الاتحاد

دنيا

يحرق نفسه ليستعيد زوجته


سعاد جواد:
منظر غريب لشاب تبدو عليه علامات الوسامة على الرغم من الحالة اللاعقلانية التي يمر بها· هذا الشاب حمل قارورة 'كاز' ووقف أمام منزل أهل زوجته مضطرباً يصرخ ويهدد بأنه ان لم يستعد زوجته حالاً فإنه سيسكب 'الكاز' على نفسه ويحرقها· اتصل الناس بالشرطة وما ان سمع الشاب صوت سيارة الشرطة حتى دلق كمية 'الكاز' التي في يده على ثيابه وأشعل النار·
بعد ان لسعته النار بحرارتها راح يقفز خوفاً وهلعاً باتجاه رجال الشرطة الذين أسرعوا الى استخراج آلة الاطفاء من سيارتهم ووجهوا نحوه السائل الدخاني الكثيف الذي اطفأ حريق الرجل، فسقط مغشياً عليه·
قصة غريبة من نوعها حدثت أمام حشد كبير من الناس، وبقي الجميع في حالة ذهول وتساؤل، فكيف يفعل مثل ذلك الشاب عملاً شنيعاً لا سلطة للعقل فيه· التفاصيل المرافقة للحادث عرفت أثناء التحقيق مع زوجة ذلك الشاب، التي سردت حكايتها مع زوجها الطائش الذي لم يعرف قيمة الحياة التي منحها الله له·
تحدثت تلك المرأة البائسة بحرقة وألم عن حياتها التعسة مع ذلك الرجل، قائلة: ولد زوجي في أسرة ميسورة· كان والده غنياً يملك مصنعا كبيراً يدر عليه أموالاً طائلة كان ينفقها مع أسرته على مظاهر الترف والبذخ· كبر الأولاد وتزوجوا واستقل كل واحد منهم بأسرته وبقي الولد المدلل الذي هو أصغرهم في حضن والديه· لم يفلح في الدراسة ولا في العمل وبقي في المنزل يعيش عيشة الأمراء بلا أدنى تفكير بما يخبئه المستقبل·
تبدلت الظروف والأحوال فخسر الأب أمواله وفشل المصنع وتم الحجز عليه لتغطية الديون· ثم اصيب الأب بأزمة قلبية غادر على أثرها هذه الدنيا إلى العالم الآخر، ثم لحقت به زوجته فبقي الولد وحيداً·
حاول اخوته مجاملته بأن سمحوا له بالسكن لديهم، فبقي يدور بينهم، كل فترة في بيت واحد منهم حتى ملوا من تحمل مسؤوليته، فقرروا جمع مبلغ لتزويجه وفتح بيت بسيط له·
وقع الاختيار علي ـ لسوء حظي ـ فقد كنت أعمل موظفة ولدي راتب جيد، ففكروا بأن يلقوا مسؤولية اخيهم الفاشل على رأسي· تصورت بأنني محظوظة لأنني سأتزوج ابن عائلة ثرية، ولم أكن أعلم باقي التفاصيل وما ينتظرني في هذه الزيجة الفاشلة مئة بالمئة·
تشارك الأخوة في جمع تكاليف الزواج واستأجروا شقة وفرشوها ثم وضعوا مبلغاً لا بأس به بيد أخيهم واخبروه بأنه آخر مبلغ يصله منهم ثم تركوه ليعتمد على نفسه·
الحقيقة المؤلمة
بعد أشهر قليلة من زواجنا، أنفق زوجي ما لديه من مال وتكشفت لي الحقائق المؤلمة كلها عنه وعن فشله وعدم تحمله للمسؤولية· صار يستدين المال من اصدقائه ومعارفه ليدفع الإيجار ويسدد الفواتير، وظل يرفض فكرة العمل رغم محاولاتي المتكررة، فهو لم يعتد على التعب كما يقول وكرامته لا تسمح له بالتنازل أمام الآخرين·
مل دائنوه، ولم يعد لديه من يستدين منه، فصار يطالبني بالمشاركة بتسديد تلك الديون والانفاق على احتياجات المنزل، وحين رفضت سرق مني ما أملكه من مال كنت قد وضعته في دولاب ملابسي، وحين واجهته انكر ذلك واتهمني بمحاولة تشويه صورته، ثم اخذني إلى منزل أهلي واخبرني بانه سيطلقني، وقال لي: انت زوجة غير صالحة وأنانية لا تقدر ظروف زوجها ولا تشعر بازمته، لقد صرفت عليك كل ما أملك وها انت تتخلين عني في أزمتي·
أزمة! أية أزمة؟ أجبته باصرار: انها ليست أزمة، انت تريد ان تعيش حياتك بلا عمل وتريد ان أتولى انا مسؤولية الانفاق بدلاً منك·
ازدادت حدة المناقشة بيننا، فأوقف السيارة في الشارع وفتح الباب وألقى بي خارجها دون ان اتمكن من اخذ حقيبتي اليدوية ثم إنصرف· عدت إلى منزلي ماشية على قدمي لأنني لا أملك مالاً أدفعه للتاكسي ولأن بيت أهلي بعيد لا استطيع الوصول إليه سيراً على الأقدام·
وصلت إلى شقتي فوجدتها مغلقة ولم يكن معي مفاتيحها التي بقيت في الحقيبة· جلست أمام الباب لساعات طويلة حتى عاد أخيراً، ولم يكن بحال أحسن من السابق، فتشاجر معي مرة أخرى وقام بضربي، فاضطررت للاتصال بأهلي ليأخذوني بعيداً عن هذا الجحيم المر·
