية خلخلت عواطفي وغيرت كياني كله؛ صحيح أنني انتصرت في معركتي لكنني محتارة بين قلبي الذي يلح عليّ بترك البيت وعقلي الذي يدعوني الى الصبر·
لا أدري ماذا أفعل فهل أقبل اعتذاره وأخمد صراع عقلي وقلبي وأرضى بالمكتوب فليس لي سواه وطنا وشاطئا ولا شيء غيره عندي·· كان لساني وكنت يده·· ليته انشق القمر قبل أن تغرق أحلامي!

اقرأ أيضا