حكيت لأهلي مشكلتي فوقفوا معي ونصحوني بعدم الانصياع له وتركه ليتحمل المسؤولية ويتصرف كرجل·
العودة من جديد
بقيت عند أهلي لفترة ثم اكتشفت بأنني حامل، فقررت ان اعيد حساباتي مرة أخرى من أجل طفلي القادم· عدت إليه وليتني لم أفعل· فقد اعتبر عودتي تنازلاً يحق له على أثره ان يذلني ويحقرني كما يشاء· صار يهجر البيت ويتغيب عنه، فاضطررت لتغيير أسلوبي معه وأخبرته بانني سأسدد كافة ديونه وأنفق على البيت من راتبي شرط ان يكون زوجاً صالحاً وأباً طيباً لأبننا القادم·
عاد إلى وضعه الطبيعي وصار يعتمد عليّ في الانفاق عليه، فإذا رفضت ذلك تبدلت اخلاقه وصار عصبياً لا يطاق· صبرت كثيراً· صبرت حتى مللت· نعم، مللت، وانا أجده نائماً مستريحاً طوال اليوم، وانا اتحمل المسؤولية كلها خارج البيت وداخله· اصبحت أقل صبراً وتحملاً واصبح هو يزداد كسلاً وخمولاً·
أنجبت طفلتي وحاولت ان اشعره بأنه قد اصبح أباً وان الطفلة بحاجة لأب يكد ويعمل من أجلها· لم ينفع كل ذلك وصار يتهرب مرة أخرى ويغيب عن المنزل لفترات طويلة·
تعرف على شلة جديدة فاسدة من مدمني الخمر والساقطات وصار يقضي معهم سهراته حتى الصباح ويبقى نائماً طوال النهار·
لم أعرف من أين كان ينفق المال على تلك السهرات وفجأة اكتشفت المصدر الذي كان يحصل منه على ذلك المال· انها مجوهراتي التي أخذ يسرق منها قطعاً ويبيعها دون علمي· ففي أحد الأيام طلب مني مساعدته بمبلغ ليشتري لنفسه سيارة جديدة، وحين رفضت ضربني وأهانني، فتولد لدي هاجس انه ربما سيسرق مجوهراتي فيبيعها ويشتري سيارة جديدة· تفقدتها فصدمت لأنني وجدت أن معظمها قد اختفى· واجهته فأنكر ذلك وقام بضربي وأهانني·
عودة للأهل
قررت عدم الصبر على كل ذلك وعدت لمنزل أهلي وحكيت لهم كل التفاصيل· فتعجبوا من صبري على كل ذلك،وقفوا الى جانبي، وقررت الذهاب إلى المحكمة لطلب الطلاق·
عندما عرف ما فعلته حاول استرضائي وعندما رفضت ذلك طلب رؤية ابنته· أحضرتها له، أخذها وانصرف غير آبهٍ لصراخي، ثم تركها في شقتنا لوحدها وأقفل عليها الباب· أخذني أخي إلى الشقة فسمعت صراخ الطفلة وهي تبكي لوحدها· قمنا بكسر الباب بعد ان تحطمت اعصابي وانا اسمع صراخ طفلتي المسكينة وهي تكاد تموت لوحدها· أخذت الطفلة وماكدت اخرج بها من البناية حتى عاد زوجي وضربني وضرب أخي ثم أخذ الطفلة إلى منزل أحد أخوته· ذهبنا انا وأخي إلى مركز الشرطة وقدمنا بلاغاً ضده بالاعتداء علينا بالضرب·
امسكته الشرطة ووضع في السجن لمدة بسيطة ثم أخرجه أخوته بكفالة· استعدت طفلتي منهم بعد ان وعدتهم بالتنازل عن القضية· كانت الطفلة في وضع صحي سيء للغاية·
حكمت لي المحكمة بالطلاق وحضانة الطفلة، فطعن في الحكم وطالب بأن يلغى حكم الطلاق لأنه ليس مبنياً على الحقائق· في تلك الفترة جاء الى منزل أهلي وصار يحدثني بأسلوب لطيف ويعدني بأنه سيغير تصرفاته، فرفضت ذلك فطلب مني كوباً من الماء وعندما أحضرته له ألقاه على وجهي محاولاً إيذائي وتشويهي بقطع الزجاج ولكن الله حماني منه·
ثم صار يلاحقني ويتابعني في كل مكان أذهب إليه، فذهبت إلى الشرطة وطلبت منهم ان يأخذوا منه تعهداً بعدم التعرض لي·
عندما يئس من إقناعي بالعودة إليه وقف عند باب منزل أهلي وهو يحمل قنينة (كاز) وصار يهددني ان لم اعد إليه بحرق نفسه· بقي واقفاً لمدة طويلة حتى تجمع الناس واتصلوا بالشرطة، وعندما اقتربت سيارة الشرطة صب (الكاز) على ثيابه واحرق نفسه· قام رجال الشرطة بإطفائه وأخذوه إلى المستشفى بعد ان تعرض لحروق كثيرة في أجزاء جسده·
انه إنسان مضطرب الشخصية يحتاج للعلاج النفسي، حيث تقرر تحويله إلى العيادات المتخصصة لذلك·
قررت ان أبحث عن عمل في إمارة أخرى، في مكان لا يعرفه، لأعيش حياة آمنة بعيدة عن كل تلك الأزمات المؤذية التي افتعلها طليقي·

اقرأ أيضا